يحتاج المؤمن ولا يتاجر بدينه والحر حر وإن مسه الضر / وجدة: محمد شركي

284123 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: يحتاج المؤمن ولا يتاجر بدينه والحر حر وإن مسه الضر

من الأمثال العربية  السائرة  قول العرب : ” تجوع  الحرة  ولا تأكل بثدييها ” أي لا تقبل  أن تكون ظئرا ترضع  بمقابل ، ويضرب  هذا المثل  للتعبير  عن صيانة الإنسان نفسه عن خسيس الكسب . وتقول  العرب  أيضا : ”  حر  وإن  مسه  الضر” . و الأجدر  والأولى  بهذين  المثلين  الإنسان  المؤمن  الذي  يتوكل  على  ربه  عز وجل  حق التوكل ، فلا  يقبل   أن  يتاجر  بدينه  مقابل  امتياز  سواء  كان من عرض  الدنيا الزائل  أم  كان  مما  يلبسه  عليه إبليس  فيظنه  من مكاسب الآخرة .  وأكثر الناس  عرضة  للمساومة  في دينهم  الذين  يشتغلون في  مجال  الدعوة  إلى الله  عز وجل ، ذلك  أن  اشتغالهم بهذه  الدعوة  يكسبهم  ثقة  الناس  لأن  هؤلاء الناس  تتعلق  قلوبهم  بهذه  الدعوة ، ومن  ثم  يوقرون ويجلون  ويحبون من  يشتغل  بها . والمشتغلون  بالدعوة  في كل  زمان  ومكان  نوعان  : نوع  يخدم  الدعوة  ويضحي  من أجلها ، ونوع  يتاجر  بها  ويضحي  بها  من أجله . وقد  يبدأ  المشتغل  بالدعوة  إلى الله عز وجل  مشواره الدعوي  صادقا  مع  خالقه  ومع نفسه  ، فيغريه  ما يرتبط  بالدعوة  من  احترام  وتوقير  وإجلال وما  يترتب  عن ذلك  من  امتيازات حيث  لا يكتفي  بعض  الناس  باحترام  وتوقير  وإجلال  الدعاة  إلى  الله  عز وجل  بل  يتخطون  ذلك إلى ما يعتبرونه  إكراما  ومكافأة لهم  ،  فيكون  أو  الإكرام  الدعوات  إلى  موائد  الولائم ، ثم يتطور  الأمر  إلى  الهدايا  ثم  يتطور بعد  ذلك  إلى  امتيازات أو  إلى  ريع  في  شكل أموال  أو  أسفار  إلى  الخارج  أو حج  أو عمرة  أو غير ذلك … ويصير  الدعاة  حينئذ  كالتي تجوع  وتأكل  بثدييها . ومعلوم  أن  الإسلام  هو أكبر  نعمة  أنعم  بها الله عز  وجل على  الخلق  ، فمن  وفقه  الله  عز وجل لخدمة  هذا  الدين فهو  إنما  يؤدي جزءا من حق  شكر هذه النعمة ، ولا يجوز  أن  يرتزق  أو يتاجر بها وإن  كانت  به  خصاصة  أو حاجة . ولقد جعل  الله  عز وجل  الخلق  خداما  لدينه  ، ولم يجعل  دينه  خادما لهم  لأنه نعمة موجبة  للشكر لا  وسيلة  للمتاجرة  والارتزاق . ومن  الناس  من  يخيل إليه  أنه  يخدم  الإسلام  من خلال  تمكين  من  يشتغلون بالدعوة إليه  من  امتيازات  وكأنه  يتألف  قلوبهم  كما  كان  شأن  المؤلفة  قلوبهم  يوم  كان المسلمون  قلة  وذلة. ومما يغري   هؤلاء  الناس  بمساومة  المشتغلين  بالدعوة  تهافت  بعض  هؤلاء  المشتغلين  بها على  الامتيازات  وسيلان لعابهم  لها  فيقيسون  كل  المشتغلين بها  بمقياس  واحد  ، ولا  يميزون  بين  طماع  وقنوع  ولا  بين  حر  وإن  أصابه  الضر  وبين  عبد  وإن لم يصبه  ضر . وينسى  أو يتناسى  الذين  يساومون  المشتغلين  بالدعوة إلى  الله  عز وجل   أن  الصادقين من هؤلاء  يحتسبون  الأجر عند  خالقهم  جل في علاه  ، ولا  تغريهم  الامتيازات التي   يعرضها  عليهم  الخلق  . والمصيبة أن الامتيازات  التي  تعرض  على المشتغلين  بالدعوة تصير  منا وأذى  فيما بعد  حيث  يستدرج  إليها  من يستدرج  حتى  إذا  رضي  بخستها  صار  موضوع  همز  ولمز  وسخرية  وتندر . ومما سمعته  أن  أحدهم ممن هانت  عليه  نفسه  ورضي  بالدنية  في دينه  ،وهو يحمل  في جوفه  كتاب الله  عز وجل  قصد  جهة  يقصدها  الطامعون  في الامتيازات  وزعم  أنه  رأى في منامه  رسول  الله  صلى  الله عليه  وسلم  يأمره  بأن  يسأل  تلك  الجهة  حجا  أو عمرة  ، فجعلته  تلك  الجهة  عرضة  للسخرية  بقولها  إن  الرسول  الكريم  لم  يحضرها  في منامها  ولم  يؤكد  لها  رؤيته . وأذكر أن  أحد  المشتغلين  بالدعوة  أخبرني  أنه  زار  جهة  وصية  على الدين لأمر  يهم  الدين  فاستثقل   وجوده  أحد المقربين من الجهة  الوصية على الدين فقال: “اعطوه  عمرة  لينصرف ”  وكأن  المشتغل  بالدعوة  جاء   مستجديا  عمرة ولم  يأت  لأمر يهم الدين  والصالح العام . و ما حمل  هذا  الشخص  على  هذا  القول  إلا  إظهار الطمع  من  بعض  المحسوبين  على  الاشتغال  بالدعوة في  الامتيازات  على حساب  كرامتهم  وعلى  حساب  دينهم في حضرة   من يطمع  فيهم . ولن أنسى  أبدا  كيف طلب مني   في  مناسبة  مولد  شريف  أن  أشارك  بقصيدة  شعرية  في مدح   الرسول   الأعظم  ، فاستجبت ، وكان  من ضمن  ما جاء  في   قصيدتي  الرغبة  في  شفاعة  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم  يوم العرض  على الله  عز وجل ، وفي بردة  في الآخرة  كبردة   كعب في الدنيا ،وتشوقت  في القصيدة لزيارة  قبره  عليه  الصلاة والسلام  ، فظن  ظان أنني  قد  استجديت  بشعري فأمر  لي بعمرة ، وهو  لا يعرف  أنني  حر  وإن مسني  الضر  ، وأنني  عملة  صعبة  لا تساوم  ، وقد  أساء  في حقي  من حيث  ظن أنه   قد أصاب  لأنه  قاسني على  الذين  ألفوا  المساومة  في  دينهم ممن لا  يترفعون  عن  خسيس الكسب  ووضيع  الامتياز. وما زلت  أساوم  بين  حين وآخر مع  أنني  على قناعة  تامة  من  أنه لا يحق  لي أن  أحصل  على امتياز  لمجرد  أنني  مدحت  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم  ، ومدحه  من  أوجب  الواجبات  ، وهو  شرف  للمادحين  إذا  ما كان  صادقا  خالصا  لوجه  الله  تعالى  أو لمجرد  خدمة  لدين الله  عز وجل  واجبة  وجوبا . وما كنت لأحصل على  امتياز  امتطاء  لظهر  الإسلام  واستغلالا  له ، وأنا عبد  مثقل   الكاهل  بالذنب  أرجو رحمة  ربي  ومغفرته  ، ولا أطيق  مزيد  ذنب  بامتياز  أحصل عليه  على  حساب  ديني ، وفي  قناعتي الراسخة  أن  المؤمن  يحتاج  ولا يتاجر  بدينه .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz