مقال عن الوسيطة أرسله إلياس حموتي

9807 مشاهدة

الوسطية كلمة تكونت من حروف جميلة حنينه، بالواو ود وبالسين سلاسة وبالطاء طراوة وبالياء نداء للإقبال، وبالتاء المربوطة المبسوطة تُجمع الفم لقول شيء عظيم، تقرب ولا تبعد، تدعوا ولا تصد، تحيي ولا تميت، تنور ولا تظلم، تفرح ولا تحزن، كلمة حلوة و بأضدادها تكون مرة، هذا هو الدين، دين الإسلام.الوسطية مبدأه، والكلمة الطيبة نداءه، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيه.

أثنى الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية بالوسطية فقال : ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا” ، بين المتطرف والمفرط، بين المتعالي والمستضعف، بين الجافي والغالي، اليهود قتلوا، والنصارى ألَّهوا، والملحدون كفروا، والمتطرفون أرهبوا، والرهبان بالغوا، إلا المسلمين ما كفروا وما قتلوا وما ألَّهوا وما أرهبوا وما بالغوا…إن الوسطية هي من أبرز خصائص هذا الدين العظيم، أساس التوازن، وقد أريد بها التوسط والتعادل بين الأمور كلها وبينها جلها، أمورٌ متقابلة متضادة، بحيث أن لا يغلب أحدهما الآخر أو يؤثر أحدهما على نقيضه، فيدمغه أو يطرد طرف الطرف المقابل ، ومعنى التوازن أن يُفسح لكل طرف مجاله، ويُعطى حقه بلا وكس ولا شطط ولا غطرسة ولا غُلوٍ ولا تقصير ولا طغيان ولا اِخسارا.

و قد ذكر شيخ الإسلام الثاني ابن القيم في كتاب (بالفوائد) خير الأمور الوسط: (والأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به؛ فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك) .

إن مبدأ الوسطية التي أفرد لها بحثاً ، قد شغل حيزاً كبيراً في آيات الكتاب الكريم، وبلغ ذلك  في فاتحة الكتاب التي يتلوها كل مؤمن في اليوم الواحد سبع عشر مرة على الأقل: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ )) [الفاتحة:6، 7].

أليست هذه دعوة إلى الوسطية؟ وهي تعتبر طريق النجاة والاستقامة والسلامة، إذ أنها تجانب طريقين: طريق نهايته حلول الغضب من الله، وطريق آخر نهايته الضلال، والمسلم يسير بينهما على وجل وحذر من الوقوع فيهما، ولذلك شرع الله له أن يقرأ ذلكم الداء في سورة الفاتحة مراراً في كل يوم وليلة، حتى يضع أول قدميه في الجنة وعندئذٍ تحصل الطمأنينة والنعيم والحبور.

وقد ارتأيت وآمل أن يوفقني الله إلى كتابة مقالات أخرى، في بحث أستعين بكل ما ورد في الكتب والأنترنت في الموضوع، متركزا على المحاور التالية   :

  1. خصائص الإسلام.

  2. الإسلام وسط بين الأمم .

  3. أهل السنة وسط في العقيدة.

  4. الوسطية في المنهج.

  5. الوسطية في العبادة.

إذاً نحن أهل الإسلام ديننا دين وسط في ذلك، فالعقل له منزلته، بل العقل هو محطة تكليف، وفي المقابل نحن لا نغلو بحيث ما لم تصدقه عقولنا لا نقبله؛ لأننا نعلم أن العقل محدود، كما أن طاقاتنا كلها محدودة، فقوة اليد، والبصر، والسمع كلها محدودة، كذلك قوة العقل محدودة، لكنها قوة نعترف بها في حدودها.

إذاً التكاليف وسط، ولهذا المداومة على العبادة تكون في حدود ما تطيق {عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا }، {وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ } ولهذا ابن الجوزي رحمه الله يعلق على قضية المداومة، فيقول: إنما أحب الله الدائم لمعنيين:

أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان من قبل حفظها لا يتعين عليه.

ثانيهما: أن مداوم الخير ملازمٌ للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يومٍ وقتاً كمن لازم يوماً كاملاً، ثم انقطع.

 وفي الأخير أوصيكم ونفسي بقول الإمام الشافعي بقوله:

عليك بتقوى الله إن كنت غافــــــلا       ****         يأتيك بالأرزاق من حيث لا تــــــدري

فكيف تخاف الفقر والله رازقــــــــا      ****       فقد رزق الطير والحوت في البحــــــر

ومن ظن أن الرزق يأتي بـــــــقوة      ****      ما أكل العصفور شيئا مع النســـــــــــر

تزول عن الدنيا فإنك لا تـــــــدري       ****     إذا جن عليك الليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علــة   ****  وكم من سقيم عاش حينا من الدهــــــر

وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكــا        ****       وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يــــدري

وكم من صغار يرتجى طول عمرهم         ****      وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبـــــــــــــر

                          وكم من عروس زينوها لزوجـــــــــها ****       وقد قبضت أرواحهم ليلة القــــــــــــــدر

                     فمن عاش ألفا وألفـــــــــــــــــــــــــين        **** فلا بد من يوم يسير إلى القبـــــــــــــــر

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz