يجدر بمن ينكر التكفير من مكفر أن ينأى بنفسه عما يستوجبه

171325 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: لا يملك لمن يتابع الجدل الفكري أو بالأحرى العبث الفكري  إن صح النعت الناتج عن الجدل السياسي  في المغرب  بعد ربيعه الذي لا ينفك عن  الربيع  العربي  إلا  الضحك ملء شدقيه من طريقة  هذا الجدل الذي  يتميز بالعقم  والبيزنطية ويعكس  بؤس الفكر  في  قرن بعد عشرين مضت لا مبرر  فيه لبؤس فكري من هذا النوع  مع تطور وسائل وأدوات المعرفة تطورا غير مسبوق . ومن جهل في هذا  العصر  فلا أمل  له في علم  أو معرفة أبدا. إن المتجادلين  اليوم   يحاولون  إعادة حكاية  الجدل  الفكري الذي تولد عن الجدل السياسي  بعد  حادثة  الفتنة  الكبرى ، ولكنهم جاءوا  بمثل ما يأتي  به  الصبية  وهم يقلدون  الراشدين . ولقد اعتقد  البعض  أن  ظروف  الربيع العربي  قد  خلقت نفس ظروف الجدل  الفكري  المتولد عن الجدل السياسي إبان حادثة  الفتنة الكبرى. وقد يقول  أصحاب  هذا الاعتقاد  ولم لا  تكون  فتنة الربيع  العربي  كبرى كالفتنة  الكبرى ؟ ولماذا  لا يعقب الجدل  الفكري  الجدل السياسي  كما حصل  من قبل ؟  ومع أنه لا مجال  للمقارنة مع وجود الفارق كما يقال  يصر أصحاب ” الجدل  الفكري ”  حاليا  على أنهم  بالفعل  يمارسون الجدل الفكري وليس  العبث  الفكري  . وإذا كان  الجدل  الفكري الناتج  عن  الجدل  السياسي  إبان  الفتنة  الكبرى  له ما يبرره  حيث  اختلف  الصحابة  رضوان  الله عليهم  في  شكل الخلافة  التي  يجب  أن تخلف  النبوة  أتكون شورى كما  جاء في  القرآن  الكريم  أم  تكون وراثية  كما  شاء  من  وضع حديث  غدير  خم  ليكون  قاعدة  فوق قاعدة  الشورى يزاحمها  بل ينفيها  ولا يشفع لها ورود ذكرها في  القرآن  ؟ فإن  الجدل  الفكري  الناتج عن  تداعيات  ثورات  الربيع  العربي الحقيقية الدامية منها  والمتخيلة السرابية إنما  سببه  اختلاف أصحاب  المرجعية  الحزبية  العلمانية والليبرالية  مع  أصحاب  المرجعية الحزبية  الإسلامية  حيث  لم يقبل  أصحاب المرجعية العلمانية والليبرالية  أن  تصير أمور الحكم إلى أصحاب  المرجعية  الإسلامية . وشتان  بين  الحدث الذي  خلق  الجدل  الفكري  إبان  الفتنة  الكبرى ، والعبث  الفكري الذي  تولد  عن  تداعيات  الربيع  العربي . ومشكلة  أصحاب  هذا  العبث  أنهم  لم يجدوا  بدا  من  اقتناء  أطروحات  الماضي الفكرية  من أجل الارتزاق  بها  دون  مراعاة  ظروف  استخدامها .  وإذا  ما كانت  ظروف  الفتنة  الكبرى قد  فرضت مناقشة  طبيعة  الحكم  السياسي  بعد  مرحلة  النبوة ، وكان  الأمر  مستجدا  ومفروضا ، فإن  ظروف تداعيات  الربيع  العربي لم  تفرض  مناقشة  طبيعة  الحكم السياسي   بعد فترات حكم  الأنظمة  الفاسدة ما دامت  ثورات  الشعوب  قالت  كلمتها  في  طبيعة  هذا  الحكم  ، وصوتت  لفائدة  الطيف  السياسي  الإسلامي  الذي كانت  الأنظمة  الفاسدة  تبعده  عن  السياسة  عن طريق  إلصاق  تهمة الإرهاب  به  وتهمة  معاداة  الديمقراطية والحداثة . وقد  كذب  هذا الطيف في أكثر من  قطر عربي  هذه التهم  وفندها  عندما  خاض  لعبة  الديمقراطية  وخرج منها فائزا  ولكن  خصومه  في اللعبة  لم يقبلوا  نتيجتها  التي لم تأت لصالحهم  وهي فوزه  مع أنهم قبلوا  خوض اللعبة  معه في البداية . فالقضية  السياسية  فيما يخص  تداعيات  الربيع  العربي  هي  تحديدا : هل من حق  الطيف  السياسي  ذي  المرجعية  الإسلامية  أن  يجرب  حظه  في الحكم  إلى جانب  غيره من الأطياف  السياسية  الأخرى  ذات  المرجعيات غير الإسلامية  عمليا  مع وجود ادعاء  بالانتماء  النظري  إلى الإسلام  علما   بأن الإسلام بطبيعته  لا ينفك فيه النظري عن  العملي  ، ولا تستقيم  فيه  مقولة  مسلم  عملي ممارس  وآخر  نظري غير ممارس  كما تستقيم  في ديانات أخرى. وعوض  أن ينصب  الجدل  الفكري الناتج  عن تداعيات  الربيع  العربي حول  أحقية  الطيف  السياسي  الإسلامي  أو عدم  أحقيته  في خوض  تجربة  الحكم  كغيره من الأطياف السياسية ، فإن بعض الجهات  حورته  ليصير  جدلا فكريا  يقتات من  الجدل  الفكري الذي كان  إبان الفتنة  الكبرى . ومعلوم  أن  الجدل  الفكري  إبان  الفتنة  الكبرى  قد  أفضى  إلى  ما يعرف   بالتكفير  وهو  نزع  صفة  الإيمان  عمن   يلصق به  هذا التكفير ، ذلك  أن من وضع  حديث غدير  خم  وهو عماد القول  بوراثة  الولاية  للنبوة استغل  الإسلام ليمهد  لحكم الولاية عن طريق  توظيف  التكفير ضد من  يرفض  الولاية. ومع  أن  النبي  صلى الله عليه  وسلم  جمع  الناس  في حجة  الوداع وودعهم  وأوصاهم  ولم  يرد  في وصيته  شيء مما  جاء في حديث  غدير خم  ، وكان  الأجدر  والأولى  لو صح  حديث  غدير خم أن  يكون في حجة  الوداع  وقد حضرها  المسلمون من كل  الأمصار خلاف  ما كان في  غدير  خم  حيث  حضره  الراجعون  إلى المدينة  من  الحجيج   فقط حسب  رواية  واضع حديث الغدير. وأخذ  التكفير  عن  أصحاب  فكرة  الولاية  غيرهم  فصار التكفير  بمثابة  تخطئة  الخصم السياسي  قياسا على ما جاء  في النص  المقدس . وقد قال  بالتكفير  الخوارج  أيضا في حق من شايعوه ،وقد كانوا  من قبل   يكفرون  خصومه السياسيين . ولهذا فالتكفير في  الزمن الأول   كان نتيجة  من نتائج  الخلاف  الفكري  الناتج  عن  الخلاف  السياسي . أما نسبة  التكفير للجدل  أو لنقل  العبث  الفكري الناتج عن تداعيات  الربيع  العربي  فمسخرة  أو مهزلة  لا مبرر  لها سواء لمن  وظفه  أو  لمن  اشتكى منه . فالدين  اشتكوا  من  التكفير  هم  أول  من  مارسوه على  أنفسهم من خلال  اعتماد مقولات حكم  عليها النص المقدس بالكفر. فعندما  يقول  قائل على سبيل المثال  بفكرة مراجعة قسمة  المواريث كما جاءت  في نصوص مقدسة  قطعية وينسب لها  العيب  فهو أول  مكفر  لنفسه قبل  أن  يكفره المكفرون لأنه أعطى لنفسه  حق  تصحيح  المقدس المنزه عن الخطإ   ، ونسب  له  ما  ينسب  لغير المقدس من  نقص وعيب . والنص المقدس   قضى  بكفر  وبظلم وبفسوق من لم يحكم بما  أنزل الله ، لهذا  فكل من  حكم  بغير ما أنزل الله  عز وجل  فهو  يكفر نفسه  ويفسقها ويجعلها  ظالمة  قبل  أن  يصفه أحد  بذلك  . ولهذا  يجدر  بمن  ينكر التكفير من  غيره  أن  ينأى بنفسه  عنه ، وإلا فماذا  ينتظر من   يشكك  في عدالة قسمة الله  عز وجل للميراث   أو من  يجرم  تشريعه  في التعدد ؟  هل يقال له  أنت تفكر  إذن أنت موجود ؟ نعم هو يفكر  وهو موجود ، ولكنه قتل  كيف  فكر حسب  التعبير القرآني  حين نسب  لخالقه  تعالى  ما لا يليق  به من نقص  وعيب  في التشريع . والغريب  أن  يحتج البعض على  التكفير  عندما  يصدر من الغير ولا ينتبهون  إلى أن المكفر ـ بفتح الفاء ـ  هو  أول من كفر نفسه  قبل  أن  يكفره المكفرون ـ بكسر الفاء ـ لأنه تجاسر  على نصوص  مقدسة تكفر  المتجاسرين عليها . فالقائل  بأن الله عز وجل ثالث  ثلاثة كفره القرآن الكريم  في قوله تعالى : (( لقد كفر الذين قالوا  إن الله  ثالث  ثلاثة ))  ومثله القائل بأن المسيح  عليه السلام ابن الله  لقوله تعالى : (( لقد  كفر  الذين قالوا إن الله  هو المسيح  بن مريم )) فلا يقولن بهذا قائل  متعمدا  تكفير نفسه  ثم  ينكر بعد ذلك  على من يكفره  من خلال عرض  مقولاته على النص  القرآني  المقدس . فالتكفير الوارد  في القرآن  الكريم  ليس  مرجعه هوى بشري ليكون  محل انتقاد  بل هو  حكم إلهي  في حق  البشر المخالف  له  في اعتقاد أو في  تشريع . والتكفير الذي لا يقبل  من  مكفر هو أن  ينطلق من هوى بشري سببه خلاف  أو اختلاف  في  أمر من أمور السياسة أو غيرها أما  من  تجاسر على نص  يحكم بكفر أو ظلم أو فسوق  فاعله  فلا يمكن أن  ينكر  على الخالق  سبحانه  ولا على  المخلوق إن  أحال عليه  في موضعه من النص المقدس  لأن  القاعدة  المشهورة  تقول  : ”  حاكي الكفر  ليس  بكافر ”  وقد  وردت  عبارات الكفر  على لسان  الكافرين  في القرآن  الكريم  ولا يكفر  من يتلوها بل  يتعبد  بقراءتها  في الصلاة  وفي  غير الصلاة  لأنها من القرآن الكريم حكاية  عن الكافرين . وبناء على هذه  القاعدة  لا يمكن  اعتبار من ذكر تكفيرا ورد في القرآن الكريم في حق  من خالف الخالق  في أمر أو نهي مكفرا ـ بكسر الفاء ـ   تماما كما لا يعتبر حاكي الكفر كافرا ولا حاكي الإيمان مؤمنا . وأختم  هذا الموضوع  بحكاية طريفة  وهادفة  قصها علي  أحد الفضلاء منذ زمن بعيد ،  ومفادها  أن  حافظا  لكتاب  الله  عز وجل في زمن الاحتلال  الفرنسي لبلادنا  مر  بحي  يسكنه اليهود وكانت عادته  استظهار القرآن الكريم في طريقه  إلى المسجد فقرأ قوله تعالى : ((  لعن الذين كفروا من بني  إسرائيل على لسان  داود وعيسى بن  مريم ))  فرفع اليهود  ضده دعوى إلى قائد كان بدوره حافظا  لكتاب الله عز وجل ، فلما سأله لماذا يلعن  اليهود ؟ قال له الحافظ يا سيادة  القائد  ذكرني  بقوله تعالى : (( لعن  الذين كفروا من بني إسرائيل )) فلما تلا  القائد  الفقيه  الآية  التفت  الحافظ  إلى  اليهود  وقال : ” ها هو  القائد  نفسه  يقول ما قلته   ” . وهذه  الحكاية  تنطبق  تماما على الذين  ينكرون  تكفير  المكفرين  لهم  ولا  يلتفتون  إلى تكفير  أنفسهم  قبل ذلك عندما  يجاهرون  بما  حكمه  التكفير في  كتاب  الله عز وجل . ولأمر ما  يقول  المثل  الشعبي عندنا  الجمل لا يرى  سنامه  بينما  يرى أسنمة  غيره .

اترك تعليق

2 تعليقات على "يجدر بمن ينكر التكفير من مكفر أن ينأى بنفسه عما يستوجبه"

نبّهني عن
avatar
محمد شركي
ضيف

أمقران بالاسم وأمزيان عقلا أنت لم تناقش لحد الساعة بل سلحت وخلطت ولست مؤهلا لمناقشة ما أكتب وأنت دون مستواه باشواط بعيدة أما أنا فملتزم بحدودي لأنني أكتب وفق قناعتي ولا ألزم بها أحد ولكنك لا تلتزم حدودك وتريد أن تصادر قناعات غيرك من خلال تعليقات تافهة تعبر عن أمزيانيتك

امقران رغم انفك
ضيف

لماذا يا هذا الشركي تستهين بهذا النوع من النقاش؟. هذا جمود منك وتشبث بالماضاوية
إن الدكتور الجلبي كتب البارحة في إحدى الجرائد ان النبي “ص” كان يناقشوه الصحابة في بعض الامور
من انت حتى تحرم الناس من طرح إشكاياتهم المجتمعية؟ انت لست منظّر او فقيها ، انت لا تعدو أن تكون مجرد رجل تعليم لا يتوفر حتى على الدكتوراه
ليس لك الحق ان تصدر أحكام قيمة على تفكير الناس، لانك لست عالم دين

إذا كانت تمارس قمعك وسلطويتك على الاساتذة، فالمجتمع وقواه الحية لا يسمح لك ان تكون وصيا عليه بأفكار عقيمة
الزم حدودك يا هذا الشركي واعترف انك لست موسوعية

‫wpDiscuz