هل يتعلق الأمر بالاهتمام بالصحافة الإلكترونية أم بمحاولة اتقاء شرها وتطويعها؟

10887 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 9 شتنبر 2012، حدث ظهور الصحافة في تاريخ البشرية لا يقل أهمية عن باقي الأحداث التاريخية التي تعد معالم  في طريقها . فعلى غرار حدث اكتشاف النار ، وحدث اكتشاف الكتابة  وغير ذلك من الأحداث كان حدث ظهور الصحافة مؤشرا على دخول البشرية مرحلة جديدة من تاريخها . ومعلوم أن  الصحافة في بدايتها الأولى كغيرها من المستجدات في حياة البشرية  واجهت ما يواجهه كل جديد ، وهي مواجهة تتأرجح بين  التوجس والاستخفاف منها . ومع مرور الزمن  ضمنت الصحافة ككل المستجدات في تاريخ البشر مكانتها ، وصارت ضرورة من ضرورات الحياة ،بل صارت سلطة  تنافس أعرق السلط  في التاريخ البشري . وساهمت الصحافة في رفع أقوام ووضع آخرين . ولم تحقق الصحافة  ما حققته إلا بتضحيات جسام  وضحايا لا يحصيهم العد. وعرفت الصحافة تطورات شتى مست  مضامينها وأشكالها ، واستطاعت مسايرة كل  جديد . ومع التطور التكنولوجي قفزت الصحافة قفزة كبرى ، ودخلت عهدا جديدا يمكن أن نسميه العهد الإلكتروني على غرار باقي العهود في التاريخ البشري  المنسوبة إلى الحجر أو البرونز أوغير ذلك. واستقبلت الصحافة الإلكترونية  ككل جديد بكثير من التوجس  وغير قليل من الاستخفاف بها . وبعدما كانت الصحافة  التقليدية تمارس بطريقة نخبوية فتحت الصحافة الإلكترونية الباب على مصراعيه للممارسة الشعبية ، واكتمل دور الصحافة حيث صار من حق كل إنسان أن يمارسها استهلاكا وإنتاجا على حد سواء بعدما كان سواد الناس  مجرد مستهلكين  مع الصحافة التقليدية . وفتحت الصحافة الإلكترونية آفاقا جديدة غير مسبوقة  للناس حيث صار المستهلك منتجا أيضا  من خلال فرص التعليق على ما  يقدم له من مواد إعلامية. وصار كل من يتعاطى الصحافة الإلكترونية صحفيا من حيث لا يشعر لأنه يشارك  كتابها ما يكتبون  عندما يكتب هو الآخر ويعلق على ما يقرأ . وبطبيعة الحال  ككل جديد يجد في حياة الناس لم تحصل الألفة بين كل المهتمين بالصحافة الإلكترونية  حيث اتخذ منها البعض  وسيلة صدام وصراع الأفكار ووجهات النظر المختلفة . واعتبر البعض ذلك من سلبيات الصحافة الإلكترونية  التي قربت المسافات بين الناس  تكنولوجيا ، ولكنها  وسعت الهوة بينهم  فكريا ووجدانيا  أو على الأقل هكذا  يعتقد البعض . ولقد كانت الصحافة التقليدية ولا زالت  ديكتاتورية النزعة حيث  تعرض منتوجها على المستهلكين بطريقة مستبدة ، بينما  تتميز الصحافة الإلكترونية بالديمقراطية . وأعتقد أن التوجسات من الصحافة الإلكترونية مرده طابعها الديمقراطي الذي كشف عن  ديكتاتورية الصحافة التقليدية . وأعتقد أن المؤتمرات التي صارت تعقد بخصوص الصحافة الإلكترونية دافعها الأول هو  التخوف من  ديمقراطيتها المفرطة ، لهذا لا نستغرب أن يصرح وزير إعلامنا  أن توجه وزارته هو في اتجاه  تقنين  الصحافة الإلكترونية . ولما كان بلدنا  حديث عهد بالتجربة الديمقراطية التي لا زالت في مهدها ، فلا نستغرب أن تتوجس التقاليد الديكتاتورية  المترسبة  فينا من  ديمقراطية الصحافة  الإلكترونية. وأعتقد أن الصحافة الإلكترونية  تلعب  وستلعب دورا هاما في حمل المجتمع المغربي على التطبيع  مع الديمقراطية الناشئة فيه . ولا بد قبل التطبيع معها أن نمر بمرحلة التشكيك  والتوجس  منها كما هو الحال اليوم . وأعتقد أن عقد اللقاءات والمؤتمرات بخصوص الصحافة الإلكترونية هو محاولة استباق  هيمنة هذه الصحافة على الحياة البشرية  والتأثير فيها بشكل غير مسبوق. وأعتقد كذلك  أن  الأنظمة السياسية في العالم  باتت تتخوف من هذه الصحافة بعد  حوادث  ويكيلكس  والفيسبوك  والتويتر  ومئات الآلاف من المواقع الإلكترونية ،التي صارت تتحكم في مسار الحياة البشرية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا . ومن الأمور المثيرة للسخرية  أن  بعض الذين لم يستوعبوا جيدا طبيعة الصحافة الإلكترونية  أقبلوا عليها ، وكأنها مجال تخصص  نخبوي  ليصيروا أربابها كما كان للصحافة التقليدية أربابها . فعدم الوعي بطبيعة الصحافة الإلكترونية أطمع البعض فيها مع أنها صحافة الجميع وليست صحافة النخب  . وفي المقابل  تحاول الأنظمة السياسية التحكم في الصحافة الإلكترونية  ،بل أكثر من ذلك  ابتدعت الأجهزة المخابراتية مواقع على الشبكة العنكبوتية  للممارسة  أعمالها تحت غطاء  الصحافة الإلكترونية  بعدما  تأكدت من حجم تأثير هذه الصحافة في  المجتمعات . وبدافع الرغبة في  الوصول  إلى الرأ ي العام  والتأثير فيها   وتسويق  ما تريد تسويقه تقنعت هذه الأجهزة المخابراتية ومن ورائها الأنظمة السياسية  بقناع الصحافة الإلكترونية . ومن طبيعة هذه الصحافة الإلكترونية أنها  تطور الوعي البشري  بشكل سريع جدا  ، وتنبهه إلى ما كان ينطلي عليه من حيل إعلامية في  الصحافة التقليدية. والصحافة التقليدية بدورها صارت تقتني مواقع على الشبكة العنكبوتية  لأنها أحست بأن نجمها بدأ في الأفول مع ظهور نجم الصحافة الإلكترونية ، ولهذا لا تخلوا  المنابر الإعلامية المختلفة من  الإشارة إلى مواقعها الإلكترونية  رغبة في  لفت أنظار جماهير الصحافة الإلكترونية  المليونية  إليها . ويوما بعد يوم  تزداد المسافة بعدا بين الصحافة التقليدية والصحافة  الإلكترونية  ، وقد  انصرف بالفعل  ملايين البشر عن المنابر الإعلامية  التقليدية  إلى المنابر  الإعلامية الإلكترونية التي صارت تلبي  حاجيات الملايين من البشر أمام عجز غيرها عن ذلك . وأخيرا  أقول إن شر الصحافة الإلكترونية لا يمكن أن  يتقى ، كما أن جماحها لا يمكن أن يرد بلجم   ، لهذا لا  مناص  من  قبولها  كأمر واقع وقدر لا راد له  مع التفكير في  التعامل مع طبيعتها الديمقراطية خصوصا  في البلاد التي لم  تعرف   هذه الديمقراطية من قبل  ، ولا زالت تجربتها فيها جد متواضعة كما هو حالنا وحال باقي البلاد العربية . ولوزير إعلامنا أقول   ليس بمقدور أحد أن يقنن شيئا طبيعته لا تقبل  التقنين ، فكن  لبيبا وافهم  قصدي ولا تحاول ما لا يمكن  . ولممارسي  الصحافة  الإلكترونية أقول  لا تحلموا مع  الصحافة الإلكترونية بصفة صحافيين   ،لأنها صحافة الجميع  وليست صحافة النخب ، واحذروا أن  تعرضوا أنفسكم للسخرية إن ادعيتم  صفة الصحافة في مجال الصحافة الإلكترونية .

هل يتعلق الأمر بالاهتمام بالصحافة الإلكترونية أم بمحاولة اتقاء شرها وتطويعها؟
هل يتعلق الأمر بالاهتمام بالصحافة الإلكترونية أم بمحاولة اتقاء شرها وتطويعها؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz