وقفة مع المذكرة الوزارية في موضوع القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام

427679 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وقفة مع المذكرة الوزارية في موضوع القرارات التأديبية المتخذة من طرف مجالس الأقسام

أصدر  وزير التربية  الوطنية  خلال شهر أكتوبر مذكرة  تنظيمية في موضوع القرارات التأديبية المتخذة من طرف  مجالس الأقسام  ، وقد  حملت  المذكرة عجبا قبل  حلول  رجب ، ويتعلق  الأمر  بتعطيل  عقوبة التوقيف  المؤقت عن الدراسة  للمتعلمين  الذين يحالون  على المجالس  الانضباطية  بسبب  ارتكابهم مخالفات  مخلة بالقانون الداخلي للمؤسسات، واستبدال هذه  العقوبة بما سماه  الوزير تقديم  خدمات ذات نفع عام ، ومثل لها  بتنظيف ساحة ومرافق  المؤسسة  أوإنجاز أشغال البستنة، أوالقيام بأشغال المكتبة  المدرسية  كالتنظيف  وترتيب الكتب  ، أو المساعدة  في الأشغال  المرتبطة  بتقديم خدمات المطاعم  والداخليات ، أو المساعدة  في تحضير الأنشطة  الرياضية. والغريب  أن المذكرة   نصت  على  أن هذه  الخدمات  يجب  أن تنجز  خارج  أوقات  الدراسة ،  والأغرب  من ذلك  أنها  نصت  على حفظ كرامة  المتعلم  وعلى عدم  تعريضه  لأي تجريح  أو تحقير أو مس  بسلامته  مع مراعاة  نوعه ـ  ولعل  الوزير هنا  يقصد  جنسه ـ  وسنه  وقدراته  البدنية . كما أمر الوزير في مذكرته  بالقطع النهائي  مع العقوبات  البدنية  تحت أي ظرف كان . ووقفتنا  مع هذه  المذكرة  تبدأ  أولا  بذكر  تجاهلها الكامل  لضحايا المتعلمين المرتكبين  لمخالفات  تحيلهم  على أنظار  المجالس الانضباطية  ، وهؤلاء  الضحايا  قد  يكونون  متعلمين  أيضا  أو  مدرسين  أو  إداريين  ، ذلك  أنه  من  المخالفات الصادرة عن  المتعلمين الاعتداء  بالضرب  أو  بالشتم على ما يوجد بالمؤسسات  التربوية  . وإذا كانت المذكرة قد  فكرت في الأضرار  التي  تلحق  المتعلمين المرتكبين للمخالفات ،من قبيل  حرمانهم  من  الدروس  ، وما  لذلك  من انعكاس على  انقطاع  صلتهم  بالدراسة  ،  فإنها  أهملت  الأضرار التي تلحق  بضحايا  هؤلاء  ، وهو عيب  واضح في ديباجة  المذكرة  ، ولا  يمكن  للعقوبات  المقترحة   كبديل   عن  الحرمان  من الدراسة  أن  ترد  الاعتبار  لضحايا  المتعلمين  المرتكبين  للمخالفات  التي تمس  بسلامة  وكرامة  الغير  إذ لا يفيد  الضحايا  في شيء أن  ينظف  هؤلاء مرافق المؤسسات  التربوية . وقد  يكون  تنظيف   مرافق  المؤسسات  عقوبة  مناسبة إذا  ما كانت  المخالفة هي توسيخها حيث  يطلب  ممن  وسخها  تنظيفها ، أما عندما  تكون  المخالفة   عبارة عن  اعتداء مادي  أو  معنوي على الغير  فلا  معنى  لعقوبات  التنظيف  إذا صح أن  تسمى عقوبة . ولعل الوزير   قد  تذكر  أيام  دراسته  في طفولته  حين كان  المتعلمون  يعاقبون  بتنظيف   ساحات المؤسسات  والفصول الدراسية  ، وكان  شغب   المتعلمين  يومئذ  في حكم  النادر جدا  نظرا  لوجود  العقوبات  البدنية  الزاجرة والرادعة   عن  ارتكاب  المخالفات ، أما  اليوم  فقد  صارت  المخالفات بلا حصر يوميا  ، ويرقى بعضها  إلى  جرائم  يعاقب  عليها  القانون  الجنائي . ولا بد من  طرح بعض الأسئلة  على  الوزير منها  :  إذا  كانت  الأشغال   التي تسد  مسد  عقوبة  التوقيف  المؤقت  عن  الدراسة  تنجز  خارج  أوقات  الدراسة ، فمن ذا الذي  يسهر على تطبيقها ، علما  بأن  الطواقم  الإدارية  لها جداول  حصصها  على غرار  جداول  حصص  المدرسين ؟  ومن  سيتحمل  مسؤولية  متعلمين  يشغلون  خارج  أوقات  الدراسة  في القيام  بأشغال لا يخلو  بعضها  من مخاطر؟  وإذا  كان السيد  الوزير  قد حرص على  صيانة  كرامة  المتعلمين  الخاضعين  لعقوبات  التشغيل  وعدم تحقيرهم  وتجريحهم  ، وعدم المساس  بسلامتهم  الجسدية  ، فما معنى  تكليفهم  بتنظيف  مرافق  المؤسسات  التربوية  ومن ضمنها  دورات  المياه التي يمثل  تنظيفها أكبر مساس  بالكرامة   وأكبر تحقير ، فضلا عن كونها  أماكن  المساس  بالسلامة  الجسدية . وإذا  تجاوزنا  تنظيف  دورات  المياه  إلى أشغال  أخرى  كالبستنة  أو  الصباغة  أو  الترميم  أو ما شابه  ذلك ألا  توجد  مخاطر تهدد السلامة  من قبيل  استعمال  بعض  الأدوات  كالمعاول  أو السلالم  أو مواد  تنظيف مؤذية  أو مواد  كيماوية  سامة  ، أو  أسلاك  كهربائية …. ؟  ولنفرض  جدلا  أن  الجهات  المعنية بتطبيق  مقتضيات  هذه  المذكرة  قد أخذت  كل  الاحتياطات  لصيانة  الكرامة  والسلامة  الجسدية  فهل  سيقبل   المتعلمون  المرتكبون  للمخالفات  الخضوع  لهذه  الأشغال  التأديبية، وتربتهم  سيئة التربية  إلى جانب سوء انضباطهم  ؟  وهل يمكن  تصور  متعلم  يهاجم  المدرس  لمجرد  كون  هذا الأخير  يطلب منه  القيام  بالوجبات  أو  إحضار اللوازم  المدرسية  أو  الانضباط  في الفصل  أو  تجنب  النقل  أثناء   الاختبارات  أو  احترام  توقيت  الدراسة … تقبل  رعونته  القيام  بأشغال  التنظيف أوغيرها ؟  ويبدو أن  الوزير   في مكتبه  أو برجه  العاجي  البعيد عن  واقع  الحال  له تصور  خاطىء  عن  المتعلمين الذين  يرتكبون  المخالفات ، ولو قدر  له أن  يطلع  على  بعض  النماذج  لولى  منهم  فرارا وانتابه الرعب  والفزع  خصوصا تلك النماذج  المحاكية  بتصفيف  شعورها  وهندامها  وخطابها الفاحش  المتفحش لأسوأ  النماذج  البشرية  في المجتمع  من  المجرمين  و معترضي  السابلة   ، ومدمني  المخدرات  ، والشواذ … وما  لا يوصف من السلوكات المنحرفة  التي  لا  تليق  بمن  يرتاد  المؤسسات  التربوية . وربما  كان  في ذهن  الوزير  أو  من   حرر هذه  المذكرة  متعلمين  صغار  في الطور الابتدائي  في حين  غاب عن  أذهانهم  نماذج  المتعلمين  في السلك  الثانوي  وخصوصا  التأهلين  وعلى  وجه  الدقة  النماذج  التي   تفصل   لأكثر  من مرة  وتعاد  لتعيث  في  المؤسسات  التربوية  فسادا . ولقد قدر لي   الحضور  بمكتب  مدير  لإحدى  الثانوية  التأهيلية  بمدينة  وجدة ، فعاينت  جماعة  طائشة  من  المفصولين  تكيل  له  أقذع  الشتائم  و السباب وتهدده في عقر  مكتبه  إذا هو  لم يرجعها  لتواصل  عربدتها  في  المؤسسة . وأخيرا  أختم  بالقول  إن  الوزير  بقراره  هذا  شأنه كشأن  من طلب لبن  اللبوءة في  جلد  شبلها  مهرا لابنته  من خاطبها  . وكان  الله  في عون  من  أوكل  إليهم  تطبيق  هذه المذكرة .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz