وقفة تأمل في المشهد السياسي المغربي

20827 مشاهدة

الرباط/ رشيد بداوي : هل ما تشهده الساحة السياسية الوطنية يستحق الاهتمام فعلا ؟ سؤال طالما تبادر إلى ذهني وأنا أتتبع وقائع وتطورات ما يسمى بالحقل السياسي المغربي الذي يعج بأحزاب ضعيفة، منها ما جاء في ظروف موضوعية ومنها ما أملته الطموحات الشخصية والحسابات السياسية الضيقة الأفق.
وقد لا يختلف إثنان أن هذه الأحزاب لا تمتلك ما يكفي من المقومات والاستعدادات لتكون جديرة بثقة واهتمام المواطنين المغاربة الذين ضاقوا درعا بالوعود والأكاذيب والشعارات الرنانة التي تصاغ في كلمات لا تستحقها، مثلما لا تستحق حتى المداد الذي كتبت به.هل في بلادنا حزب واحد يمكن أن ينطبق عليه مفهوم الحزب السياسي كما هو متعارف عليه في أدبيات العلوم السياسية التي تعتبر الحزب بمثابة الكيان الذي يسعى إلى ممارسة السلطة أو المحافظة عليها ؟ لا أعتقد أن الجواب سيكون بالإيجاب لأن المتأمل الموضوعي في مجريات الأمور لن تغيب عنه حقيقة أن جميع الأحزاب التي تؤثث المشهد السياسي الوطني لم يسجل لها يوما أن سعت إلى ممارسة السلطة بالمعنى العلمي منذ الإستقلال وإلى الآن.وبصرف النظر عن أن القواعد التي تحكم سير النسق السياسي ربما لا تسمح لها بهذا النوع من الممارسة السياسية، فإنه يحق التساؤل في ذات الوقت كيف يتأتى لها ذلك وهي مثقلة في تكوينها الداخلي بالعديد من القيود والأغلال الذاتية ومتعودة على الخمول والكسل والنشاط المناسبتي والجري وراء المصالح الخاصة لـ “زبنائها” الذين لا يستحضرون أية مبادئ أو أفكار أو مقاصد نبيلة.

وقفة  تأمل في المشهد السياسي المغربي
وقفة تأمل في المشهد السياسي المغربي

إن كل هذه الأمور ليست إلا مجرد كلمات منمقة تستحيي حتى الحروف التي تشكلها من أن تجد نفسها مقحمة في الوثائق والأوراق الداخلية لهذه الكائنات السياسية المشوهة، أما الواقع اليومي فيحكي حكايات مغايرة ظاهرها الدفاع عن الوطن وقضاياه الكبرى وانشغالات المواطن وهواجسه المؤرقة، أما باطنها فتدافع وتزاحم بين الأضداد من أجل إرضاء أنانيات الذوات المنتفخة.وحسبي في التدليل على ذلك ما نعاينه في كل مناسبة انتخابية من اقتتال مستطير بين الساعين إلى الظفر بالتزكية التي صارت أحد الأسباب في مبادرة الغاضبين إلى إنشاء أحزاب جديدة. أما مواعيد “المؤتمرات العامة” و”تجديد” الهياكل فتسبقها معارك طاحنة بدءا من تشكيل اللجن التحضيرية و انتهاءا بمعايير انتخاب أو تعيين أعضاء المؤتمر نظرا لما تكتسيه هذه المحطة من أهمية قصوى في تحديد النتائج وتحقيق الأهداف المسطرة سلفا، وهذه ظاهرة لا يشذ عنها أي حزب بما فيها تلك التي تختصر منطلقاتها في المرجعية الإسلامية.في كل هذه المناسبات هناك ضحية واحدة وهي الديمقراطية التي يتغنى بها الجميع وينشدها، وهي منهم براء براءة الذئب من دم يوسف، فأية علاقة يمكن أن نقيمها بينها وبين أحزاب يورثها الآباء للأبناء أو يقرر فيها شيوخ لا يتزحزحون إلا بالموت أو تنتظر مكالمات هاتفية من جهة ما لتضع جدول أعمال اجتماعاتها فبالأحرى أن تصنع قراراتها دون وصاية.وإذا ما تجاوزنا هذا المستوى الذي يهم كل حزب على حدة ، فإن الإنتقال إلى مستوى التأمل في المشهد ككل ومنظومة العلاقات التي تؤطره يجعلنا من الوهلة الأولى أمام واقع مر تلخصه المحاولات اليائسة التي من أجلها وُجد حزب طارئ على الساحة قصد جمع شتات أحزابنا وتوحيد عملها في أقطاب عصية على التصنيف وفق رؤية فوقية لا تراعي أن هذا التشتت متأصل موضوعيا في واقعنا الحزبي ولا سيبل لتجاوزه إلا بمبادرات حقيقية تأتي من أسفل إلى فوق وليس العكس .أما ما يجري حاليا تحت إشراف الحزب المومأ إليه ومن تعاقد معه من الباطن فيما بعد، فمآله في إعتقادنا الفشل تماما كما حصل في تجارب سابقة.على المعنيين أن يدركوا أن الرهان على مثل هذه المبادرات الذي يجري بأشخاص استنفذوا صلاحياتهم وبوسائل غير ديمقراطية لن يؤدي إلى أي نتيجة سوى تكريس ظاهرة العزوف السياسي ونفور المواطن من أي نشاط أو تحرك له علاقة بالسياسة عل الطريقة المغربية . لقد تعب هذا المواطن المغلوب على أمره ومل من دور الضحك على الذقون الذي تتفنن أحزابنا في أدائه على مسرحنا السياسي الباعث على الشفقة والترحم.ولذلك لا غرابة أن تبقى آمال المواطنين المغاربة معلقة فقط على الملك الذي يكثف من مبادراته وتحركاته بما يحيي الأمل في النفوس ويقوي الإيمان بإمكانية الوصول إلى مغرب آخر ممكن حقا إذا توفرت شروط معينة أولها تطهير المشهد السياسي من الانتهازيين المدعين، كذبا وزورا، غيرتهم على الوطن، وآخرها التفعيل الملموس لأسس ودعامات الحكامة الجيدة وتتصدرها الرقابة القبلية والبعدية والمحاسبة، بمعنى مكافأة المجدين المخلصين ومعاقبة المفسدين المتلاعبين بمستقبل الأجيال الحالية واللاحقة.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz