يونس فنيش: قايْد الكُتاب وكاتِب القيَّاد/ بقلم رمضان مصباح الإدريسي

164290 مشاهدة

 رمضان مصباح الإدريسي / وجدة البوابة: “ يونس فنيش: قايْد الكُتاب وكاتِب القيَّاد”

القياد كثيرون والكتاب قلة:

سبق لي أن  نشرت بهسبريس موضوعا تحت عنوان:”الذين لا يتكلمون هل تستمع إليهم الحكومة؟”؛وهذا رابطه:

http://hespress.com/writers/45770.html

مما ورد فيه عن هؤلاء الأبطال ،وان بدون مجد:

“هم فئة من قنافذ رجال السلطة والقضاء والأمن ،الذين لم يستسلموا لكل الإغراءات المحيطة بهم؛صدقوا ما عاهدوا الله،وأنفسهم عليه فواصلوا القيام بواجبهم أتم قيام ،بدون طمع ؛وبدون أن يلتفتوا الى قطارات الذهب التي تمر أمامهم ،كما قال المرحوم الحسن الثاني ؛وهو يتحدث عن القضاة.

هذه الفئة مبغضة في إدارتها لأنها تشكل نشازا لا يرتاح له رؤساؤها.بل منهم من همش وقلصت مسؤولياته وسلطته الى الصفر.”

من هؤلاء ،طبعا،القايد  فنيش ،بفارق كونه اختار أن يظل يتكلم؛من خلال منبرنا هذا ؛حيث يغرينا ،باستمرار،بدخول جزيرته الغريبة العجيبة الأعجوبة ،لا لنتفرج على قردتها وفواكهها”الاكزوتيك”،ولكن لنرى أنفسنا في مرايا مياهها الهادئة.دعوة مرحة وهادفة لنقرر ما الذي يجب أن نصلحه من هندامنا.

لا معرفة لي شخصية بالرجل ،وان كنت أعرف الكثير عن سهام الإدارة التي أصابته؛ من خلال حواراته الصحفية القديمة ،وكتاباته التي تحضر فيها جزيرته  الشخصية والباطنية.

كثيرا ما فكرت في أمره ،بعد قراءة نص من نصوصه الجادة والخفيفة الظل ،وقلت بيني وبين نفسي: رب ضارة نافعة؛القياد كثيرون والكتاب قلة.هذا قائد شاب يعبر إلينا-كاتبا- من قلعة الإدارة الترابية التي لم يخلق لها.هكذا يكون القلم قد استعاد حقوقه،أنامل خلقت لنحت الكلمات ونفخ الروح فيها ،وليس لإطعام غول الإدارة الذي لا يشبع. 

لكن بعد قراءة مقاله الأخير، حيث يكشف عن وضعيته إزاء إدارته  ،تأثرت بالغ التأثر ليس فقط لهذه الوضعية التي لا مبرر قانونيا وإنسانيا لها،عدا تشرنق بعض الممارسات السلطوية ،و تمنعها حتى على المفهوم الجديد للسلطة كما نادى به عاهل البلاد؛ بل تأثرت أيضا لكون الرجل غير مرتاح في وضعيته التي صنعتها المعاناة؛وضعية المواطن المخلص والغيور ،والعاض على مواطنته بالنواجذ حتى وهو يرى رؤساءه يسلبونه حق خدمة بلاده كما  حلم وطمح منذ تنصيبه قائدا بفاس في التسعينيات.

قهوة الوالد لمحاربة الرشوة:

مما حكاه القايد فنيش في حوار صحفي قديم أن والده زاره  لتهنئته ،غِبَّ تنصيبه في قيادته بفاس ؛ولما دخل المكتب وضع أمام ابنه علبة قهوة وهو يقول: حتى لا يأتي أحدهم ليعرض عليك قهوته. هذا أب فوق الشجرة؛

وانه والله لَمَحْتَد كريم.حبذا لو تدخل جميع الآباء ليوجهوا أبناءهم ،وهو يتقلدون المسؤوليات العامة، صوب الأنفة والعفة ،ونقاء اليد ،كما فعل فنيش الأب القادم من جبال الريف على ما أظن.

وأذكر أيضا  ما ورد في الحوار عن التفنن في أساليب التنكيل به ،حينما عُجِمتْ أعواده وتبين أنها لا تلين عدا للحق. كُلف بجمع “الميكا الكحلة” من ضواحي فاس ؛ورغم إقباله ،على أداء المهمة بمعية عمال مساعدين،فان الحُمرة لم تفارق عيون الولاية ؛مما جعله يواجه أحد المسؤولين بما معناه:المهمة أديناها ولم يتبق إلا أن ألتقط صورا إزاء الأكياس الممتلئة لكي تصدق.

وفي إطار هذه اللوحات السريالية دائما،والتي أثمرت في وجدان القائد جزرا عجيبة وغريبة ،وُجد من حرض شيوخ مقاطعته ومقدميها على الإضراب،وقد فعلوا.

بهذه وحدها يستحق القائد فنيش دخول موسوعة غنيس، باعتباره أول قائد مغربي يواجه بإضراب من فئة لم نعهدها إلا طائعة لا شِيَّةَ فيها.

وحينما بدا أن القايد “ما طابش جنانو”  استدعي الى الولاية لأمر يهمه ،لكنه ،ولفطنته،حدس أمورا أثارت ريبته ،ولولا أن عضلات سيقانه أسعفته جيدا في اللحظة المناسبة لأطعموه وجبة لكمات لم يستفد منها قائد من قبل.

هذا بعض ما جناه فنيش الأب على فنيش الابن ،وهو يلقي في وجهه بكيلوغرام من القهوة حتى لا يمد يده الى فنجان أحد.  وهذه بعض القراءات النقدية التنكيلية التي داهمت الرجل في ركاب كتابه “علي بابا…”. أقائد ويكتب كتبا؟

للقائد فنيش أشقاء:

من رجال السلطة الذين ظلموا لأنهم قالوا كلمة حق ،أو تصدوا-مثلا- لمشروع معماري تفوح منه رائحة العفن ،فأدخلوا الى دهاليز الإدارة بدون مهمة عدا أن يكونوا شهود إثبات ،وعبرة لكل من تسول له عفته أن يقف في وجه قطارات الذهب العابرة دوما الى جزر الصمت .

هؤلاء معروفون من طرف المواطنين ،ومن طرف رؤسائهم ومرؤوسيهم ؛ولا عذر للحكومة في عدم بحث كل ملفات المحالين على الإهمال من رجال السلطة الشرفاء،في المصالح المركزية والخارجية،لمعرفة حقيقة وضعيتهم ،ولماذا يوجدون في وضعية الأشباح،رغم نقاء ملفاتهم  عدا من “لا” الشاهقة كطبقال ،والتي قالوها في موقف ما ،وفاء لقسم أدوه أمام صاحب الجلالة.

أما الكاتب فنيش فلا أعتقد أن إدارته لا تتسع لملكته الفكرية .

ألا تطمح البلاد الى تكوين رجال سلطة يجسدون الشعار الملكي ؟  ألسنا بحاجة- في جميع جهاتنا وخصوصا  في صحرائنا- الى أطر ،برصيد من الإخلاص والقدرة على التواصل  مع الساكنة،وبصفة خاصة الشباب؟

ألا يحتاج الكثير من رؤساء الجماعات القروية الى لجان للمواكبة والتتبع حتى يسلم أداؤهم ،خصوصا التنموي؟

لا أرى الأستاذ فنيش ،حسب اطلاعي على كتاباته ،إلا مفيدا في هذا وغيره،فلماذا يترك هكذا شبحا صارخا في الوقت الذي تختفي الأشباح في الأزقة الخلفية؟

لقد سبق أن قلت بخصوص اعتقال أنوزلا”حتى وان أخطأ كل قضاة المملكة فلن يخطئ من تصدر الأحكام باسمه”

وكذلك كان. أتمنى أن ينصف القائد وان كنت غير مستعد لأخسر كاتبا متميزا.

 

Ramdane3@gmail.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz