وجدة: كلمة تأبين في حق المرحوم الأستاذ السيد عبد الكريم العرابي

175077 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 21 مارس 2014، من المعلوم أن التأبين هو  الثناء  على  المرء  بعد موته ، علما  بأن  المطلوب  من الأمة  الإسلامية  شرعا  ذكر أمواتها  بخير  عملا  بوصية  رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وعليه  فتأبين موتى  المسلمين   ذكر لهم  بخير . والمرحوم الأستاذ  السيد  عبد الكريم العرابي يفرض  على  من كان يعرفه  أن  يذكره  بكل خير  لأنه من خيار الناس، عرف  بدماثة  خلقه  وبقيمه العالية . ولقد عرفته  شابا  في  ثانوية  عبد  المؤمن  بمدينة  وجدة  حيث  قضيت  مدة دراستي  الثانوية  لا تفارقه  ابتسامة  جميلة  على محياه ذي  السحنة  العربية الأصيلة . وهو من أسرة  وجدية  أصيلة  وعريقة  سكنت  الحي  المعروف  باسم هذه  العائلة ، في وسط  المدينة  على  يمين  سور  المدينة  العتيقة  من الجهة الشرقية ، وكان   في الماضي حيا  تحيط به  البساتين  الغناء. وعرفت  ساكنته  بعادات  حسن  الجوار،  بل  الجوار  النموذجي  عملا  بأدب  الجوار  في ديننا  الحنيف . ولقد كانت  جدته جارة  جدتي لأمي  رحمة  الله  عليهما  ، وقد  سمعت  من  خالي  رحمة  الله عليه  حكايات  طريفة  عن  حسن  جوار  ساكنة   هذا الحي الوجدي الأصيل. وكان لوالده  أياد بيضاء  على  خالي رحمة  الله عليهما  . ومعروف عن  ساكنة هذه  الحي  تنزيل  علاقة  الجوار  منزلة  القرابة ، لهذا  كان الأستاذ عبد الكريم  رحمه الله  يرعى  علاقة  الجوار مع أنها   كانت  بين  أصولنا ولم تكن بيننا  ، وكنت  أشعر  بعلاقة  حب  قوي يربطني به . وما عهدته  رحمة الله عليه  إلا بشوشا  باسما  في وجه  من يعرفه  ومن لا يعرفه  . وكان  شغوفا بالعلم  والمعرفة  لا يرى إلا  وهو  يتأبط   كتابا أو مجلة أوجريدة  . وقد  واصل دراسته  بعصامية  وشغف حتى  نال  أعلى  الشهادات .  وكان  محبا  للغة  العربية  شغوفا  بعلومها  وآدابها  يكثر من ارتياد  المكتبات  بحثا عن كل  ما جد  من مؤلفات  في  لغة  القرآن . وكان  محبا  لأهل  العلم  يتودد  إليهم  ، ويحضر  حلقات العلم  وملتقيات  الفكرالمختلفة   ،   وكان حديثه  إذا  لقيه من يعرفه  لا يخرج عن إطار  العلم  والمعرفة  والتحصيل والتربية  والتعليم ، وهو رجل تربية نموذجي  بشهادة  تلاميذه  وزملائه في ميدان  التربية  والتعليم . وكان  رجلا  وقورا  موسوما  بسمت وقار يفرض  الاحترام ، ويلقي  التحية  على من يعرفهم ، ويرسم  على  شفتيه  ابتسامة  ود واحترام  لهم . وكان  قليل  الكلام  إلا  إذا  تحدث  في أمر ذي بال . وكان  نموذج الرجل  الوجدي  الأصيل الذي  تربى  في كنف أسرة عريقة  لها تقاليد  وأخلاق  حميدة . وودت  لو أن خصص  الباحث  الأستاذ الدكتور بدر المقري  المهتم  بتاريخ  حاضرة  زيري بن عطية  جانبا  من بحوثه  الشيقة لحي العرابي  مركزا  على  تقاليده  الأصيلة  ، ومنقبا في  أخبار  هذه  الأسرة  الوجدية  التي تسمى  باسمها  هذا  الحي  العريق  . ولقد كان  آخر  عهدي  بالأستاذ  عبد  الكريم  رحمة الله عليه  هو أسبوع واحد  قبل  التحاقه  بالرفيق الأعلى  حيث   جمعتنا الظروف  عند مكتب  الساوري ، فألقى علي التحية  كعادته  وتعانقنا عناق  أخوة ومحبة ،ولا حظت شحوب  وجهه  ،وضعفه  فلم  أجرؤ  على سؤاله  تجنبا  للحرج  ، وسألني  عن  الصحة  والأولاد  ثم غادر  وركب  سيارته  ، وأنا  أدعو له  بالصحة  والعافية . ولقد  صدمت  بموته  ، وندمت لأنني  لم أسأله عن حاله  ، وكان  حقه علي أن  أسأله   ، وأن  أزوره، وهو في  المصحة  قبل أن  يلقى ربه . وشاءت  إرادة  الله  عز وجل  أن  يصلى  عليه  في مسجد  ابن حزم  الذي أتشرف  بالخطابة  فيه  ، وشاء سبحانه  أن  أصلى  عليه  ، وأن  أحضر جنازته ، وقد حمدت  الله عز وجل على ذلك  حمدا  كثيرا  عسى أن  أكون  قد أديت  بذلك   واجب  وحق علاقة  كانت  مقدسة بيننا .  وخيل  إلي والجموع  الغفيرة  تشيع  هذا الرجل الفاضل في جو  ماطر كأن  السماء  تبكيه . وإذا ما كانت  العادة  أن  تطلب  السقيا  للقبور تيمنا  وترحما  فإن  القبر  الذي  ضم  جثمان  المرحوم  كان  راويا فضلا من  الله  عز وجل ونعمة . والمرحوم  جدير  بأن  تبكي عليه  السماء بسبب  أخلاقه  العالية  التي  جعلت  كل من يعرفه  يحزن  لموته  لأنه موت غيب  صاحب  خلق  كريم . واختار  رحمة الله  عز وجل  كما أخبرت بذلك  أن  يكون  مرقده  بمقبرة سيدي  معافة  القريبة من  مسكنه ، وقد اختار المرقد  بجوار  الغاب عالم  السكينة ، وعالم الشعراء والأدباء المفضل ، وهو الذي كان  يجول في عوالم الشعر والأدب متذوقا  ومعجبا . فرحمة  الله الواسعة  على  الأخ الكريم  عبد  الكريم ، ونسأله  جلت  قدرته  سؤال من لا يرد  له  طلب  ولا دعاء  أن  يشمله  بجميل  عفوه  ، وأن   يكرم نزله وفادته  ، وييمن  كتابه ، وييسر حسابه  ،  ويسكنه  فسيح  جنانه  ، وأن  يكرمه  بمنزلة  الفردوس الأعلى  ، وأن   يسقيه   شربة  لا يظمأ  بعدها من يد  رسوله  الشريفة  صلى  الله  عليه  وسلم  ، وأن  يبعثه  مع  خيرة  خلقه  من نبيين  وصديقين  وشهداء  وصالحين  ، وحسن أولئك  رفيقا . والله  تعالى  نسأل  أن  يبارك  في ذريته  وينبتها  النبات  الحسن  ، و يكلأها بعينه  التي  لا  تنام  ، وبحرزه  الذي لا يضام  ، وأن  يلهم جميع  أهله  وصحبه  الصبر  والسلوان  ، وإنا  لله  وإنا إليه راجعون  ، والأحبة  سابقون ونحن  إن شاء  الله  بهم  لا حقون ، ونسأله  تعالى أن يلحقنا  بهم  آمنين  لا  مبدلين  ولا مغيرين ولا فاتنين  ولا مفتونين ، إنه  راحم  من لا راحم  له ، وهو  نعم  المولى  ونعم  الرؤوف  الرحيم .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz