وجدة.. المدينة التي جادت على سكانها بالخير والنماء

147747 مشاهدة

وجدة.. المدينة التي جادت على سكانها بالخير والنماء
وجدة: محمد بلبشير

وجدة مدينة تاريخية بكيانها ومعانيها، ومن أسمائها – حسب كتاب ” وجدة والعمالة” لصاحبه النقيب فوانو والذي ترجمه الأستاذ محمد الغرايب في جزأين – أعطيت عدة اشتقاقات: وجدة تعني الثروة والرخاء، ووجيدة وتعني الأرض المستوية، والجديدة وتعني المدينة الحديثة لأن بنائها أعيد مرات كثيرة، وواجدة أي المتأهبة بمعنى المدينة الحدودية المستعدة دوما للدفاع عن نفسها، والوجود أي الصلحاء، وقد يكون مرد لوجود العديد من الأولياء بهذا المكان، وتستند بعض هذه الاشتقاقات اللغوية إلى براهين دقيقة جدا تستحق منا أن نتوقف عندها طويلا.. وسميت وجدة كذلك بمدينة الحيرة أي مدينة الخوف، كما دعيت بمدينة السدرة أي مدينة السدر.وتحف المدينة البساتين شمال مقدمه جبال سلسلة بني سنوس داخل حوض قليل الانخفاض ذي قعر منبسط.. كانت منذ قرن تحيط بأسوارها غابة زيتون حقيقية، تعلو سماءها صومعة المسجد الأنيقة، وتبرز بكل وضوح كتلة الأشجار ذات الخضرة الداكنة على أرضية المرتفعات الجرداء بجبل الحمراء وجبال السمارة، ونظرا لتفاوت تظليلها بسبب بعد بعضها عن البعض، تشكل المنحدرات القوية لرأس عصفور ومحصر بني يعلا – الذي يذكر شكله جيدا بمقدمة سفينة حربية – وجبل متسيلة وجبال الزكارة سلسلة و من الخلفيات لأروع لوحة.لا يوجد حول وجدة إلا وادان يكتسيان بعض الأهمية وهما: واد تايرت، وواد إيسلي، ويمثل واد الناشف الفرع الرئيسي لميمنة واد إيسلي، وتوجد بعض العيون الصغيرة بالمنطقة مثل: عين السراق على واد الناشف، وعين بوشطاط على واد المحكن، وعين تينساين في السهل بين الواد نفسه وطريق وجدة مغنية.وعن توسع المدينة قال المؤلف الباحث أن الأمر لا يتعلق في هذه الفترة إلا بما توالى على المدينة من أحوال خلال الفترة الإسلامية، ومنذ اليوم الذي صار فيه وجودها أكيدا فإن الأساطير والروايات التي نسبتها إلى أصول أشد قدما هي بدورها غامضة.. ويجمع أبرز مؤرخي العرب أن وجدة هي من بناء زيزي بن عطية زعيم مغراوة الذي كان قد شيد قصبة وسوار سنة 994م، وركبت أبوابها في شهر غشت.وقد تحدث الجغرافي البكري في كتابه الذي ألفه سنة 1068م عن وجدة قائلا:وهي مدينتان مسورتان أحدث أحدهما يعلي بن يلجني الورتغنيني بعد 440، يسكنها التجار وفيها أسواق، والجامع خارج المدينتين على نهر قد أحدقت به البساتين، وهي كثيرة الأشجار والفواكه، طيبة الغذاء، جيدة الهواء، يمتاز أهلها من غيرهم في نضارة ألوانهم ونعمة أجسامهم ومراعيها أنجع للظلف والحافر..وفي نهاية شهر فبراير من سنة 1272 م دمر أبو يوسف يعقوب المريني المدينة كلها و أدرع الأرض بها، وبعدها ب 26 سنة، أي في سنة 1298 م رفع السلطان المريني أبو يعقوب يوسف أسوارها، و أعاد بناء تحصيناتها وشيد في وسط القصبة قصرا وحماما ومسجدا.. وفي مستهل سنة 1336م ، هدم أبو الحسن، وهو أصغر أبناء أبي يعقوب، وجدة تماما ودك تحصيناتها .. وهذا ما فندته عدة كتب تاريخية حيث أشارت إلى ان وجدة لم تتعرض إلى إي تدمير بعد ذلك الذي عرفته سنة 1336 م، والتاريخ لا يشير إلى إعادة بناء وجدة مرة عقب التدمير الذي لحقها هذه السنة، وكما سبقت الاشارة فلا يبدو أن الاسوار قد بنيت ثانية، بل من المفترض ان تكون نواة من السكان قد تكونت تدريجيا عند قدم أسوار القصبة..ليون الإفريقي وكتب في النصف الأول من القرن 16 م عن وجدة قائلا: وجدة مدينة قديمة بناها الأفارقة في سهل فسيح جدا، بعد نحو 40 ميلا جنوب البحر المتوسط وعلى نفس البعد تقريبا من تلمسان محاذية غربا مغارة أنكاد، و أراضيها الزراعية كلها غزيرة الإنتاج، تحيط بها عدة حدائق غرست فيها على الخصوص الكروم و أشجار التين، ويخترقها جدول يشرب السكان من مائه و يستعملونه لإغراض أخرى، وكانت أسوارها في القديم متينة عالية جدا ودورها ودكاكينها متقنة البناء وسكانها أثرياء ومتحضرين، لكنها نهبت ودمرت أثناء الحروب المتوالية بين ملوك فاس وملوك تلمسان، حيث كانت منحازة لهؤلاء. وبعد أن وضعت الحروب أوزارها، أخذت وجدة تعمر بالسكان وشيدت فيها أكثر من 500دار آهلة، وسكانها فقراء لأنهم يؤدون الخراج إلى ملك تلمسان و إلى الأعراب المجاورين بأنكاد ويرتدون لباسا قصيرا خشنا شبيها بلباس الفلاحين. انتهى قول ليون…

اختلاف الآراء حول تاريخ بناء وجدةكان لكتاب ” وجدة والعمالة” لصاحبه النقيب فوانو، والذي ترجمه الأستاذ محمد لغرايب، تقنية في التعريف، بتاريخ مدينة وجدة التي خلدت عبر التاريخ ، وهي أندالك المدينة المغربية الصغيرة، التي كان لها من الجاذبية بأسوارها العالية ومنازلها المطلاة جزئيا بالجير، لكم قلة العناية بها جعلتها تتخذ لونا ترابيا، ففي الأيام التي كانت تغمرها الشمس بنورها تكتسي مسحة أكثر جلاءا، وتتحكم بوضوح في خضرة البساتين، فصومعة الجامع الكبير ترسل، فوق كل السطوح، قامتها الرشيقة. ومن فوق مئذنتها يقع البصر على كل ما يوجد في أعماق البيوت، ومنها يمتد هذا البصر بعيدا فوق غابة الزيتون. إن هذه المدينة التي كانت قبل قليل منغلقة تماما في الحضارة، وتعتبر إحدى أركان بلاد الإسلام التي احتفظت بأكبر قسم من خصوصياتها.مدينة وجدة كانت توجد داخل الأسوار بين المنازل والساحات، كانت بها أزقة ملتوية ومتشابكة تنتهي في الغالب بدريبات مكونة متاهة حقيقية، كان الفرسان يشقون طريقهم وسط حشد صاخب من الناس يملأ شرايين المدينة، بينما يلامس المارة بهدوء. في الطرق المنفرجة، واجهات المساكن المغلوقة بعناية.وكانت هذه المدينة في ما مضى قد ضربت بسهم وافر في قلة النظافة، لدلك يمكن القول: إن الشوارع التي كانت في الأيام الممطرة كثيرة الوحل ترى بها بتاتا القاذورات التي كانت تملأها طول فصل الشتاء.كانت مساحة المدينة تبلغ18,28 هكتار، وتتمثل حدودها في السور المحيط بها، وهو ذو شكل متعدد الأضلاع، يضم هذا السور جدران القصبة القديمة وتلك التي بنيت حول الأرياض سنة 1896، تمثل القصبة الواقعة على الواجهة الجنوبية الشرقية محرز الدفاع.. ويضيف مؤلف الكتاب أن القصبة بنيت كليا بالطين المدكوك، أما الأحجار التي ترى في أماكن عدة، فتعود إلى دعامات تم بناؤها في الأجزاء التي كانت في حاجة إلى ترميم. يبلغ سمك الأسوار عند القاعدة حوالي 1.30، ومتوسط ارتفاعها ما بين 6 إلى 7 أمتار. يحف بالجوانب الغربية والجنوبية خندق، وتتصل القصبة بالمدينة عبر زقاق منحرف على شكل كوخ منغلق إلى الداخل بواسطة باب تدعى باب القصبة، وفي الطرف الآخر يوجد معبر على شكل قوس يعرف باسم باب سيدي شعيب، وتقتضي باب صغيرة مفتوحة على الزقاق المنحرفة إلى الصومعة والمسجد.كانت الأسوار تلتحم بالمدينة محاطة بأسوار القصبة، وهي مبنية بطابية سيئة يغلب التراب على تكوينها، وتخترق سور المدينة أربع أبواب ذات مصاريع من حديد وهي كما يلي: باب سيدي عبد الوهاب في الشرق، وباب أولاد عمران في الشمال، وباب الخميس في الشمال الغربي، وباب الغربي في الجنوب الغربي يعلوها إفريز..وفي أعلى باب سيدي عبد الوهاب كان المخزن يعرض ما قطع من رؤوس المتمردين بعد أن يكون اليهود قد قاموا بتمليحها. أما باب أولاد عمران وهي الأقل ارتيادا، فتنفتح على زقاق بين الأسوار والبساتين، وهي ذات مدخل مستقيم، وباب الخميس هي أشبه بسابقاتها، لكن فتحتها مستطيلة، وعند باب الخميس ينتهي طريق مغنية الكبير، وتعتبر باب الغربي التي تشبه باب سيدي عبد الوهاب سببا في وجود الطريق المؤدية إلى هذا الاتجاه.وكانت المدينة تنقسم إلى عدة أحياء، وإذا ما استثنينا حي الأسواق والقصبة، فإن جميعها يتطابق و أهم تقسيمات السكان،فقد جعل حي الأسواق خاصا بجوانب التجار ودكاكين الحرفيين، أما القصبة فيسكنها العامل وأتباعه من المخزن، كما يقطنها أيضا تجار فاس الذين تجمعوا حول ممثل…. المركزية ضمانا لأمنهم، أما الأحياء الأخرى فكانت: أشقفان: وأهل وجدة وأولاد عمران وأهل الجامل وأولاد الكاضي وأولاد عيسى وأخيرا الملاح….

وجدة.. المدينة التي جادت على سكانها بالخير والنماء
وجدة.. المدينة التي جادت على سكانها بالخير والنماء

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz