يوم في الجوهرة الزرقاء السعيدية، وجوارها الجزائري/ رمضان مصباح الإدريسي

243775 مشاهدة

بطن الحوت:

لم يسعني غير الأبيض المتوسط لألقي فيه بسواد داعش –وليمة لأعشاب البحر- التي أبت إلا أن تخرج أعناقها من تخلفنا الحضاري الفضيع،وقبله من جبروت متوننا الشرعية التي لم تترك دينا إلا آذته،ولا رقبة إلا قطعتها.

قررت صباح هذا اليوم الصيفي أن أقطع رقبة داعشيتي– ولكل مسلم أن يفعل بداعشيته ما يشاء- فانحدرت عبر جنان سهل تريفة صوب الجوهرة الزرقاء؛ومن أسمائها أيضا السعيدية،إن استثقلنا عسكرية قصبة عجرود.

في مداغ لا تخطئ العين مبنى الزاوية البودشيشية.هنا أيضا ،وفي كل مرابع المغرب الصوفي العميق ،وفي كل مزارعه الروحية ،حيث تنبت الحكمة الدينية المغربية ،يمكن التطهر من بروتوكولات الفقه السري للأمراء الدمويين .

ورغم عدم صوفيتي تمنيت لو زار هذه المرابع كل شاب به مس من الداعشية؛على الأقل كآخر محطة قبل العبور الى الجريمة الدينية. ليس في النور الإلهي ثقوبا سوداء كالتي في السماء؛وأحيانا حتى في الدين.ولن تخطئ هذا النور من أي مسلك آمن أتيته. ولن تعرج إليه على متن النصوص الدينية فقط.

أيها الشباب لم يكلفكم أحد بأن تقفوا على أبواب الجنة جمركيين. لله الأمر من قبل ومن بعد .

لا لا، لن أختار لك يا داعشيتي غير بطن الحوت- ولا منج- حتى لاتنبت لك رؤوس أبدا.

الجزائر العسكرية لا تَسْبح:

اذا كنت تبحث عن سريالية طبوغرافية تُكشر فيها ضفةُ الوادي في وجه الضفة الأخرى الباسمة؛فضالتك في “بِينْ لَجْرَافْ”؛حيث تتناثر ،يمين الداخل إلى الجوهرة الزرقاء ،ثكنات الجيش الشعبي –القديمة والحديثة- في سافلة الشطر الجزائري من جبل بألف حكاية.انه واد كيس العالق بين التناقض التاريخي والجغرافي ،حتى شحت مياهه كمدا.

زِينةُ أحد الجرفين-عن يمين الداخل- عبارة جِيرية ببنط عريض موجه للمغاربة:”الجزائر أولا،دائما وأبدا”.

يجيب سيلُ السيارات المغربية المنحدرة صوب الرمال الذهبية: اليومَ بحر وغدا أمر. ذكرى ثورة واشتراكية آلت إلى جرف هار؛والى درجة ما في سلم استغباء الشعوب.

تكاد لا تعثر،في الضفة المغربية للوادي، على حضور بارز للجيش الملكي .ليس تهاونا أو تهورا ،بل ثقة في النفس وفي التاريخ والجغرافية .حتى الطماطم الجزائرية تصل عروقها الى الضفة المغربية؛فكيف بعروق الأشجار؟

ورغم هذا فالجيش الشعبي موجود هنا لغير الطماطم ولغير السباحة.

سفن تصل الى تازة:

سأعود الآن أزيد من قرن الى الوراء ،وبالضبط الى سنة 1905،حيث حل القبطان الفرنسي “غيوم” GUILLAUME

بمركز حراسة واد كيس ،على رأس فرقة عسكرية. لم يَكُف قلم هذا القبطان الأديب ،طيلة شهور رئاسته للمركز، عن تدوين أدق التفاصيل اليومية .كانت ثمرة هذا العطاء الأدبي العسكري كتابه الموسوم ب:

؛وقد صدر بباريز سنة 1913.SUR LA FRONTIERE MAROCAINE /SOUVENIRS

لاأذكر أنني ،حينما شرعت في قراءة هذا الكتاب،استطعت أن أتجاوزه الى غيره ؛فهو بحق،ورغم حجمه مصدر غني –عسكريا وإنسانيا- لكل من يبحث في موضوع الحدود المغربية الجزائرية ،تحت الاحتلال الفرنسي.خصوصا المنطقة المغطاة من طرف الكاتب:مركز واد كيس ،أحفير(مارتنبري)،وللا مغنية .

خلافا لضباط الجيش الشعبي –واعتقادي أنهم ،كأغلب ضباطنا،لا يكتبون- ربط القبطان غيوم علاقات بحرية وإنسانية عميقة،مع الشطر المغربي من الرمال الذهبية ،ومع المحزن المغربي بقصبة عجرود ،ومع ساكنة الجوار من المغاربة في الضفتين ،وعلى قمتي الجبلين.وزاد على هذا بوضع خبرته الطبية المتواضعة رهن طلب كل من يحتاج إليها ؛بمن فيهم الجرحى من قطاع الطرق واللصوص.

تعرفَ على المغامر الفرنسي SAY،وهو بصدد بناء وتهيئة PORT-SAYالذي يحمل اليوم اسم المجاهد الجزائري الشهيد” بلمهيدي”. (حينما زارت أم هذا الشهيد،وهي مسنة، الشارع الذي يحمل اسمه في العاصمة الجزائرية قالت لمرافقيها الرسميين ،بحسرة: شارع زين وعرش خالي”).

SAYهذا لم يكن سوى مغامر كبير، بأحلام تجارية تبدوا أحيانا غريبة.تقرب من الروكي بوحمارة ،المُعسكِر في سلوان ،وزوده بالسلاح ؛مقابل أن ييسر له حلمه الملاحي الكبير :تحويل نهر ملوية الى قناة ملاحة تربط بين بحيرة مارتشيكا وتازة. سفن تصل الى تازة ،ياله من حلم،لو تحقق.

يتوقف غيوم عند الأشغال الشاقة لمغاربة كبدانيين ،لم يتوقفوا عن اقتلاع صخور الجبل ودحرجتها صوب الميناء الناشئ. عائلات كبدانية مهاجرة الى الجزائر ،صادفها هذا المغامر “ساي” شاردة في وهران ؛وأتى بها الى قمة الجبل ،حيث بنت مساكنها ،والى سافلته حيث تركها وجها لوجه مع مصير صخري مؤلم.

لم يكن غيوم يمانع حينما يدعوه قائد القبيلة لمأدبة يحتفي فيها بالأعيان والعسكر من الجانبين. حميمية هذه المآدب كانت تنسيه في عناء الصعود من السافلة الى القمة.كلما نظرت الى قمة الجبل الجزائرية ، سابحا ،مغافلا أمواج البحر،الا وتساءلت:هل تعرف ساكنة القمة أنها مغربية،وهل لا تزال تسمع فؤوس الأسلاف وهي تهد الجبل هدا؟

ترى هل يمكن أن تُبعث روح القبطان لترى كيف حافظ الصخر فقط على تماسكه، وتشتت الإنسان ،في جبل عرف كيف يزرعه شعرا ،ويهيم بين قوافيه وفيافيه عاشقا ؟

سوق الأشباح:

سوق أسبوعي يجمع ،قرب الجبل، بين الضفتين. يتوقف القبطان عند التئامه من عدم ؛حيث يأتيه الرواد من كل فج عميق بسهل تريفة وجبالها. سوق ،رغم تراتبية رواده- المخزن،الأعيان،الفلاحون ،المعدمون- ينم عن فقر مدقع أين منه اليوم رخاء وثراء بني يزناسن. يستغرب غيوم أن يقطع جبلي عشرات الكيلومترات ليبيع سقط الإنتاج وضئيله.

(حبات فحم حطبي،جلد ماعز،قطران…)

ويتوقف عند شظف العيش هذا،وألا شيء يحول دون استمرار المغربي في الكد والصبر على المكاره، ولو آكلا للعشب فقط.رأى كل هذا رأي العين ،وعبر عن ألمه مرارا.

ويشهد أن أذنه لم تكن تكف عن سماع البارود كل يوم ؛هناك في الأراضي المغربية.هم هكذا دائما،يفرحون بالبارود ويتقاتلون به.

لا أحد يلتفت الى مصادر هذا البارود ،ولا أحد يروي أخباره .تدريجيا مات في القبطان كل توجسه العسكري ،وتوقع ِمداهمة مركزه من طرف الجوار المغربي.

المرة الوحيدة التي رأى فيها سكان قصبة عجرود ،وقد خرجوا الى الضواحي جزعين كانت حينما تناهى الى المركز أن عساكر بوحمارة دحرت أحد قادة المخزن ،ولا حقته الى قرب مصب ملوية.

يومها رأى قائد عجرود ،وفرقته،راكبا مثيرا للنقع ،صوب ملوية،لصد خطر الروكي. ثم يعود بعدها ،وتسري في المحيط عبارة : لا باس لاباس.

لاينكر جزعه كعسكري فرنسي ،وكونه أعطى أوامر الاستعداد لكل الأخطار. لا أحد يدري ما يدور في رأس بوحمارة.

القبطان غيوم في قصبة عجرود:

في المرة الأولى كانت زيارة مجاملة ،دأب عليها الضباط الفرنسيون حينما يحلون جددا بمركز واد كيس.

توقف غيوم عند قذارة القصبة،وخصوصا جيف الحيوانات النافقة ،التي لاترى الساكنة غضاضة في تركها تتعفن داخل الأسوار . قذارة تفضي الى قذارة الى أن تصل الى دار القائد التي تشكل استثناء محدود جدا.

في المرة الثانية كان القصد معاينة عدد من الأسرى ،من عساكر بوحمارة،جلبهم مصفدين أحد القادة العسكريين.

سيجد القصبة على وضعها الأول ؛لكنه فضل أن يتوقف عند بؤس الأسرى وقذارتهم ؛اذ لاحظ أنهم يتغوطون حيث كُدسوا لأن الأصفاد يشد بعضها بعضا ،وتشد الجميع ،مما يعيق أي حركة.

لاحظ َمُسنا لم يشفع له لا سنه ولا احتضاره، ليفارق الأغلال.سأل فقيل له :انه من قادة الروكي.

لاطاعم للروكيين غير الناس الذين بأتون هكذا عرضا ،فيتحرك فيهم الشعور الإنساني.

هو نفس الشعور الذي تحرك فيه ،وفي مرافقه ،فاستأذنوا في شراء بعض أرغفة الشعير والتصدق بها.

يتوقف عند كل هذه القسوة ،وهو العسكري،بكل ما أوتي من أدب. ربما كان يجهل فضاعة ما ارتكبه هذا الفتان ،وصولا الى منح فرنكات معدودة لكل من يأتيه برأس مقطوعة من معسكر المخزن.طريقة بوحمارة لمحاربة البطالة،وقد نجحت الى حد كبير.

داعشية قديمة ضعها جانبا يا هذا الذي ما جاء الى الجوهرة الزرقاء الا ليقدم وليمة لأعشاب البحر.

نظرت مليا الى الجبل ،والى ثكنة الجيش الشعبي ،ثم ترحمت على القبطان غيوم وواصلت –رفقة الطفل ياسين-

الانحدار صوب رمال الجوهرة الزرقاء. في احدى غفواتي نبهني ياسين مازحا :انظر انه من داعش.

نظرت فإذا به شاب مفتول العضلات وشعر الوجه ؛عبس ثم عبس وتولى ثم تولى. لاأحد من المستلقين “العراة” التفت اليه .هكذا هم المغاربة متسامحون ،ومن دعشنا فليس منا.

كم تتبدل الأزمنة ،وسبحان الله القاهر فوق عباده.

ramdanemesbah@yahoo.fr

ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz