وقفة تدبر واعتبار بمناسبة ذكرى غزوة بدر الكبري في ظرف العدوان الصهيوني على قطاع غزة/ وجدة: محمد شركي

182396 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “وقفة تدبر واعتبار بمناسبة ذكرى غزوة بدر الكبري في ظرف العدوان الصهيوني على قطاع غزة”

في مثل  هذا اليوم الأغر، وفي السنة الثانية من هجرة رسول الله صلى الله عليه  وسلم من مكة إلى المدينة ، وتحديدا  ما بين  وقت  الضحى  ووقت الظهيرة  وقعت غزوة بدرالكبرى  أو  يوم  الفرقان  كما سماه الله عز وجل ، وهي أسرع وأقصر حرب  في  التاريخ  البشري  ولكنها  كانت حاسمة . ومعلوم  أن سنة الله  عز وجل  أن  يخص أزمنة  وأمكنة  مقدسة  عنده  بعظائم الأحداث  ، ومن  هذه الأحداث  هذه الغزوة ، وهي  حرب  كونية بما  لهذا الوصف من دلالة  حقيقية   بعيدة  عن  المجاز ، ذلك  أن  الناس  دأبوا  على تسمية  حربين  من حروب العصر الحديث  بالحربين العالميتين أو الكونيتين  ،وهو تعبير مجازي في نظري  لأن  وصف  حرب بأنها  كونية  يقتضي أن  تكون  المشاركة فيها أكبر  من مشاركة  تقتصر على العنصر  البشري دون سواه  من  العناصر  الأخرى. وعندما  نقول إن  غزوة بدر الكبري هي حرب  كونية نقصد أن العناصر  المشاركة  فيها  تخطت دائرة  العنصر البشري  إلى  العنصر  الملائكي  كما سجل  ذلك  القرآن  الكريم . وإذا كانت  الحروب  تكتسي أهميتها  باعتبار أهدافها  وغاياتها  فإن   غزوة بدر عبارة  عن حرب من  أجل  إحقاق  الحق  وإبطال  الباطل  في  الكون بأسره  لا في بقعة  محدودة  على سطح  هذا  الكوكب . ولقد كانت  هذه الحرب  بين معسكر الإيمان الناشىء  ومعسكر الكفر  والشرك  المتجذر  في المجتمع الإنساني . ولما كانت رسالة الإسلام التي أنزلت  على خاتم الأنبياء  والمرسلين صلى  الله عليه وسلم هي الرسالة  الخاتمة  فإنها كانت بالضرورة عالمية  الشيء  الذي  يعني بالضرورة أن  يواجه الإيمان الكفر في  العالم كله  وليس في  رقع  محدودة  ، وفي ما بقي من عمر الحياة الدنيا  لا كما كان  الشأن بالنسبة للرسالات  السماوية السابقة . وبهذا الاعتبار  أيضا  تعد  غزوة بدر حربا  كونية  أيضا . ولقد  سبقت هذه الحرب  مناورة  حربية  يمكن اعتبارها حرب استنزاف  العدو اقتصاديا ، وذلك من خلال   محاولة  اعتراض  النبي  صلى الله عليه  وسلم  قافلة الكفار  والمشركين  التجارية  التي كان  قوامها ألف  بعير وخمسون ألف دينار ذهبي ، وهو رصيد معتبر  بمعايير  تلك الفترة الزمنية . ومعلوم  أن  الحروب  الاقتصادية  تقنية  متعارف  عليها  بين  البشر  ، والهدف  من ورائها  هو  إضعاف  قوة  الخصم  أو العدو  قبل النزال المسلح ، ولا زالت هذه  الحرب  أسلوبا  متبعا  في المجتمعات  البشرية . ولقد  نقل الوحي  خبر هذه الحرب  الاقتصادية  السابقة   لغزوة بدر في قوله  تعالى : ((  وإذ  يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم  وتودون أن غير ذات  الشوكة تكون لكم  ويريد الله أن يحق الحق  بكلماته ويقطع  دابر الكافرين  ليحق  الحق  ويبطل  الباطل  ولو  كره المجرمون)) . فلقد كانت رغبة  النبي  صلى الله  عليه  وسلم  أن  ينال  من أعداء الإسلام  عن طريق  إضعاف قوتهم  من خلال  السيطرة على أرصدتهم  المالية  تماما  كما عاملوه   هم عندما كان  في مكة  من خلال  حصاره مدة ثلاث سنوات  لإضعاف دعوته  وتنفير  الناس منها ،  إلا أن  إرادة  الله عز وجل  كانت تهدف إلى  إحقاق  حق  الإيمان  وإزهاق  باطل  الكفر والشرك  لهذا  اختار  الله  عز وجل  لنبيه  النفير  عوض  العير ، وكان  نفيرا  حاسما  في وقت  قياسي  ، وفي حرب  ما بين  ضحى  وظهر  يوم  السابع  عشر  من  رمضان .  وهذه  الحرب الكونية  باعتبار  مشاركة  رب العباد وخالقهم   سبحانه  وتعالى  فيها إلى جانب  مشاركة  ملائكته  الكرام  صلواته  وسلامه  عليهم إلى جانب  عصابة  المؤمنين التي كان قوامها 313 محارب  المهاجرون  منهم 82 والأنصار 230 منهم 174 من الخزرج ، و62 من الأوس  وبعدة  وعتاد  قوامه  فرسان اثنان  و70  بعيرا ولكن  لا ننسى  ألفا  من  الملائكة مردفين  وهو مدد إلهي  بعد التقاء الفريقين.  وكان قوام جيش  معسكر الكفر والشرك  ألف مقاتل  بعدة وعتاد  بنفس  الحجم . وعند  التدبر  نجد  أن عدد جند  المسلمين  كان  يفوق  عدد جند الكافرين  والمشركين  وهو  عكس  ما  يقال  عند  وصف هذه  الحرب  ، وذلك بعد تدخل  الملائكة  الكرام ، وهو أمر  سجله  الوحي كذلك  في قوله تعالى : ((  إذ تستغيثون ربكم  فاستجاب لكم  أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين  وما جعله الله  إلا بشرى  ولتطمئن  به قلوبكم  وما النصر إلا من عند الله  إن الله عزيز حكيم )). وسجل القرآن  الكريم أيضا  طبيعة  المشاركة الإلهية  والملائكية في هذه  الحرب  الكونية  في قوله  تعالى  : ((  إذ يوحي  ربك إلى  الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي  في قلوب الذين  كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق  واضربوا  منهم كل بنان  ذلك  بأنهم شاقوا الله ورسوله  ومن يشاقق  الله ورسوله فإن الله شديد  العقاب )) . فمشاركة  الله عز وجل  في هذه  الحرب  توجهت  إلى قلوب  الكفار  والمشركين  علما  بأن  قلوب  العباد  بيد   خالقها  يقلبها  كيف  يشاء  ، وهو  بذلك  مقلب القلوب  ، وقد ألقى في قلوب  الكفار والمشركين  الرعب أو قلبها على الرعب  ، وهو حالة  نفسية  تفقد  الإنسان  الثقة  بنفسه  وبقوته  ذلك أن الرعب  هو  شدة  الخوف الذي  يفقد  صاحبه  كل إرادة علما  بأن  خوض الحروب  يتطلب بالضرورة  الشجاعة  والجسارة والإقدام  ، ولهذا  عقب الله  تعالى   بعد  إرسال المدد الملائكي  بقوله  جل وعلا : (( وما جعله الله  إلا بشرى  ولتطمئن  به قلوبكم  وما النصر  إلا  من عند الله  إن  الله عزيز حكيم )) فالنصر  في بدر كان من عند الله عز وجل الذي  ألقى  الرعب  في قلوب  قوم  غلاظ شداد بلغ  بهم  الرعب  حد الفرار  وما عرف  عنهم  الفرار  في  الحروب  التي كانت فيما بينهم . وأما  مشاركة  الملائكة  فكانت  مزدوجة  من جهة  كانوا  يثبتون  الذين  آمنوا  في الوقت  الذي كان الله  عز وجل  يلقي  الرعب  في قلوب  الذين كفروا  ، ومن  جهة أخرى  كانوا  يضربون  فوق  الأعناق  ويضربون  كل بنان . ولقد  وقف  المفسرون  عند  هذا  النوع  من الضرب  وهو ضرب مختلف  عن  ضرب  الأعناق  وبتر الأيدي  بالطرق  البشرية  وبواسطة  السيوف  ، وهو الضرب  الذي  زاد  الكافرين رعبا  لأنهم  أدركوا  أن قوة  خفية  تحارب  إلى جانب  العصابة  المؤمنة ، ولهذا  فر أغلبهم  بعد ما   قتل  70 منهم  وأسر  70 آخرون . ومشاركة  الملأ اللأعلى من الملائكة  في  غزوة بدر  الكبرى  هو  الذي  جعلها   أسرع حرب  في تاريخ  البشرية بسبب  فعالية  وقوة  مشاركة  الملأ  الأعلى  فضلا  عن  كون  عذاب الخالق  سبحانه  حاسم  وسريع ومفاجىء  ، وذلك  سنته  الماضية  في خلقه كما  قص علينا ذلك القرآن الكريم  في أخبار  الأمم  الغابرة  التي  أهلكها  الله بأنواع مختلفة  من العذاب  ، وكان عذاب بدر  نوعا من أنواع  العذاب  المخصص  للكافرين . ولقد سجل الله تعالى   طبيعة   نصر العصابة  المؤمنة في قوله عز من قائل : (( ولقد نصركم الله  ببدر وأنتم  أذلة  فاتقوا  الله  لعلكم  تشكرون ))  ومعلوم  أن  حلاوة  النصر بعد  الذلة لا تعدلها  حلاوة ، وهي نعمة  تستوجب  الشكر  كما جاء في  تعقيب  الله عز وجل.

وأخيرا ما الذي  يمكن أن نستفيده  من هذه الغزوة ، وما  العبرة  منها  والأمة الإسلامية  تمر  بظرف  العدوان  الصهيوني  على قطاع غزة  ؟ إن الله تعالى  أراد بهذه  الغزوة  نصر  العصابة  المؤمنة  من أجل أن تصل دعوة الإسلام إلى كل شبر من هذا  العالم  في آخر  رسالة  من الخالق  سبحانه  إلى  البشرية  بين يدي  الساعة . ولقد  استوعب رسول  الله  صلى  الله عليه  وسلم  دور هذه العصابة المؤمنة  لهذا استغاث  ربه  لنصرها  وهو يقول  ساعة  الشدة  : ” اللهم  إن تهلك هذه العصابة  المؤمنة  فلن تعبد  في الأرض  أبدا ”  وهلاك  تلك  العصابة  كان يعني  نهاية  الحق   واستمرار  الباطل  في هذا  العالم . وإحياء  ذكرى  هذا  الحدث  العظيم  يقتضي  من الأمة  الإسلامية  أن  تقف  إلى جانب  الحق  الذي اقتضت  إرادة  الله عز وجل  أن يحقه  مقابل  إبطال  الباطل . ومعلوم أن عالم  اليوم لا زال  الباطل  فيه يصول ويجول   متحديا  إرادة  الخالق  جل وعلا وفي طليعة هذا الباطل  باطل  الصهيونية  وأذنابها .  وإذا  ما صح إيمان  الأمة  بنصر الله  عز وجل  مع  الذلة كما  حصل في  غزوة بدر  وتيقنته حق اليقين ، فإن هذا  النصر سيتكرر في كل عصر ومصر . ولقد اشترط الله عز وجل  للحصول  على هذا  النصر  مقابلا  في قوله  تعالى : (( إن تنصروا  الله  ينصركم  ويثبت  أقدامكم ))  ونصر الله  هو إحقاق  الحق  الذي أحقه  وإبطال  الباطل  الذي أبطله . ومن  يتأمل  موقع  وصف  غزوة  بدر في القرآن الكريم  يجد وصفا  سابقا له يتعلق  بالعصابة  المؤمنة  التي  أحق  الله  عز وجل  الحق  بها في  بدر  ، وذلك  في قوله  تعالى : (( إنما المؤمنون  الذين  إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  وإذا تليت  عليهم  آياته  زادتهم إيمانا  وعلى ربهم  يتوكلون  الذين  يقيمون  الصلاة  ومما رزقناهم  ينفقون  أولئك  هم  المؤمنون  حقا  لهم درجات عند ربهم  ومغفرة  ورزق  كريم )) .  فهذا وصف  للعصابة  المؤمنة  بأسلوب حصر  ، وهي  العصابة  المؤمنة حقا  من خلال  مؤشرات  دالة  على  حقيقة  إيمانها  وهي وجل  القلوب  ، وزيادة  الإيمان  من خلال  الاحتكاك  بكتاب الله عز وجل ، والتوكل  على الخالق  حق التوكل  ، وإقامة  الصلاة  ، والإنفاق في سبيل الله . فعندما تتوفر هذه  الشروط  في عصابة  ما تكون  عصابة مؤمنة حقا و مؤهلة للنصر ولو كانت تعاني  القلة و الذلة  لأن  سنة  الله  في الخلق  أنه  كان  على الدوام  ينصر  الفئة القليلة  الذليلة  المستضعفة  على  الكثرة  الكاثرة  الجائرة  المستكبرة. ولعلنا  نلمس  شيئا  من هذا  النصر  الإلهي  في قطاع  غزة   المحاصر برا وبحرا  من طرف  العدو  ومن طرف  المنبطحين  له  من المحسوبين  على  الإسلام ، ومع  ذلك يسجل   المجاهدون  فيه  نصرا من عند الله  عز وجل  حيث   بهروا  العدو  بقدرتهم  على تحدي  قوته  وحصاره  ، ووصلت  صواريخهم  وراجماتهم  إلى  حيث  لم   يخطر  بباله و هو الذي  يمنعه  رعب  يلقيه  الله  عز وجل  في قلوب  عساكره من الغزو  البري  والنزال   أرضا لهذا لا يجد مندوحة  عن  استعمال  سلاح  جوه  بشكل عشوائي لقصف  المدنيين  لأنه  لا يستطيع  منازلة  المجاهدين . ونسأل  الله   جبار  السماوات والأرض  أن  يهلك  عصابة  الصهاينة  في هذا  الشهر  العظيم  كما  أهلك  عصابة  الكفر  والشرك  في غزوة  بدر  وما ذلك  على الله  بعزيز . 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz