وجدة: على هامش أربعينية وفاة عائشة مختاري:متى تخضع كل القوانين إلى النقاش الدمقراطي والإنساني؟/وجدة: سعيد هادف

15857 مشاهدة
بعد اكتشاف مرضها من طرف أخصائيين مغاربة ، وتعذر علاجها بالمغرب نظرا لغياب الشروط الضرورية لذلك، تقرر توجيهها للعلاج بالخارج بعد تسليمها ملفا مصادقا عليه من طرف مصالح وزارة الصحة. وقد تدخلت عائلتها، وعلى نفقتها، لضمان ولوجها إلى مؤسسة طبية فرنسية مختصة في مرض السرطان. كما أن المعنية بالأمر قدمت ملفا مكتملا للحصول على الفيزا من القنصلية الفرنسية بفاس، وهو ما قوبل بالرفض نتيجة لخطأ فادح ارتكبته القنصلية.

ورغم تدخل المعنية بالأمر وعائلتها بقوة لدى السلطات الفرنسية، بمن فيهم عدد من الوزراء ورئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي نفسه، لم يتم تصحيح الخطأ وتم التمادي في رفض تسليم الفيزا. كما أن السلطات المغربية بمن فيهم الوزير الأول لم تحرك ساكنا للتدخل من أجل ضمان حق العلاج لمواطنة مغربية تعاني من مرض فتاك ومن ظلم السلطات الفرنسية.

وهكذا فارقت عائشة مختاري الحياة نتيجة حرمانها من الفيزا التي تمكنها من حق العلاج في المكان والشروط المناسبة. هذا ما أكده بلاغ ” الجمعية المغربية لحقوق الإنسان “.وفي هذا الإطار، سطر المكتب المركزي برنامجا لحملة تحت شعار:” حتى لا تذهب حياة عائشة مختاري عبثا: لنناضل ضد الشروط اللاإنسانية لمنح الفيزا للمغاربة”. وتضمنت هذه الحملة عددا من الأنشطة، وفي هذا الإطار، وتحت شعار “حتى لا تذهب حياة عائشة مختاري عبثا: لنعمل على أنسنة ودمقرطة شروط منح الفيزا للمغاربة” وبتاريخ 26 سبتمبر 2009 على الثالثة مساء بمقر الكنفدرالية الدمقراطية للشغل بوجدة، خلد فرع وجدة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتعاون مع المكتب الجهوي للجمعية بجهة وجدة وعائلة الفقيدة الذكرى الأربعينية لوفاتها.وإذ أعرض هذه الورقة فمن أجل الوقوف في صف الفاعلين الجمعويين بوجدة في نضالهم الحقوقي، ومن أجل مؤازرة عائلة الضحية، وتحية لشجاعة شقيقها في إصراره على الاقتصاص لروح شقيقته، ولم لا، على تحويلها إلى قضية رأي عام باعتبار ما حدث لشقيقته سبق أن حدث للعشرات وربما للمئات.

الديمقراطية، ما هي؟

وحدهم الإغريق أعلنوا صراحة أن لا حكم إلا للشعب، لكن هذا لا يعني أن شعوبا أخرى لم يخطر ببالها شيء من هذا القبيل. إن الصراع حول السلطة والثروة وحول المصالح والمبادئ وما شابه، ظل محتدما لدى كل الشعوب وعلى مر كل الأزمان، وبلا شك فإن التفكير في طرائق مثلى للحكم الراشد ظل محل انشغال الأسوياء والموهوبين، أنبياء وحكماء وفلاسفة ومصلحين. وكل هؤلاء كادوا يلمسون الديمقراطية دون أن يسموها، وكان للإغريق فضل التسمية وتبعات الممارسة في منبتها الأول وتجاربها البكر. لا تسمح هذه الورقة بجرد وتحليل تجارب التدبير السياسي الديمقراطي، غير أن ما يجب التأكيد عليه هو أن الديمقراطية واحدة وليست متعددة مثلما يدعي البعض.إن الديمقراطية واحدة وتجلياتها هي المتعددة، تماما مثل الشمس بتجلياتها الضوئية (فشمس الظهيرة ليست مثل الغروب أو الفجر، والشمس في الصيف ليست مثل الشتاء…).ويمكن القول أن النظام الديمقراطي، هو النظام الوحيد الذي له قابلية التطور إلى ما فيه خير الجميع، و”كل مساوئ الديمقراطية – يقول ألفرد إيمانويل سميث- يمكن معالجتها من خلال المزيد من الديمقراطية”.

إن قوة الديمقراطية تكمن في ارتباطها الجدلي والعضوي بالتجارب الحياتية من جهة وبجعل هذه التجارب في دائرة التأمل العقلاني الإنساني من جهة ثانية، ومن الخطأ كما أنه من التضليل ذلك الاعتقاد أن الديمقراطية تقتضي نوعا متميزا من الوعي يختلف عن وعي عامة الناس. إن التعالي عن الواقع، وعدم القدرة على الاندماج و التواصل مع المحيط الاجتماعي لدى بعض النخب ظل عاملا من عوامل الادعاء أن الديمقراطية غير ممكنة وأن شروطها لم تتوفر بعد. إن الشرط الوحيد، الشرط المؤسس لأي نظام ديمقراطي هو الدستور المنبثق من صلب الشعب عبر نخبه بكل مشاربها وانتماءاتها وتطلعاتها.و”إن قدرة الإنسان على أن يكون عادلاً تجعل الديمقراطية ممكنة- يقول اينولد نيبور – لكن نزوعه للظلم يجعل الديمقراطية ضرورية”.

إن حرية الرأي والتعبير والمعتقد والتنقل، ونبذ كل أشكال التطرف والعنف، وترسيخ الثقافة الإنسانية المؤسسة على تكافؤ الفرص والشفافية والتضامن والانفتاح والتسامح والتوزيع العادل للثروة من خلال اجتراح سياسة تنموية عقلانية للقضاء على أسباب الفقر والحد من ظاهرة الثراء الفاحش وتكديس الثروة…، إنها روح الديمقراطية، والمبادئ المؤسسة لأي نظام ديمقراطي.

الهجرة وحقوق المهاجر

ثمة إحصائيات تقول أن شخصا واحدا من أصل 35 يعيش خارج البلد الذي وُلد فيه. والعديد من أولئك هم عمال مهاجرون أو أفراد عائلاتهم. وتتراوح أسباب الهجرة بين الحاجة للهروب من واقع الفقر والإجحاف والنـزاع، والرغبة في الحصول على عمل أو علاج وفرص تعليمية أفضل، أو حتى الرغبة في العيش في بيئة أنظف أو مناخ أفضل. وغالباً ما يهاجر الناس لعدد من هذه الأسباب وفي ظروف معقدة أحياناً.

ويمكن للعمال المهاجرين أن يكونوا عرضة لمجموعة من انتهاكات حقوق الإنسان عندما يسافرون وكذلك عندما يصلون إلى البلد المقصود، قد تتفاقم بسبب وضعهم كأجانب. ويعيش العديد من المهاجرين تحت تهديد التوقيف والاعتقال التعسفي وغير القانوني في أوضاع سيئة. كذلك يعانون من عدم دفع أجورهم ومصادرة وثائق هويتهم.

وقد رصدت أكثر من جمعية أو منظمة حقوقية الانتهاكات الموصوفة للمهاجرين، وتستخدم بعض الدول الاعتقال لفترات طويلة أو غير محدودة كطريقة لردع الهجرة غير المصرح بها، وهي بذلك تنتهك حقوق الناس. وفي عدد من الدول، يواجه المهاجرون غير النظاميين المشتبه بهم المضايقة والاعتقال بصورة منتظمة في أوضاع تتسم بالاكتظاظ وتفتقر إلى المرافق الصحية. ويتعرض بعضهم للانتهاكات الجسدية والشتائم من مسؤولي الهجرة والاعتقال.

إن المشاركة السياسية تعد حقا لكل فرد، إلا أن دولا عديدة لا تقر هذا الحق.وفي أكثر من مناسبة ناشدت منظمة العفو الدولية جميع الدول التي لم تُصدِّق على الاتفاقية أن تبادر إلى التصديق عليها.لا يتوافر الاتحاد الأوروبي، مثلا، على إستراتيجية واضحة للتعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية، مما يجعله يغلب المقاربة الأمنية في التعامل مع المهاجرين.وقد ساهمت هذه المقاربة في تأجيج مشاعر العنصرية وكراهية الأجانب، وتحويل موضوع المهاجرين غير الشرعيين إلى وسيلة لجلب الأصوات في الانتخابات.

ومن المفارقة الحديث عن الرغبة في دمج المهاجرين في أحضان المجتمع فيما نحرمهم في الوقت نفسه من المشاركة السياسية ناسين أن التصويت يعد عاملا مهما للاندماج.فحق التصويت يعد من الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة1948.

الهجرة والمواطنة

إن المقاربة القانونية القائمة على تصنيف الساكنة على ثنائية (أجنبي/ابن البلد) لم يعد لها ما يبررها في عصرنا الحالي، وقد أضحت ضربا من الميز العنصري، إذ تضع المهاجرين في وضع دوني في وجه الساكنة الأصلية. إن مفاهيم عدة لم يعد تمثلها النمطي مستساغا ولا مبررا، مثل الهوية والمواطنة.لهذا نجد جهات سياسية وحقوقية ومدنية تلح على إطلاق عملية تحظى بتوافق اجتماعي واسع لأجل حصول المهاجرين على حقوق “المواطنة” عبر الدمج المدني (وهو سياسي كذلك) الذي يبدأ على المستوى المحلي أولا، ثم يتسع بشكل اطرادي ليشمل فيما بعد كافة المستويات الوطنية والأوروبية.ومن وجهة نظر العديد من الجهات الحقوقية ، فإن الأمر يتعلق في النهاية بتحديد حق “المواطنة” في السكن القار على الصعيد المحلي لا في الجنسية، أي الإقرار بـ”مواطنة سكن” يحظى صاحبها بحقوقه السياسية الكاملة على المستوى البلدي (ما يتجاوز بكثير حقي التصويت والترشح )، وذلك عبر مفهوم لـ”مواطنة” متشعبة قد تكون ثنائية أو ثلاثية بل ورباعية تكتسب بالتدريج وتبدأ بالمستوى البلدي أولا، والإقليمي ثانيا، والوطني ثالثا، ثم الأوروبي في نهاية المطاف.الأمر يعني في الأخير بناء عملية “مواطنة مدنية” تبدأ بالاعتراف بأن الشخص المقيم، ( بالنظر إلى أنه يدفع الضرائب ويسهم عن طريق عمله وعبر تواجده كقاطن وليس كعامل فحسب في بناء المجتمع السياسي) ، لا ينبغي أن يتمتع فحسب بحقوق مدنية واجتماعية بل كذلك بحقوق سياسية تخوله في المرحلة الأولى على الأقل المشاركة في الانتخابات البلدية بالمدينة أو القرية أو البلدة التي يقيم فيها.وتقر جهات حقوقية وسياسية أوروبية عديدة أنه من المفارقات الصارخة الادعاء بأن تطمح أوروبا إلى دمج المهاجرين في مجتمعها فيما تحرمهم من حق المشاركة السياسية.الدمقراطية والحق في السفركيف يمكن لشخص ما أن يشعر بالاطمئنان والراحة وسط المجتمع الذي وفد عليه، وأن يتحلى بالمسؤولية وأن ينخرط في الحياة الاجتماعية بينما لا يتمتع بفرصة الإسهام في اتخاذ القرارات التي تخص حاضر ومستقبل المجتمع برمته؟ سؤال ما فتئت ترفعه أكثر من جهة تدافع عن حقوق الإنسان. وإذا كان هذا هو حال المهاجر فكيف يكون حال المسافر؟أصبحت إجراءات السفر إلى أوروبا وأمريكا في الحصول على التأشيرة أكثر تعقيدا وتعجيزا، و بالتالي سلوكا لا يمكن وصفه إلا بالمعادي لحقوق الإنسان، إذ يجد الراغب في السفر أو طالب الهجرة نفسه عرضة للإهانة والمماطلة والمخادعة، حيث الألوف من هؤلاء وعلى مدار السنة، ينفقون الكثير من الجهد والوقت والمال فضلا عن التكاليف المادية التي تمنح إلى السفارات و لا تعاد إلى أصحابها في حالة عدم قبول طلباتهم. إن طلب التأشيرة في حد ذاته دون قبولها يستنزف جيوب الملايين ويدر الملايين على الدول المنشودة. إنها تجارة لا تبررها الأخلاق ولا القوانين، إذ لا يعقل أن يدفع الشخص مالا مقابل خدمة لا يحصل عليها. فأول انتهاك يتعرض له طالب السفر و الهجرة الشرعية، هي الإجراءات اللامشروعة لملف الـتأشيرة.فإذا كانت هناك هجرة غير شرعية أصبحت موضوع انشغال عالمي، فهناك أيضا إجراءات غير شرعية بخصوص ملف منح الـتأشيرة، يجب أن توضع تحت المجهر الإعلامي والقانوني.إن التجربة تؤكد كما يؤكد مختصون أن دور المجتمع المدني هو دور رئيسي في مجال السفر و الهجرة وطلب اللجوء. وهو دور ذو أهمية كبرى في بلدان جنوب وشرق المتوسط حيث لا يتمتع المسافرون المهاجرون واللاجئون وطالبو اللجوء بأية حقوق قانونية. وفي هذا الإطار فإن العالم، وخصوصا دول الاتحاد الأوروبي مدعوة للمساهمة بشكل أكثر فعالية في بناء ديمقراطية تتسع لكل المواطنين في العالم، وتشرك شعوب الدول النامية ولا تستبعدها أو تهمشها، وتضمن حقوق البشر لجميع البشر، وإلا سيكون الحديث عن مبدأ كونية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة ضربا من الكذب والتضليل.

على هامش أربعينية وفاة عائشة مختاري:متى تخضع كل القوانين إلى النقاش الدمقراطي والإنساني؟
على هامش أربعينية وفاة عائشة مختاري:متى تخضع كل القوانين إلى النقاش الدمقراطي والإنساني؟

سعيد هادف

اترك تعليق

1 تعليق على "وجدة: على هامش أربعينية وفاة عائشة مختاري:متى تخضع كل القوانين إلى النقاش الدمقراطي والإنساني؟/وجدة: سعيد هادف"

نبّهني عن
avatar
khadija Fermas
ضيف

Dear Mr Mokhtari.

My heart and mind are with you, I am very sorry for the loss of
the innocent victim of the French and Moroccan governements.
As the victim said, leave them to God, that is our belief.
May Allah bless her and forgive all her sins, her suffering won’t be wasted.

Khadija fermas.

Enlgand.

‫wpDiscuz