وقفة مع قولة الفلاحين في المغرب : ” شبراير الهبيل أو المهبول “

13605 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 25 فبراير 2012، توارث الفلاحون في المغرب عبارة : ” شبراير الهبيل أو المهبول ” . ومعلوم أن كلمة أهبل الرجل في العربية تعني أنه فقد العقل والتمييز ، وتنسب  هذا الاستعمال للعامية . وهذه الكلمة في العربية تفيد الثكل لقول العرب :” فلان هبلته أمه ” أي ثكلته فهي هابل أو هبول ، وهو مهبول . وتفيد أيضا التكسب ، لأن العرب  تقول : ” اهتبل فلان لعياله ” إذا تكسب . وتفيد أيضا الكذب والاحتيال ، لأن العرب تقول : اهتبل ” إذا كثر كذبه واحتياله  ، ويسمى المحتال الهبلّ  ـ بكسر الهاء والباء ـ  أو الهبّال  ، ويسمى الكذاب مهتبلا . ويقال : ” فلان اهتبل كلمة حكمة ” إذا اغتنمها . والفلاحون في المغرب إنما اهتبلوا عبارة حكمة بقولهم : ” شبراير الهبيل أو المهبول ” .  وقد  يسخر البعض من تسميتهم شهر فبراير شبراير ،ويظن بهم الجهل ، والحقيقة أنها تسمية تدل على ذكاء كبير، لأنهم اقتبسوا حرف الشين من اسم شباط  باللغة السريانية ، وهي التسمية الأقدم ، وأبقوا على باقي حروف هذا الشهر في اللغة الإفرنجية ، وهي التسمية الأحدث ، فكانت التسمية بالعامية المغربية  أذكى. وحرف الشين أول حروف الشتاء ، وشهر  شبراير من شهور فصل الشتاء ، ولا بأس أن يحمل أول حروفه كرمز . والفلاحون عندنا ينعتون هذا الشهر بالهبالة  أي  الحمق  ـ بتسكين الميم  وضمها أيضا ـ أو الحماقة ، وهي قلة العقل أو فساد فيه . وتسمى الخمر حمقا لأنها تعقب شاربها الحمق . وتقول العرب أحمقت المرأة إذا جاءت  بولد أحمق  ،وهي محمق ـ بضم الميم الأولى وكسر الثانية ـ أو محمقة . وليس  الفلاحون عندنا في المغرب وحدهم من ينسب الحمق أو الحماقة للطبيعة ، فالعرب تصف الليالي بالمحمقات ، وهي الليالي التي  يطلع فيها القمر من أول الليل إلى آخره ، وقد تكون بلا غيم ، فيتوهم الإنسان أنه أصبح، فكأنها بهذا الغرور تجعله أحمق . والمفهوم من وصف العرب الليالي بالحمق أنها  تخدع بضيائها ، ومر بنا  أن  الهبلّ والهبّال هو المحتال  أو المخادع ، وعليه فالفلاحون المغاربة يصفون شهر شبراير بالمخادع أو الهبّال ، أو المهتبل أي الكذاب . وأول ما يلاحظ في هبالته أنه شهر يختلف عن باقي الشهور بقلة عدد أيامه ، ولا يزيد يوما واحدا إلا بعد مرور أربع سنوات ، وهو ما يسمى السنة الكبيسة ، وكبس السنة هو زيادة يوم واحد في الشهر الأحمق . ومر بنا أن الحمق يعني قلة العقل ، وهو في هذا الشهر قلة أيامه مقارنة بباقي الشهور. و مما يلاحظ أيضا عن هبالته أنه متقلب الأحوال في اليوم الواحد حيث يتناوب الصحو مع الغيم في لحظات وجيزة ، ومعلوم أن  سرعة  تقلب المزاج إنما تكون عند الحمق ـ بتسكين الميم وضمها ـ أو الحمقى أو الحماق ـ بكسر الحاء ـ أو الحماقى ـ  بفتح الحاء وضمها ـ وشهر فبراير من بينهم عند الفلاحين في المغرب. ومن  مظاهر حماقته أو هبالته  أنه  يخدع  الناس  ويحتال عليهم بتقلبه  حيث يوحي بأجواء الربيع , لكنه سرعان ما يعود بأجواء الشتاء من جديد . وقد تمسك السماء فيه  فلا تمطر مع أنه شهر محسوب على فصل ماطر ، وهذا من هبالته أيضا . وما أريد أن أخلص إليه من خلال الحديث عن  شهر فبراير الهبيل أو المهبول هو أن شبابنا اختار الانتفاض في هذا الشهر . ومعلوم أن الشباب  هو عمر الاندفاع ، والاندفاع مؤشر على الهبالة .  وإذا ما كان انتفاض الشباب في هذا الشهر صدفة  ، فرب صدفة خير من ألف ميعاد كما يقال. وإذا كانت الطبيعة تحدث التأثيرات السيكولوجية في النفس البشرية كما يزعم المنجمون وأصحاب الأبراج وهم كاذبون أو مهتبلون  ، فإن  شهر فبراير قد فعل فعلته في الشباب الأغرار ، حيث أصابتهم هبالته ، فتقلبوا  في انتفاضتهم كما يتقلب  هذا الشهر بين الصحو والغيم  ،  وخدعوا ، فاحتفلوا بعيد الحب والربيع لما يحن بعد محاكاة لهبالة غيرهم ، ولا يحاكي الحمقى إلا الحمقى  ، لأن الأكياس لو احتفلوا بالحب لاختاروا شهرا من شهور فصل الربيع  حيث يجدون ما يقطف من زهور تقدم لمن يحبون  عربونا للحب عوض تقديم الزهور الاصطناعية الخادعة، والتي لا تدل إلا على حب مغشوش يخدع الأغرار. ولقد خدع الشباب بانتفاضتهم ، وخدعوا غيرهم حيث زعموا أنها انتفاضة ربيع تماما كما يخدع شهر فبراير الناس بصحوه،  فيظنون أن الربيع قد حان أوانه . ولو أحسن الشباب قراءة الطبيعة  لا كما يزعم قراء الأبراج  الكاذبون ،لأدركوا أن انفاضتهم  محض محاكاة لهبالة شبراير ، وأن الوقت لا زال شتاء عندنا ، وأن الربيع  لم يحن بعد ما دامت الأرض لم تهتز ولم ترب ولم تنبت ، كما جاء في الذكر الحكيم : (( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج )) . فشبراير الهبيل أو المهبول  اهتبل أي كذب لأن السماء لم تمطر فيه مع أنه شهر ماطر ، ولا يمكن للأرض الهامدة أن تهتز وتربو وتنبت  كل زوج بهيج إلا إذا نزل عليها الماء .  ولعل المغرب لا زال هامدا كما كان من قبل ، ولعل الماء الذي يهتز له المغرب  ما زال لم  ينزل  ، لهذا نقول ربما يكون  شهر شبراير عندنا قد كذب ، وعادته الكذب بشهادة الفلاحين  الذين لا ترد شهادتهم عندنا ، لأنهم لا يكذبون ، ولو كذبوا لما أكلنا الخبز أبدا .

ملحوظة : المقال أهديه إلى أخي الفاضل الأستاذ المحترم رمضان مصباح الإدريسي

وقفة  مع قولة الفلاحين  في المغرب : " شبراير الهبيل أو المهبول "
وقفة مع قولة الفلاحين في المغرب : " شبراير الهبيل أو المهبول "

اترك تعليق

1 تعليق على "وقفة مع قولة الفلاحين في المغرب : ” شبراير الهبيل أو المهبول “"

نبّهني عن
avatar
ismael
ضيف

ما رأي الأستاذ الفاضل في العنوان شباط لهبيل

‫wpDiscuz