واقع تحولات العزاء بين الأمس واليوم من جنازات ” النواحات و الطلبة” إلى حفلات البروتوكول و “التريتور”/الرباط: فاطمة بوبكري

67618 مشاهدة

أي إحساس ينتابنا ونحن في حالة حزن على عزيز فقدناه؟ طبعا أكيد هو الإحساس بالحزن والكرب وللتعبير عنه لا يكتفي البعض منا بالصمت أو درف الدموع بهدوء والتسليم بقضاء الله وقدره الحتمي، بل تختلف أشكال وصور التعبير عن ذلك من شخص لآخر ومن جنس لآخر وعادة ما تتصرف النسوة في هذه الحالات تصرفات مشينة وغريبة بعضها متوارث عن أجيال تلو أخرى، وبعضها متأثر بحضارات أخرى لا علاقة لها بماهو موجود في عاداتنا وطقوسنا العربية المسلمة!، ورغم اندثار العديد من العادات والطقوس المشينة بفضل الوعي التربوي والإسلامي والنهضة الدينية ، إلا أن العديد من المناطق في بلادنا مازالت تعج بطقوس أقل مايمكن أن يقال عنها أنها “شيطانية”، وتصنف في خانة المحرمات التي يمقتها ديننا الحنيف، إضافة إلى هذا ما الذي صاحب هته العادات الحزينة من أشكال ومظاهر الإسراف في المآتم التي انتقلت من البساطة إلى الغلو والتباهي؟. واقع تحولات العزاء بين الأمس واليوم من جنازات ” النواحات و الطلبة” إلى حفلات البروتوكول و “التريتور”. فاطمة بوبكري. جميعنا يكتنز ما اختزن في ذاكرته ومخيلته من مشاهد الحزن المرتبطة بالمأتم سواء في الطفولة وأيام الماضي، أو حتى مانشاهده الآن في وقتنا الحالي، من لحظات الحزن والكرب بعد منية عزيز علينا، حيث تتعالى أصوات النساء بالبكاء والعويل وأحيان باللطم على الخدود، معددات مناقب الفقيد وخسارة فقدانه، ليتعداه أحيانا إلى إقدام العديد منهن على أذية أنفسهن سواء بمحاولة الانتحار أو الاحتراق، دون احتساب حالات الإغماء والمرض العضوي والنفسي من فرط الحزن وشدة التأثر. +++ صراخ عويل ولطم على الخدود… هته المظاهر من الأشياء العامة التي تعودت عليها عيوننا في أغلب الأحيان والحالات رغم أنها تصنف في خانة المنبوذ والمحرم وكل ما تشمئز منه النفوس ويعد في دائرة الحرام ، إلا أن هناك من المظاهر ما يتعدى كل هذا من تصرفات ومظاهر هي جنونية ومن عمل الشيطان تختلف من منطقة لأخرى ببلادنا وإن كان أغلبها مركز في منطقة دون أخرى بشكل يمثل بجلاء مظاهر حقيقية وصور نخالها شبيهة ولصيقة أيما الالتصاق بما يمارسه الشيعة عادة في عوائدهم . فبعد الإعلان عن حالة الوفاة لشخص ما والذي عادة ما يكون ب” الصوات” أي بالصراخ بصوت مرتفع يدخل الهلع والجزع في القلوب ويندر بحلول المصيبة، إنها مصيبة الموت، وأحيانا يكون التبليغ بالخبر السيئ في ميكرفون المسجد، وهذا مايتم في القرى والبوادي الصغيرة، لتتبدد الأجواء حزنا وكربا وتعم الدهشة والارتباك النفوس والقلوب، قد تصل في الكثير من الأحيان درجة الجنون وفسح المجال لعمل ووساوس الشيطان، الذي ينشط عمله في تلك اللحظات من الضعف والوهن التي تسيطر على القلوب المكلومة،لدرجة أن تلك الحالة تسمى ب”الشيطانية”، وهي الممارسة التي وجدت مكانا لها في مناطق من بلادنا، واستخفت بإنسانية ذوي القلوب والإيمان الضعيفة، ففي بعض مناطق الشاوية ، يرعبك الجو الغامض ذو اللون الأسود سواد ظلام الليل وشحوب الوجوه المتمردة، يخيم في كل مرة تكون فيها جنازة ميت، إنه بالفعل عمل شيطاني يتنافى والمنطق والأخلاق الإنسانية وكذا الدين الإسلامي، الذي يحترم كرامة الأموات والأحياء على حد سواء، لكن الجهل والتخلف وإرث الأجداد واقع فرض نفسه بكل وقاحة على هته المنطقة سواء تعلق الأمر بالنساء أو الرجال وبطبيعة الحال سيتبناه الأطفال كذلك بحكم وقوفهم على تلك المظاهر ومعاينتهم لها مباشرة دونما رعاية أو احترام لخصوصيتهم الطفولية البريئة والتي من البديهي أن تخلف فيها مشاهد كهته الوقع الخنجري الصادم المؤثر في الحياة السيكولوجية لدى الطفل في مستقبل حياته بحكم تلك الصور المأساوية التي ستبقى محفورة في ذاكرته بقوة، وهي في مفهومها العام أي” الشيطانية” تلك التي كانت تأخذ شكل دائرة يتجمع فيها العديد من النساء بالمقبرة، نساء يرقصن على نغمات بصوت مرتفع، وكلمات غريبة وهي ” حايا…حايا…”، أو”حي…حي….” وهن يقفزن ويضربن على أفخاذهن ويندبن خدودهن أو مايصطلح عليه بعاميتنا ” كيطيحو حناكهم”، تاركات آثارا عميقة ودماء تنزف من وجوههن، وأحيانا تقوم بعض النساء بالانغماس في روث البقر أو يتوجهن إلى “المرمدة” وهو مكان مخصص لجمع الرماد المتبقية من النار، ويقمن ب “التمرميغ” فوقه، أما إذا كانت الجنازة في فصل الشتاء ف “الغايس” هو الملاذ والمبتغى… إلى جانب ذلك هناك عادة لابد منها وهي مقتصرة على قريبات الميت فقط سواء بناته أو زوجته أو أخواته وتسمى “الحليك” وهو نتف شعورهن بأيديهن…, والأكثر من هذا أن في بعض المناطق تأخذ النساء المنجل الذي يحصد به الزرع ويقصصن به شعرهن أو السالف الطويل المظفور كتعبير عن الحسرة والألم، لتبقى ” الشيطانية ” هته بابا مفتوحا في وجه كل امرأة تحس أنها “مضيومة” وتريد أن تفرج من كربتها، فلا أحد سوف يسأل عن هويتها، ولا مدى صلتها بالمتوفى، المهم هو البكاء والتفريغ من آلام الهم والحزن خصوصا بوجود “المحزنة” وهو إسم يطلق على امرأة تكون وسط دائرة “الشيطانية”، تحفظ كلمات حزينة خاصة بهذه المناسبة الحزينة، وهي عبارات متعارف عليها ب” العدان” وهو فن أو تقنية ليس بمتناول الجميع، إذ يشترط، في المرأة أن يكون لها صوت حزين قوي ومؤثر، صوت يصل إلى القلب والوجدان لدرجة تحس معه بالقشعريرة ويجعلك تبكي رغما عنك ويؤجج فيك مشاعر الألم العميق المنكسر الخاطر، في عبارات هي أقل ما يمكن أن توصف به كونها تمرد على حكمة الله عز وجل وبالتالي الكفر بقضائه وقدره. +++ رمي النفس بحاويات الأزبال بجماعة “المعاضيض” وهي بطن كبير في بطون التجمع القبلي لقبائل زعير وهي المنطقة المعروفة كذلك بممارسات كهته فلا يقتصر أناسها على اللطم والندب كما لا تقتصر ممارستها من طرف النساء فقط بل الرجال كذلك الذين يقومون بنتف لحيهم وضرب صدورهم والعويل كما النساء على الميت بأصوات شجية الحزن تعيسة النبرة تربك الأعصاب وتزرع الهلع، بل في كثير من الأحيان يقدمون على رمي أنفسهم بحاويات الأزبال وضرب رؤوسهم على الحيطان، وكل شيء من شأنه أن يؤديهم وهم في حالة هستيرية بلغت مدى كبيرا من الحزن والسخط والفاجعة، وما يحدث في قبائل زعير لا يختلف عما يحدث في جهة الغرب الشراردة بني يحسن ودار الكداري كذلك، فنفس الصور تتكرر الانغماس في التراب واللطم على الخدود وكل ما تلهمهم به بنات أفكارهم في لحظات رهيبة كهته تستسلم وتنساب انسياب المياه لأفكار الشيطان اللعينة، بينما قبائل الشرق المغربي تبقى، أقل حدة في ممارسات كهته رغم وجود مظاهر الصراخ والعويل التي لا تصل حد ما وصلت إليه قبائل زعير والغرب من ممارسات وصلت حد التجاوز والحمق وكذا الجهل المقيت،بينما الشائع في هته الطقوس أن القبائل الجبلية أو “اجبالة” وكذا أمازيغ المغرب تنتفي في أجوائهم وجود مظاهر كهته، بل حتى البكاء على الميت يعد عيبا عندهم، مما عرف عليهم من صبر وتجلد في طبيعة تكوينهم النفسي والسيكولوجي، فبمجرد وفاة الشخص يقضى الأمر وينتهي بالإسراع بالقيام بالمراسيم الخاصة بالجنازة وتبعاتها بعيدين كل البعد عن ما من شأنه أن يزيد الأجواء حزنا وكدرا، ليبقى التساؤل بالنظر إلى تلك المظاهر والممارسات المشينة ما علاقة وجودها والممارسات التي يقوم بها الشيعة والتي تكاد تتشابه جملة وتفصيلا؟ . +++الجنازات والزرود إذا كانت الولائم والأكلات الفخمة هي مخصصة للأفراح والمناسبات السعيدة، فإن مظاهر الإسراف في الأكل والطقوس المتعلقة بالمآتم لم تعد تختلف بالشيء الكثير عما هي عليه في الأفراح، فعادة ولدى الأسر العادية أو المتوسطة الدخل بعد الإعلان عن وفاة الفقيد التي تندر به الأصوات النسائية خاصة وذلك بالصراخ بصوت مرتفع، وفي أحيان كثيرة، وغالبا ما يقع هذا في القرى يتم الإعلان عن النبأ الفاجعة في ميكروفون المسجد، حيث يتواتر الخبر بين أهالي القرية، سرعة البرق للانكباب صوب منزل المتوفى، ومد يد المساعدة مادية كانت أم معنوية، وهته من النقاط الحسنة التي تحسب في عاداتنا والتي تعكس صورة من صور التكافل الاجتماعي التي يتشبع بها الشعب المغربي و ماتزال راسخة. وكأول خطوة تكون هي بالضرورة تجهيز الكفن وتغسيل الميت، وبعد مراسيم الدفن يوثر جيران الفقيد وأهله التكفل بتجهيز الطعام و الأكل أو مايسمى عندنا ب “العشا”،ليساهم كل الجيران خاصة بملغ من المال مهما كان حجمه، وبواسطته يتم شراء لوازم ومقتضيات تجهيز العشاء في تلك الليلة وهو الخاص ب “العزو”، وغالبا ما يكون عبارة عن طبق من الكسكس بالخضر تختلف طريقة تحضيره باختلاف المناطق المغربية وجهاتها، ولكل وافد جاء بغرض التعزية إلا وجب عليه أن يتذوق شيئا من التمر والحليب،إضافة إلى ضرورة وجود صحون صغيرة مملوءة بالزبدة والعسل والزيتون الأسود رفقة الخبز والقهوة السوداء،وفي يوم الوفاة عندما يتكفل الجيران بإعداد الأكل أو “العشا” بذلا من أهل الميت في اليوم الأول، فذلك لأن أهل الفقيد يكونون في حالة حزن، منشغلين بمصابهم ولا يملكون من الوقت أو التفكير في تحضير الأكل للمعزين،وقد تصل هته العادة في بعض المناطق من المغرب إلى الثلاثة أيام. في منطقة قبائل “آيت باعمران” إقليم تزنيت مثلا،بعد وفاة الميت يحسم الأمر وينتهي فلا مجال للندب أو الصراخ أو ماشابه ذلك، بل أ كثر من هذا يعد البكاء عندهم عيبا، بل يسارعون إلى دفن الميت وانتهى الأمر، وبذلك يكونون قد عملوا الحديث الشريف:”إكرام الميت دفنه”، إلى أن يحل اليوم الثالث بعد وفاته، يستقدمون “الطلبة “، وإن كانوا على علم مسبق بالأمر ولا يحتاجون فيه لدعوة من طرف أهل الميت، فتلك عادة جاري بها العمل في منطقتهم، وقد يصل عددهم إلى التسعين طالبا، يقومون بتلاوة الستين حزبا من القرآن الكريم برمتها في تلك الليلة، و ينجحون بعدها في جمع مبلغ مهم ومحترم من النقود قد يفوق بكثير ما كان متوقعا، ناهيك عما يأخذونه كإضافة من النساء اللواتي يطمعن في بركات دعائهم لهن لحاجات في نفوسهن ونفوس أقاربهن فلكل واحدة منهن هم قض مضجعها سواء تعلق بها أو بأحد أقاربها فتنشد التبرك بدعوات “الطلبة” بعد قراءة ميمونة للذكر الحكيم برمته، أما عادة الأربعين فليست من طقوسهم، إنما تقام بعد أربعة أشهر وعشرة أيام، ما يسمى ب ” الصدقة” أو “لوليمة”، تقدم فيها أجود أنواع المأكولات كتلك التي تقام في الأعراس والولائم كذبح العجل أو الماعز وكل أصناف الطيور، وما تتميز به المنطقة من وصفات محلية ذات جودة وقيمة خاصة والمقصود هنا خاصة زيت الأركان وآملو كقيمتين غذائيتين لا غنى عنهما في مائدة المنطقة وبالتالي أطباق بعينها غنية بالتنوع والبذخ المعتاد في مناسبات الأفراح، فيما تبقى باقي مناطق المغرب وفية للأكلة الأكثر شعبية والأكثر شيوعا ألا وهي الكسكس على الأقل في اليوم الأول من وفاة الفقيد وبعد ثلاثة أيام يجتهدون هم كذلك في الأطباق المقدمة ،وهذا مانشاهده الآن أكثر حيث بدأت العائلات اليوم تجتهد في تحضير أنواع وأصناف أخرى من المأكولات التي يزخر بها الطبخ المغربي بتعدده وتعدد موروثه وثقافته. +++من “الطلبة” إلى “التريتور” ومادام تقديم الطعام للمعزين والقيام بالواجب تجاههم، أمر واجب وبديهي، رغم حالة الحزن التي يعيشونها، فإن الأسر الآن وفي جميع ربوع المملكة، صارت تبحث في أسهل الطرق التي تكفيها عناء القيام بالواجب الذي يتمثل في مجاملة المعزين والقيام بما يقتضيه الواجب تجاههم في تلك المناسبات، وبالتالي أسهل الطرق صارت هي تلك المتعلقة باللجوء إلى الممون الذي يعهد إليه القيام بكل التفاصيل وما يقتضيه الظرف من تجهيزات، بحيث يكفيهم عناء ذلك، كونهم مكلومون ومنشغلون بحالة الحزن، لكن في نفس الوقت يراعون كلام الناس وأقاويلهم إن هم لم يتكفلوا على أحسن مايرام بمراسيم الجنازة والمأتم وكل مايتعلق بها من مراسيم فمن الأسر من تقر بأن الفقيد حرص في مماته على أن يكون عزاه في أحسن وفي أحسن حلة مع التركيز على إكرام المعزين وحسن ضيافتهم بما يليق وشنآن الفقيد في حياته وما كانت له من قيمة وهيبة بين أهله وخلانه، حتى اتخذ الاتجاه مصار الغلو والزهو المبالغ فيهما الذي وصل حد البدع تتنافس في ظله العائلات خاصة الثرية، لذا فإن الممون الآن أضحى أفضل حل كونه يتفادى كل فوضى أو ارتباك في تلك المناسبة،رغم ماصرنا نلاحظه من مبالغة وكأن ذلك ليس بمأتم إنما مناسبة سعيدة بكل ما تقتضيه من بدخ وتكليف،إذن نسبة كبيرة ومهمة تفوق الخمسين بالمائة من المغاربة يلجؤون إلى الممول أو “التريتور”، ليس فقط الأسر الميسورة بل حتى ذات الدخل المتوسط ، لأنها ترتاح من عمل يبدو مزعجا في مناسبات كهته بالخوص. +++++++++++++ الأستاذ محمد السروتي: عضو بمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة ل “المنارة و الشروق” المظاهر المشينة ستسمر في الوجود ما دام الجهل متفشيا في بعض المناطق + كيف تفسرون بعض المظاهر والعادات التي تصنف بالشيطانية، وفعلا هناك ظاهرة تسمى كذلك من عادات الحزن بالمغرب من لطم وندب ونواح…؟ حقيقة لا أعرف إن كان مصطلح: “الشيطانية” من المصطلحات المتداولة، إذ لم أتوقف على هذه التسمية في الدراسات الأنتروبولوجي المرتبطة بالطقوس الجنائزية على قلتها وندرتها في المغرب،،، فمن بين الدراسة القليلة بعنوان: “مراسيم الأعراس والجنائز والدين” وهناك أيضا دراسة للأنتروبولوجي الأمريكي عن قبيلة “أيت ورياغل” بشمال المغرب وهي حصيلة زهاء أربعة عشر سنة من الإقامة في المغرب. على الرغم من أن هذه الطقوس أكثر غنى بالمعلومات المتعلقة ببنية المجموعات الاجتماعية واشتغاله، تبقى المعلومات شحيحة في المجال إذ من خلالها يتم تأكيد النظام الاجتماعي القائم، ودرجة قوته. بيد أنه إذا كان المقصود بهذا المصطلح تلك الطقوس الجنائزية، من لطم وندب ونواح… وغيرها… فإن هذه المظاهر عادة ما كان يبدأ بها الطقس الجنائزي عند شعوب البحر الأبيض المتوسط، وكانت وسيلة تُعلم به نساء البيت الجيران بخبر الوفاة عبر الندب الذي يطلقنه، وهو عبارة عن أناشيد شبه مرتجلة متقطّعة ممزوجة بالصراخ والبكاء والعويل… فتواصل النساء ندبهنّ ويرافقنه بحركات تشويه ذاتي: يتمّ تمزيق الوجه والصدر، ويفلت الشعر وينتف، وتبقى اليدان ممدودتين نحو السماء… ويصل الندب إلى قمته عند خروج الجثة من المنزل أو وصولها إلى القبر… ولعل الندب والنواح من المظاهر القليلة الباقية من مجمل الطقوس الجنائزية التي كانت تمارس في الماضي ولم يبق منها في وقتنا المعاصر… بسبب تذهيب الإسلام لبعضها ومحاربته للبعض الأخر، من قبيل: غسل الجثّة بالماء والخمر، والسهر مع الجثّة ليومين بعد الوفاة… + ++ماهي أصول هذه المظاهر التي تأثرت بها بلادنا؟ ++++لا شك أن الانتماء الجغرافي للمغرب لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، جعلته من البلدان التي تأثرت ببعض الحضارات والثقافات القديمة التي عاشت في هذا الحيز الجغرافي سواء تلك المندرجة ضمن الإمبراطوريّة الرومانيّة ثمّ البيزنطيّة، أو غيرهما…والمعروف عن شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط اهتمامها الكبير بالطقوس الجنائزية،،، فلم يشكّل وضع الأموات في الأكفان مجرّد واجب عائلي محتّم على الوارث لكن فرضاً دينيّاً فائق الأهميّة عند مختلف الشعوب في هذه المنطقة، إلى درجة أنهم كانوا يعتبرون الأموات الذين لم يقام لهم الطقس الجنائزي محكومين على الهيام بين العالمين، عالم الأحياء وعالم الأموات. فترسخت بعض العادات والطقوس في الوجدان الشعبي على مر الزمن، فشكلت مزيجاً من التقاليد المتأتيّة من العصور الوثنيّة القديمة إلى جانب تقاليد الثقافات الأخرى… يختلف درجة حضورها مع اختلاف درجة الوعي. +++ ما هي حدود الحزن التي لا تتنافى والشريعة الإسلامية؟ +++الهموم والأحزان ضيفان ثقيلان على الإنسان في دنياه لا يكادان يفارقانه حتى يأذن الله _سبحانه_ له بدخول الجنة، حيث لا حزن ولا ألم، ولاهم و لا غم، ولا كرب و لا ضيق…. لذلك فإن من أول دعاء أهل الجنة: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ” -فاطر: من الآية34-. يعلمنا الإسلام أن أمر الدنيا لا يثبت على حال، ويتقلب فيها الإنسان بين ما يحب وما يكره، وكثيرا ما يصاب بالهم والحزن، لأسباب عدة منها: الابتلاء في الحياة، وكثرة الذنوب، بيد أن الإسلام يحثنا على الصبر، وأن الاستعانة بالدعاء والابتهال لله تعالى، لقوله تعالى: “وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” -يونس: 107- والعاقل إذا تأمل فيها وجد أنه محتاج لأن ينظر إليها نظرة المتفائل، ويقضي على الحزن الذي تجده رفيقا في كل مصيبة أو عظيمة، وعند كل خسارة أو فقدان تجده أول الحاضرين، في كل فراق ووداع تراه أول المودعين… لذا أرشدنا الإسلام إلى أسباب تسهل المصائب، من قبيل-انتظار الأجر من عند الله لقوله تعالى>> إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب<< وأن الخيرة لله رب العالمين>>وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرا لكم<< ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ” رواه مسلم. بل إنه عليه السلام علمنا دعاء ندعو به يدفع الهم والحزن. روى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا”.

+++ هل تعتقدون أن مظاهر كهذه مرتبطة بالجهل وعدم الوعي ستستمر في الوجود خصوصا في الوقت الراهن؟

+++أكيد هذه المظاهر ستسمر في الوجود ما دام الجهل متفشيا في هذه المناطق، إذن لا سبيل إلى محاربتها إلا بالتوعية الدينية الصحيحة… + ++كيف تفسرون بعض المظاهر التي تجتهد بعض الأسر في القيام بها من ولائم وطقوس حديثة كاللجوء إلى الممون وتصوير العزاء بالكاميرات..؟ ++++في ظل التحولات الاجتماعية المعاصرة التي نعرفها، عرفت في الآونة الأخيرة حتى طقوس المآتم بالمغرب تغيرات واضحة المعالم، ففي غضون سنوات قليلة… نلحظ تغيرات جوهرية بشكل تدريجي فأحيانا من الشيء إلى نقيضه، ويمكن أن نقدم مثالا عن ذلك في بعض مناطق الناظور إلى حدود سنوات قليلة ماضية كان اللباس الأسود رمزا للحزن والحداد على الميت… وفي مدة زمنية يسيرة أصبح البياض هو لباس الحداد… هناك من يربط هذا التغيير على مستوى اللباس بالتحولات الاجتماعية والدينية… من قبيل امتداد الصحوة الإسلامية في مختلف البقاع والمناطق والتي ساهمت في تصحيح الكثير من الطقوس والمظاهر،،، ولعل الملبس أحدها،،، فالسواد غالبا ما كان يرمز إلى الجزع المرتبط بهول المصاب وعدم الرضا بالقدر، في حين يرمز البياض والتوشح به بالحزن الصافي والرضا بقضاء الله وقدره… وغالبا ما تلزم الأرملة الصغيرة بلبسه مدة لا تقل عن أربعين يوما… أما المرأة الكبيرة والمسنة فغالبا ما يكون لباسها العادي واليومي بلون البياض…بيد أننا أصبحنا نلاحظ طقوس جديدة وولائم حقيقية في المآتم، يتم خلالها اللجوء إلى “الممون” لتجهيز متطلبات العزاء ولإعداد الطعام… وتصوير بالكاميرا، وغير ذلك، وتصل في بعض الأحيان درجة التباهي فالأمر لا يختلف في قائمة الطعام عن ما يقدم في الأعراس، ،، فقط في المآتم يتلى فيها القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وفي الأعراس فما يسمعه الناس معروف… بالطبع، هذه الأمور ليست شائعة بين كل الناس، بيد أنها أصبحت تنتشر في بعض الأوساط شيئا فشيئا… بيد أن “تجارة الموتى”، كما سماها البعض بدأت تشهد رواجا في الرباط والدار البيضاء وأكادير ومراكش مع تزايد اتجاه العائلات الثرية إلى الاعتناء بقبور وتوابيت موتاها، الأمر الذي دفع الشركات المتخصصة في حفلات الزفاف إلى التوجه نحو دفن الموتى… والعمل على استصدار التصاريح والتراخيص الواجبة. ولعل مرد ذلك إلى تفكك الروابط الاجتماعية فالأسرة النووية التي ترزأ بفقد قريب أو فرد من أفراد العائلة قد يثقل على كاهلها وهي تحت هول الصدمة والحزن… أن تقوم بإعداد الطعام، أو السهر على تلبية متطلبات الزوار في المآكل والمشرب… وهي مهمة كانت بالأمس القريب يقوم بها أفراد الأسرة الممتدة… وهي لاتزال باقية في بعض الأوساط القروية في الشمال والشرق… الأمر الثاني، أن هذا التوجه نحو البهرجة حتى في طقوس الموت من دفن وقبور خاصة وبذخ في حفلات العزاء، يرجع إلى تبني أعمى للمنظومة الثقافية الغربية، وإلى الرغبة في التميز الاجتماعي عن باقي الطبقات الاجتماعية الأخرى… وهي سلوكيات دخيلة على الأسر والثقافة المغربية… +++ ما هو تفسيركم لوجود بعض العناصر الغذائية بالمغرب بالتحديد في المآتم المغربية كالكسكس والقهوة السوداء والعسل والزبدة وكذا التمر والحليب؟ +++إذا كان إكرام الضيف وتقديم الطعام المميز له يعتبر واجبا لدى المغاربة، لأنه من التقاليد العربية والإسلامية الراسخة، فهذا التقليد لا يقتصر على الأيام العادية، أو في مناسبات الأفراح والاحتفالات بأنواعها، بل إن للمناسبات الحزينة طقوسا خاصة، فللحزن موائد أيضا والطعام أهم أساسياتها… قد تتفق بعض المناطق على تقديمها، وقد تختلف. ويرى البعض أن تقديم الطعام إلى المعزين أو أهل الميت أمر بديهي، لكن المثير في الموضوع في المغرب هو تقديم أطباق معينة دون سواها في مثل هذه المناسبات الأليمة، كعادة متوارثة منذ القديم، ومن النادر أن تجد من لا يلتزم بها فأصبحت قاعدة أو عادة يجب أن تحترم، سواء في مأدبة الغداء أو العشاء . فبمجرد أن يعلن عن الوفاة يصبح أكبر هَمّ لأهل الفقيد تدبير الطعام وتحضير لوازمه، فحقيقة بعض العناصر الغذائية ليست مجرد أكلات فقط بالنسبة للمغاربة فهي ارتبطت بالهوية والثقافة، ومن الأطباق ما يتغلغل في عمق عاداتنا وتقاليدنا… ومنها ما يكون خاصا بالنساء، وأخرى خاصة بالرجال… بعد خروج الجنازة تعد موائد خاصة للنساء حسب العدد الموجود، وتتضمن صحونا صغيرة من العسل والزبدة والزيتون الأسود والفجل والخبز، وتقدم مع القهوة السوداء. ولا يوجد أي تفسير لضرورة وجود هذه العناصر الغذائية بالتحديد مجتمعة في هذه المائدة، سوى أنها مجرد «عادة». فإذا كان أهل الرباط مثلا يحرصون على تقديم مائدة عبارة عن “طاجن” تقليدي مكون من: “اللحم واللفت الأبيض و الجزر والحمص”، فإن نظرائهم في فاس يقدمون: ” طاجن بكريات من الكفتة (اللحم المفروم) وصلصة الطماطم… فالكسكس مثلا، يحتل في الثقافة الشعبية مكانة تصل عند البعض درجة “القدسية”، إذا فرغ من أكلها المرء دعا الله أن يرزقه بمثلها .. فهو لمكانته الوجبة الرسمية يوم الجمعة التي قلما يتخلف عنها المغاربة، وما يجعل هذه الوجبات غنية بالتقاليد ارتباطها في المخيال الشعبي: بأنه أكلة مباركة وفيها البركة… لذا يستحسن أكلها جماعة لا فردا مع اعتقاد راسخ أن لذته تقل إذا أكل المرء لوحده..ومن العادات الثابتة أن الكسكس إذا طبخ لابد من إذاقة الجيران و المقربين…وهو الوجبة الرسمية في الجنازة… و بأطباق الكسكس تتم الصدقة على روح الميت وهو الطبق الرسمي في الأربعين للوفاة… وهو الطبق الذي يقدمه الجيران لبيت الجنازة.

kouskous  الكسكس
kouskous الكسكس

بوبكري البركة

2010-03-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

فاطمة بوبكري