ومتى يكون الانتصاح والاتعاظ ناجحا أيضا ؟

11472 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 16 فبراير 2012، استرعى انتباهي مقال السيد الفاضل العام كوطاي بعنوان : ” متى يكون الوعظ والإرشاد ناجحا ؟ ”  وهو مقال قيم جسد فريضة النصح المطلوبة شرعا لله عز وجل ،ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكتابه المجيد ، وللأئمة المسلمين ولعامتهم. ففريضة النصح والتناصح لا يمكن أن يستغني عنها أحد مهما كان قدره. ومن المؤشرات الدالة على خيرية الأمة المسلمة قبولها للنصح والتناصح. وكانت نصائح السيد الفاضل للوعاظ ثمينة منها : صدق النية ، والقدم الراسخة في العلم ، والبلاغة والفصاحة في الخطابة وبراعة الأداء ، والتوفيق في اختيار مادة الوعظ ، وخفة الظل.

والحقيقة أن ما قدمه السيد الفاضل  مأجورا مشكورا يعتبر شبكة يمكن أن يعتمدها الوعاظ لقياس درجة وعظهم وإرشادهم كما تمنى ذلك صاحب المقال نفسه . وأنا أثمن ما جاء في مقاله ، وأنطلق منه لأنه أثار في نفسي تساؤلا آخر، وهو : ” ومتى يكون الانتصاح والاتعاظ ناجحا  أيضا؟ ” . في مقال السيد الفاضل وردت إشارة إلى بعض مواصفات الفئات المستهدفة بالوعظ والإرشاد ، ولا أوافق  السيد الفاضل في أنهما  أي الوعظ والإرشاد لصيقان بالشأن الديني ، لأن الشأن الديني في الإسلام لا ينفصل عن الشأن الدنيوي ، بل الدين هو عبارة عن ممارسة الحياة ، وعليه فالوعظ والإرشاد لصيقان بممارسة الحياة وفق التصور الإسلامي ، لأن هنالك تصورات تفصل الدين عن الدنيا ، وتجعل الدين لله عز وجل والدنيا لقيصر ، وهو أمر لا يجيزه الإسلام . ومن هذه المواصفات سرعة ضيق الصدر ، والمرض والشيخوخة والحاجة والنوم ، وحب الترفيه ، وتفضيل ما قل ودل ، ونشدان البساطة .

وهذه المواصفات وجهت النصائح التي قدمها  السيد الفاضل للوعاظ توجيها  . فباستثناء الحالات التي رفع عنها الحرج شرعا ومنها المرض لا مبرر لاشتراط طالبي الوعظ شروطا على الوعاظ . فالنية  الصادقة ملزمة للواعظ والمتعظ على حد سواء . فإذا ألزم الواعظ بالصدق في النية دفعا للرياء أو الانحدار إلى  درجة طلب الدنيا بالدين ، فالمطلوب  من المتعظ أن يصدق أيضا في نيته فلا يكون حضوره خطب الجمعة أو دروس الوعظ رياء، أو طلبا  للترفيه أو الترويح عن النفس . وإذا كان المفروض في الواعظ التمكن من العلم ، فالمتعظ يجب أن يكون في مستوى هذا التمكن وإلا لا قيمة لعالم بين قوم لا يقدرون علمه .

وإذا كان المطلوب في الواعظ التمكن من لغة القرآن بلاغة وفصاحة ، فالمطلوب في  المتعظ  القدرة على تذوق بلاغته وفصاحته ، وإلا فما  قيمة بليغ بين مستمعين لا يتذوقون ولا يفهمون ما يقوله  ؟  وإذا كان على الواعظ  أن يكون خفيف الظل  لا يثقل على المتعظين ، فعلى المتعظين التحلي بالصبر وسعة الصدر ، لأن  الأمر يتعلق  بالوعظ والإرشاد والنصح ، وهو قول ثقيل كما جاء في الذكر الحكيم : (( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا )) والثقل هنا يعني المشقة على المكلفين بما جاء في هذا القول. فالمستعجل من المتعظين  وسريع ضيق الصدر ، والراغب في الترفيه ، والمفضل لما قل ودل  ، والمؤثر للبساطة قد لا يجد ضالته فيمن  يتعامل مع القول الثقيل من الوعاظ.

والمتعظون كما صورهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثلاثة أصناف : صنف كالأرض الطيبة  إذا أصابها الغيث أنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وصنف كالأرض الجدباء إذا أصابها الغيث أمسكت الماء فانتفع به ، وصنف كالأرض القاع  إذا أصابها الغيث لم تنبث ، ولم تمسك ماء. ولا يمكن أن تفرض الفئة الأخيرة  نفسها على الوعاظ ، وتحاول  أن تحملهم على  تعديل خطط وعظهم لتناسب حالها ، وما حالها بحال، لأنها لا تستفيد شيئا . وأقول للسيد الفاضل ما أكثر القيعان في زماننا  من الذين لا يستفيدون شيئا من الوعظ والإرشاد ،بل ضالتهم النقد المجاني الذي يكون هدفا في حد ذاته. فإذا نزع بعض الوعاظ إلى التبسيط  جعلتهم هذه الفئة موضوع تندر وسخرية ،و إذا نزعوا نحو الرصانة استقبحوا رصانته واعتبروها تعقيدا. وإذا تناولوا الماضي البعيد قيل لهم هلا عالجتم الواقع المعيش ، وإذا عالجوا الواقع المعيش قيل لهم أنتم مثيرو شغب ومشعلو نيران الفتن .

وأحيانا تبدو بعض مواقف المتعظين مثيرة للشفقة عليهم  حتى لا أقول مثيرة للسخرية. فمنهم من إذا تناول الواعظ موضوعا  بالنقد وكان انحرافا عن الجادة أسرع إلى إسقاطه على نفسه ، وظن بالواعظ الظنون ، وجزم بأنه المستهدف بالوعظ . وفي مثل هذه الحالة  إذا ما أراد الواعظ أن يكون خفيف الظل فعليه أن يكون على علم مسبق بأنواع الانحرافات  لدى جمهوره فيتنكبها حتى لا يثير سخطهم عليه . فكيف يرضى المرابي ،والزاني ، والمرتشي ، وشارب الخمر ، وقاطع الرحم ، والظالم … على واعظ يذم هذه الآفات ؟  وكيف يخلص الواعظ النية إذا داهن هؤلاء ، وتحاشى تناول آفاتهم  بالنقد ؟  

ومن المحسوبين على الاتعاظ  أيضا وما هم إلا مضطرون لحضور الخطب والمواعظ  رياء وسمعة أصحاب العجلة الذين يستعجلون وقت الوعظ بسبب تعلقهم بصحون الك ***  والقيلولة ويعتبرون أنفسهم من ذوي الحاجات إلى جانب العجزة ، والمرضى ،وهم لا يملكون الشجاعة الأدبية للإفصاح عن حقيقة حالهم ، بل ينتصبون نقادا للوعاظ وهم يموهون على تفاهة رغبتهم باختلاق الخلافات معهم، وما أكثر هؤلاء .

ومن المحسوبين على المتعظين أيضا الذين يعرفون كل شيء ولا يعرفون شيئا ،وهم من أهل الجهل المركب الذي يجهل أصحابه جهلهم  وقد يحاصر هؤلاء الوعاظ بأسلئة تبدو لأول وهلة لغرض التعلم ، وفجأة  تتحول إلى أسلئة تعجيزية أو امتحان  أوتفتيش  ومراقبة . ولا يخلو مسجد من المساجد  من الذين يضيقون ذرعا ليس بالوعاظ بل  بالتدين ، وبدخول المساجد الذي يضطرون إليه اضطرارا.

فكم من هؤلاء من قضى سنوات يرتاد الخمارات ، ولم  يضق يوما بالجلوس بها كما يضيق اليوم بالجلوس في المساجد ، ولم ينتقد يوما سوء الخلق وفحش الكلام في الخمارات  كما ينتقد اليوم الوعظ والإرشاد في المساجد، لأنه في حقيقة أمره فاسد الطبع والطوية اضطر اضطرار المنافق للتظاهر بالتدين ، ولا زال على فساده كما كان . 

 وأخيرا إذا ما ساء حال الواعظ والمتعظ على حد سواء فلا خير فيهما معا ، وصدق المثل الشعبي  القائل: ” شيء ما من اليد وشيء ما من الحناء ” فهذا المثل  ضرب أول الأمر للدلالة على اليد الجميلة التي تزيدها الحناء رونقا ، ثم صار يضرب أيضا للشيء القبيح الذي يزيده غيره قبحا.

ومتى يكون الانتصاح والاتعاظ ناجحا أيضا ؟
ومتى يكون الانتصاح والاتعاظ ناجحا أيضا ؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz