وقفة مع رسالة المختار لغزيوي إلى من سماهم شعب هيسبريس

28870 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 6 يوليوز 2012، لا زالت تداعيات القضية التي صارت تعرف بقضية النهاري والغزيوي  تتفاعل، وآخر تفاعلاتها رسالة  وجهها  السيد المختار لغزيوي  في مقال تضمن  أيضا عبارة :” كم أنت مرعبة أيتها الحرية “. أما ظروف الرسالة فهي حالة الرعب التي صار يعيشها لغزيوي على إثر استفزازه لمشاعر المغاربة الدينية والخلقية  مع أنه أظهر الشجاعة  والتحدي في مقاله. وسأقف  مع رسالته على غير موقع هسبريس  الذي يفرض علي حظرا منذ  مدة لأنني عبرت عن وجهة نظري المخالفة لتوجهه الحداثي العلماني، بعدما كان قد رحب بمقالاتي ووعدني صاحبه بنشر مقال لي كل أسبوع ولكنه أخلف الوعد.  وفي البداية أقول للسيد لغزيوي الذي  افتتح رسالته إلى شعب هسبريس كما سماه، والأجدر أن يسميهم  رواد هسبريس المحترمين، لأن مفهوم الشعب  أكبر  وأقدس مما صورته. وعبارة : ” كم أنت مرعبة أيتها الحرية ”  تجعلني أتساءل عن أية حرية تتحدث في  موقع هسبريس الذي صادر مني حرية الرأي لأنني لست حداثيا ولا علمانيا في حين يصول الحداثيون ويجولون  فيه ، ويعبثون بآراء غيرهم كما يشاءون. فالحرية يا سيد لغزيوي  عند الحداثيين  والعلمانيين  هي أن يعبروا كما يحلوا لهم وكما يطيب، ولكن ليس من حق غيرهم أن يعبر لأنه متطرف  وظلامي وقاتل  وحامل لكل أنواع الرعب كما وصفت السيد النهاري ، وهو وصف اعتمدت فيه إدانة مرجعيته وليس إدانته  وهي مرجعية لم ينطق فيها من فراغ  تماما كما أنك لا تنطلق من فراغ. صدقت في قولك إن الحرية مرعبة، أجل حرية الرأي  وحرية التعبير ترعب موقع هسبريس  أشد الرعب، لهذا اخترت أن أقف  مع رسالتك على موقع وجدة سيتي  الذي لا يمارس الوصاية على حرية التعبير والرأي، وأنا أدعوك إلى توجيه رسالتك إلى شعب وجدة البوابة أيضا وهو موقع قريب من غريمك السيد النهاري دون أن ترعب  هذا الموقع حرية تعبيرك أو حرية رأيك  كما أرعبت حرية تعبيري وحرية رأيي موقع هسبريس . الحمد لله يا سيد لغزيوي أنك  أعلنت  تشبثك بإسلامك وإيمانك .  وأتفق معك أن العلاقة  بين الإنسان وخالقه  لا تعني غيرهما إلا  ما شاء الخالق سبحانه فهو صاحب القرار ، وهو الذي يحدد العلاقة بينه وبين خلقه ، كما يحدد العلاقة بين خلقه فيما بينهم . وها أنت ترى أنك لست حرا في علاقتك بخالقك  كما تظن،  بل خالقك  خلقك للعبودية ، ولا تتحقق حريتك بالمعنى الصحيح إلا إذا كنت عبدا لخالقك ، وعبرت عن قبولك للعبودية الإجبارية التي يشترك فيها المؤمن والكافر ، وللحرية الاختيارية التي هي موضوع مساءلة بين الخالق سبحانه والخلق بعد نهاية هذا العالم . لا أحد سيناقشك في عبوديتك الاختيارية لأنك مسؤول  عنها أمام خالقك . ولا أحد سيشكك فيها لأنها مرتبطة بمنطقة محرمة لا يعلمها إلا الله عز وجل . ولكن يا سيد لغزيوي  إذا كانت العبودية الإجبارية لها مظاهرها الدالة عليها كإجبارية المجيء إلى الحياة  ، والانتهاء إلى الموت وما بينهما من إجبار كالصحة والسقم ، والنوم والطعام والشراب والتخلص منهما إلى غير ذلك مما لا يملك مخلوق تجاوزه ، فإن للعبودية الاختيارية مظاهرها الدالة عليها أيضا وهي  الخضوع لما شرع الخالق سبحانه عن طيب خاطر واقتناع لوجود فرصة الاختيار بين الرفض والقبول  . فلا يمكن أن يدعي العبودية الاختيارية من يرفض أوامر ونواهي خالقه . وإذا كان ليس من حق الخلق أن يتدخل في  علاقتك مع خالقك وأنت تمارس عبوديتك الاختيارية ، فلا يمكنك أن تمنعهم  من أن  يحكموا  على طبيعة عبوديتك الاختيارية من خلال  تصرفاتك ومواقفك العملية،  لأنهم أمروا بأن يحكموا  على الظواهر والله يتولى السرائر . فإن أنت أشرت تصريحا أو تلميحا إلى رفض أمر أو نهي إلهي فمن حق الخلق أن يقول لك أو عنك  إنك قد  أخللت بقواعد العبودية الاختيارية  التي مدارها حول رفض أو قبول  طاعة الخالق سبحانه ، وهي حرية الاختيار بامتياز .

يا سيد لغزيوي  أنت وصفت شعب بلادك بعبارة : ” خروب بلادي ” الذي يراد باستعمالها الاستخفاف بالخلق، وهو خلق كرمه الله تعالى  القائل : (( ولقد كرمنا بني آدم )) ولو أراد الله عز وجل  أن يجعلهم خروبا لفعل ، كما فعل  حين مسخ الخارجين عن طاعته من بني إسرائيل قردة وخنازير . وزعمت أنك تعرف العجب العجاب  وهذا منتهى الغرور، ودونك قول القائل :

قل لمن يدعي في العلم فلسفة /// علمت شيئا وغابت عنك أشياء

 وخير من ذلك ما جاء في الأثر : ” ما يزال العبد عالما ما طلب العلم فإن ظن أنه علم فقد جهل ” ولهذا لا يحسن بك أن تكون ” بوعروف ” كما يقول خروب بلادك الذي زعمت أنك تعرفه .

 أكبر فيك يا سيد لغزيوي  أنك  لم ترض لعائلتك الموقرة والمحترمة الفساد والفجور والفاحشة ، وأكبر فيك أنك دفعت عنك تهمة الدياثة . وأكبر فيك أنك لم ترض أن يكون وطنك بلاد الإسلام ماخورا كبيرا ، وأكبر فيك أنك تنكرت للدعوة إلى الدعارة ، ولكن زل تعبيرك عندما قلت  أنك تريد أن يكون الإنسان حرا في جسده . فلقد هدمت يا سيد لغزيوي صدر كلامك بعجزه ، وأثبت ما نفيته من قبل  ، ووقعت في تناقض  صريح  وواضح. فالحر في جسده  يفعل به ما يشاء ، ومما يمكن أن يفعل به أن يبيحه  جنسيا  بدعوى أنه حر فيه ، أليست هذه يا سيد لغزيوي  دعوة صريحة إلى حرية الجنس ؟ أليست دعوة إلى الدعارة ؟ وهب أن خلقا كثيرا أقرك على ما دعوت إليه ألا يصير وطنك عبارة عن ماخور كبير ؟ وهب أن  عائلتك المحترمة  أيضا أقرتك على ما تدعو إليه ألا تكون قد  رضيت لها الفساد والفجور والفاحشة ؟  وماذا تسمي من يرضى ذلك لعائلته أو لغيرها أليس ذلك دياثة ؟ 

ولقد خلطت يا سيد لغزيوي بين الحرية السياسية  والاقتصادية والقيمية كما سميتها ، وبين حرية لا يمكن إلا أن تسمى عبثية بامتياز . فحتى الحرية السياسية  والاقتصادية  والقيمية  قد قننها لك خالقك سبحانه لأنه خلقك وسط خلقه ، وتعبدك بعبادات لا تصح إلا بشكل جماعي . فالسياسة  والاقتصاد والقيم تفرض عليك أن تخالط الخلق ، وتجعل حريتك رهينة بحرية هذا الخلق . وخالقك تدخل في جسدك وفي أجساد غيرك من خلقه ، وقنن التصرف فيها ، فلا يحق لك أن تقول أنك حر فيها ، وأنك تفعل في جسدك ما تشاء ، بل لا تفعل فيه إلا ما شاء خالقه سبحانه الذي  وهبه لك نعمة من بين نعمه التي لا يحيصها العد ، وأمرك أن تشكرها ، وشكرها ليس مجرد شكر لسان، بل هو التصرف فيها كما شاء الواهب سبحانه .

وأكبر فيك التواضع ، وأرفض  أن تصف نفسك بالتافه لأنك من خلق الله عز وجل المكرم ، ولكنك نقضت تواضعك كما نقضت عبوديتك الاختيارية من قبل  عندما زعمت أنك حركت المادة الرمادية لمواطنيك  بقضية لا أظن أنها بالأهمية التي تظن أو تزعم ، الشيء الذي يعني أنك تشكك في تشغيلهم لهذه المادة ، أو أنك تتهمهم بالغفلة والبلادة ، ويحسن بك أن تعذر لشعبك الذي هو من أذكى شعوب الأرض ، ويفهمها طائرة في السماء كما يقول المثل العامي .

يا سيد لغزيوي لو اكتفيت بشكوى السيد النهاري  إلى العلي القدير لكفاك  وكان حسبك ونعم الوكيل إن كنت بالفعل مظلوما ، إلا أنك  نعته بالظلامية والتطرف والإجرام والقتل  وكل أنواع الرعب ، الشيء الذي يعني أنك نلت قصاصك منه . وأنا سائلك : ماذا لو كان السيد النهاري بريئا مما نعته به يوم الخصومة بينك وبينه يوم القيامة بين يدي العلي القدير ؟  وأكبر فيك أنك لم ترد إدخاله السجن ، ولكن ليكن في علمك أن غيرك ممن تظن أنهم يؤازرونك في  قضيتك ـ إن صح أن تكون قضية ـ   يريدون إدخاله السجن منذ زمن طويل، لأنه  يقلقهم بقول الحق ، وبممارسة  حرية التعبير التي ترعب  كما وصفتها . والقضية يا سيد لغزيوي عبارة عن زوبعة في فنجان  كما يقال حيث استغلت السياسة  للطعن في الدين ، وأراد الحداثيون والعلمانيون ـ  وأنت منهم ـ  إثبات فشل الإسلاميين في تجربتهم السياسية ، وعوض  خوض حرب نظيفة اختاروا الحرب القذرة التي تمس بالقيم الدينية بذريعة مواجهة الإسلاميين . والحداثة يا سيد لغزيوي التي انتسبت إليها  مفاخرا  بمفهومها  عند صناعها  حيث وجدت هنالك في بلاد غير بلادك ، وفي عقيدة غير عقيدتك  تتموقع على طرف نقيض من دينك ،  ولا يمكنك أن تكون حداثيا  ومسلما في نفس الوقت ، ولا علمانيا ومسلما في نفس الوقت،  لأن الحداثة والعلمانية منقضتان للإسلام إذا ما تحدثنا الصراحة ، وتنكبنا النفاق  . والحداثة ليست مجرد تطور كما يسوق لها المسوقون،  بل هي اعتقاد وتصور رافضة لغيرها ، وبانية  لذاتها على حساب هذا الغير، ومعتبرة نفسها البديل  عن كل تليد  بما فيه الدين الإسلامي . وأنا  لا أتحدث عن المفردة اللغوية التي تعني  طلب الجديد  أو الحديث ، بل  أتحدث عن المفهوم بالمعنى الغربي  الذي تم استيراده بدلالتها الغربية ، لا بالدلالة النفاقية عندنا  . والحرية يا سيد لغزيوي لا ترعب سوى  الذين يحملون الفكر الاستئصالي  كما هو حال موقع  أصحاب هسبريس  الذين أقلقتهم مقالات أمثالي لأنه لا تعزف على أوتارهم .

يا سيد لغزوي ما قاله السيد النهاري  يمكن أن يقوله لك كل واحد له نفس المرجعية الدينية . فالذي يقول للناس أنا  أعتبر الإنسان حرا في جسده يفعل به ما يشاء ، سيقال له حتما  إنك تبيح له  الزنا، لأنه سيفعل بجسده ما يريد ، ومما يمكن فعله أن يبيحه جنسيا . وما قيل عن عائلتك هو نفس ما قاله رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لشاب  تجاسر عليه وطلب  منه أن يرخص له  حرية التصرف في جسده جنسيا فأجابه عليه السلام بقوله : ” أو ترضه لأمك ، أو ترضه لبنتك أو ترضه لأختك …. ” أو كما قال عليه السلام . كل الناس عندما يفهمون من كلامك أنك تبيح حرية التصرف في الجسد ،  سيقولون لك نفس القول ، لهذا لا يمكن أن تنعت صاحب هذه المرجعية بالظلامية والتطرف  والقتل  وكل أنواع الرعب ، لأنك إن فعلت تكون في الحقيقة تدين  مرجعيته ولا تدينه  هو في حد ذاته .والظلامية يا سيد لغيزوي  حدد ها كتاب الله عزوجل في قوله تعالى : (( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ))،  فالله تعالى حدد مفهوم الظلامية تحديدا يختلف عن تحديد العلمانية والحداثة لها . و ما دمت يا سيد لغزيوي قد أكدت إسلامك وإيمانك فلا يمكن أن تتنكر لنصوص القرآن الكريم ، ونصوص الحديث  ، وتنفي على سبيل المثال قوله تعالى : (( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ))  وقد سردت عليك النصوص القرآنية ما دمت قد استشهدت بنص قرآني ، ولا يمكن أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض . وأخيرا آمل ألا يكون خطابك كخطاب  من قالوا لنبيهم عليه السلام : (( قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ))  فخطاب قوم شعب يا سيد لغزيوي لا يختلف عن خطابك  حين تقول إن الإنسان حر في جسده يفعل  فيه ما يشاء . وأسأل الله لك الهداية بمناسبة حلول شهر المغفرة ، وأرجو ألا ترضى بأن تكون  مطية أو دمية أصحاب صراع حزبي  وسياسي من النوع القذر ، وأن تكون بالفعل دافعا بالتي هي أحسن  لتصير عداوتك للشيخ النهاري محبة  وولاية حميمة .  

وقفة مع رسالة المختار لغزيوي إلى من سماهم شعب هيسبريس
وقفة مع رسالة المختار لغزيوي إلى من سماهم شعب هيسبريس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz