وقفة مع محاضرة الدكتور مصطفى المرابط ” الإعلام وتشكيل الرأي العام ” المنظمة بوجدة

12973 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 14 غشت 2012، ألقى يوم أمس بقاعة المحاضرات بمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمدينة وجدة الدكتور مصطفى المرابط الأستاذ الجامعي، والمفكر المغربي، والمدير السابق لمركز الجزيرة للدراسات محاضرته تحت عنوان: ” الإعلام وتشكيل الرأي العام “. وقد ربط بين موضوع الإعلام، وبين المشروع الحضاري الغربي المهيمن وهو مشروع مر في نظره بثلاث مراحل هي:

1 ) مرحلة القوة العسكرية من أجل السيطرة على الأرض أو الجغرافيا الطبيعية، وهي مرحلة واجهت المقاومة المسلحة.

2 ) مرحلة الغزو الفكري وتشكيل العقل القابل  لمشروع الهيمنة أو السيطرة على الجغرافيا البشرية، وهي مرحلة واجهت الوعي العميق بالامبريالية.

3 ) مرحلة استخدام المال من أجل توظيف الإعلام لتدجين البشر وجعلهم قطعانا، وهي مرحلة لا زلنا نعيشها حسب وجهة نظر  المحاضر، ولم  تتبلور بعد ردة فعل عليها على غرار  ردة فعل المقاومة المسلحة والوعي العميق  في المرحلتين السابقتين.

 ولقد هول المحاضر من شأن الإعلام  وسماه السلطة المطلقة التي لم تبق مجرد سلطة رابعة في نظره، بل خطأ من يعتقد ذلك.

 ويبدو لي أن المفكر السيد مصطفى المرابط  يمثل امتدادا  لفكر ما بعد النكسة، وهو فكر يقتصر على تهويل المشروع الحضاري الغربي مقابل تقزيم غيره من المشاريع. فعندما يصل مستوى مفكر في حجم السيد المرابط إلى تصنيف البشر إلى قطيع ـ وهو في ذلك يتابع أفكار من يتأثر بهم بطبيعة الحال ـ  فإنه يعبر عن بؤس الفكر العربي  المعاصر. وقد  أجرى المحاضر مقارنة بين البشر والقطيع من الأنعام ليؤكد أن هذا البشر قد صار بسبب الصورة الإعلامية الإشهارية فعلا يشارك القطيع في الخضوع والاستسلام والقابلية للوصاية والخوف من مغادرة القطيع. ولولا أني أثق في طوية الرجل لخامرني الشك في استشهاده بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ” وإن كان استشهاده جاء مبثوثا ولم يوافق  سياق حديثه ،لأنه كان بصدد توضيح عقلية القطيع، والحديث يستشهد به في  سياق انسجام وتكتل الأمة لمواجهة الشر، و لا يمكن أن  تكون الجماعة التي  وردت في الحديث الشريف قطيعا بالمفهوم الذي ذكره المحاضر. وما يلمس من كلام المحاضر أنه يقسم المجتمعات البشرية إلى فئتين : فئة  النخبة ـ وأظنه  يعتقد نفسه منهم بحكم تخصصه الفكري ـ  وفئة السواد أو العامة. أما الفئة الأولى  فيبدو أنه جعلها خارج طائلة التأثر بالصورة التي  يعتمدها الإعلام أو السلطة المطلقة التي تحركها رؤوس الأموال، وأما الفئة الثانية فهي فئة السواد أو الرعاع الذي هو مجرد قطيع  يتم التحكم فيه إعلاميا دون أن يصدر عنه رد فعل. ومن أجل إقناع الحضور بوجاهة تصنيفه للبشر إلى نخبة وسواد ذكر أساليب المشروع الحضاري الغربي لفرض هيمنته، فوقف عند أسلوب القهر بالقوة، وأسلوب الإقناع بالحجة العلمية، وهو أسلوب يستعمل  مع النخبة المفكرة ، وأسلوب العبث أو الاستهزاء عن طريق الصورة الإعلامية  ،ويستعمل مع  فئة السواد والرعاع. ومن أجل إقناع الحضور باستغفال المشروع الحضاري الغربي للبشر وتحويلهم إلى قطعان قدم بين يدي محاضرته  بنماذج من لقطات إشهارية يعتقد أنها  تفعل فعلها في وعي وحتى في لا وعي  القطيع المدجن من البشر. وخلاصة القول عنده أن عالم اليوم يتميز بهيمنة المال على سلطة الإعلام التي صارت سلطة مطلقة حولت البشر إلى قطيع، وصارت تشكل الرأي العام .

هذا نموذج من نماذج بؤس الفكر المغربي المعاصر في زمن الحراك العربي. ويبدو أن هذا المفكر غير مقتنع بهذا الحراك  كاقتناعه بفكرة القطيع، وقد صدرت عنه أكثر من فلتة لسان تؤكد ذلك حيث استعمل عبارة : ” ما يسمى الربيع العربي ” وهذه عبارة تفيد الشك والتشكيك في الاستعمال العربي، وهي قناعة سبق له أن عبر عنها في محاضرة سابقة حيث نفى أن يكون الربيع العربي ثورة بالمفهوم الغربي للثورة. فعندما تكون المرجعية غربية والمقروء غربي فالنتيجة الحتمية هي الوصول إلى ما تريده هذه المرجعية. والمؤسف أن يصير المفكرون الذين يتخوفون من استراتجية القطيع مجرد قطيع وقع في شراك النظرة الغربية. ففكرة  تجريد الربيع العربي من طابعه الثوري هي فكرة غربية جاءت كرد فعل على المفاجأة التي حصلت في الغرب على إثر فشل التنبؤ بالربيع كما دأب الغرب على التبجح دائما بالتنبؤ بكل شيء على طريقة النبوة  بسبب غروره التكنولوجي والفكري. ولا زال الكثير من المفكرين  العرب يكونون قطيعا يخشى الانفصال عن الوصاية الغربية، و يلتزم ترديد مقولاتها لتسويقها فيما يسميه قطيع المفكرين قطيع السواد والرعاع، وهي أن ما حدث في العالم العربي مجرد تنفيذ لأجندة غربية تدخل في إطار ما يسمى الشرق الأوسط الجديد، وأنها ليست ثورة بالمعنى الغربي ذات فكرة فلسفية  وزعامة كاريزمية كما يرى المحاضر الدكتور مصطفى المرابط. وما وقع فيه المفكر المغربي السيد المرابط هو نفس ما كان يقع فيه الفكر الشيوعي  من ضيق أفق، والذي  كان يفسر التاريخ عبر مراحل تبدأ بالشيوعية البدائية وتمر بالعبودية و بالإقطاعية والبرجوازية والاشتراكية، وتنتهي عند الشيوعية العالمية كقدر محتوم لا راد له. فهيمنة المشروع الحضاري الغربي عند السيد المرابط تبدأ بمحاولة السيطرة بالقوة على الجغرافيا الطبيعية، ثم بمحاولة السيطرة بالفكر والفلسفة على الجغرافية البشرية من خلال النخب، ثم  يتوقف الأمر عند تحويل البشر الرعاع إلى قطعان بواسطة الصورة الإعلامية التي تتحكم فيها سلطة المال ويتوقف الأمر ههنا. على كل حال هذه وجهة نظر مفكر قد يوصف بصنف المفكرين الجالسين خلف المكاتب المكيفة، و الذين تسمح لهم ظروفهم  بالوصول إلى مصادر  مرجعية المشروع الحضاري الغربي بسهولة ويسر ، وهي التي لا تتيسر لقطيع الرعاع  والسوقة، ويتولون  تطويعها وتسويقها لهذا القطيع من أجل إقناعه  بحتمية هذا المشروع عن طريق تهويله. والغريب أن يتم ذلك والمشروع الحضاري الغربي يعرف أزمة اقتصادية خانقة أخذت تهوي برموز هذا المشروع  حتى بلغ الأمر حد بيع المعالم الحضارية لهذا المشروع في المزاد العلني. ولقد كنت أود لو أن الأستاذ الفاضل السيد مصطفى المرابط تسلح بمرجعية إسلامية كما أحسبه في  فترة انكسار جناح الحضارة الغربية في شرق أوروبا، وهو انكسار ثبت أنه  سيؤدي حتما إلى انكسار الجناح الغربي لتعود وراثة الأرض  للذين استضعفوا منة من الخالق سبحانه إذا ما  تجدد العزم لدى المستضعفين بالأخذ بتوجيهه. فتمكين الله عز و جل للمستضعفين في الأرض يكون  كما عبر عن ذلك ابن قيم الجوزية نقلا عن ابن قتيبة رحمهما الله  من خلال حصول الأثر وذلك  بوجود المؤثر  وهو القرآن الكريم، ووجود وعاء التأثر وهو القلب  السليم الصحيح، ووجود الشرط وهو إلقاء السمع، وانتفاء المانع وهو الغفلة  عن المؤثر.  فما دام هذا المؤثر موجود في الأمة فلا معنى  لمفهوم القطيع الخاضع لسلطة الإعلام الخاضعة بدورها لسلطة المال، وهذا ما كنا نأمل أن يصل إليه مفكر  أحسب أنه  ينسب إلى المرجعية الإسلامية  في ظاهره والله يتولى سره. وعلى قطيع المفكرين الذين  لا زالوا يشككون في مصداقية الربيع العربي  أن يراجعوا مناهلهم التي ينهلون منها، وأن يتخلوا عن عقدة  النخبة المفكرة  التي تنأى بنفسها عن  قطيع الرعاع . وما أظن أن القشة تقسم ظهر البعير، ولا القطرة تفيض الكأس ، وإنما الأمة العربية تمور مورا بسبب ما تسلط عليها من فساد من صنع المشروع الحضاري الغربي المشرف على الغروب،  وقد ثارت لذلك، والغرب يحاول أن  يموه ويشكك في ثورتها، لأن ثورتها هي شهادة على موت وفشل مشروعه الحضاري الذي جرب  قوة السلاح وقوة الفلسفة وقوة الإعلام كما جاء في محاضرة السيد المرابط، فلم يفلح  في تدجين أمة القرآن التي يرعاها خالقها  وبإرادته سبحانه يتحرك الكون. وإن الذي أرى فرعون وهامان من مستضعفي بني إسرائيل ما كانوا منه يحذرون لقادر على أن يري أصحاب المشروع الحضاري الغربي الحالم بالهيمنة من مستضعفي المسلمين ما كانوا منه يحذرون ما ذلك على الله عز  وجل بعزيز. 

وقفة مع محاضرة الدكتور مصطفى المرابط " الإعلام وتشكيل الرأي العام " المنظمة بوجدة
وقفة مع محاضرة الدكتور مصطفى المرابط ” الإعلام وتشكيل الرأي العام ” المنظمة بوجدة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz