هل من مقارنة؟ عبد العزيز قريش

15912 مشاهدة

عبد العزيز قريش / وجدة البوابة : هل من مقارنة؟ وأنا منشغل بقراءة مقال حول التفكير الناقد الذي سعت إليه منظومات التربية والتكوين المتقدمة، وأنشأت لأجله المراكز البحثية والتعليمية، وصرفت عليها الميزانيات الضخمة. وخصصته ببرامج تعليم تنشئه في النشء منذ نعومة أظافرهم. وجدتني أفكر في التجربة الأمريكية في هذا المجال، وكيف أنشأت له مؤسسة خاصة لدراسته وتعليمه. وكيف فكرت فيه دول أخرى! فأحيت به تعليمها وتربيتها وتكوينها بل أحيت به العقول وأسست لنفسها حصنا منيعا يقيها شر الفكر الساذج المسطح السطحي، الذي لا يأتي من العمليات العقلية غير الدنيا في أحسن أحواله. أما تلك المتقدمة والعليا فهو بعيد جدا عنها وبآلاف السنين الضوئية! وجدتني أفكر في نصوص قرائية ساذجة ضمت إلى بعض الكتب المدرسية، تشين العقل التربوي والإنساني وتستخف بطاقاته، كما وجدتني أحلل أقوالا اتخذها البعض مسلمات عقلية لا يأتيها الباطل مطلقا من أية جهة من الجهات الست لا الأربع؟! كتلك التي ذكرني بها أحد علية القوم من حملة أعلى شهادة يزهو بها المرء اليوم أو ربما وصفني بها على ما أتذكر حين جادلته في موضوع عام حنطه في متحف ذاته، فشبهني بالحمار، ويا ليته يدري ما الحمار وفضائل الحمار.
حيث ذكرني بالراكب الذي يركب الحمار بالليل وهو لا يدري ماذا يركب حتى أجلاه له النهار ـ ربما عندما بزغ خيط الفجر أو ربما عندما علت الشمس سطوح المنازل، وذلك حسب الراكب أهو أعمش أم كفيف ضرير، والله؛ لا أدري ـ فهذا القول الذي نضرب به المثل على الحميرية، يبين بالدليل والحجة جهل من ساقه ومن وظفه ومن ورثه الكتب القديمة والحديثة دون سياقه ومناسبته التي لن تكون إلا آنية لا مطلقة الحدث والزمن والمكان والأشخاص. فكيف لعقل إنسان عاقل أن يؤمن ويعتقد بهذا المثال دون تفصيلاته الدقيقة!؟ ويتخذه دليلا أو حجة أو مثالا على الحميرية؟ أيمكن لإنسان أن يركب حمارا ولا يدري به حتى يجليه له الصبح وهو سوي العقل والحواس؟ اللهم إذا كان فاقد البصر أو مغمض العينين أو مخدرا أو فاقد الحس فحينها يتجاوز عن جهله وبلادة حسه. لكن في ظل إنسان سليم الحواس والعقل والجوارح والسريرة لا يمكن القبول بجهله لما يركب؟ فالراكب وهو الذي ساق المثال للدلالة على أن محاوره حمار، أولى بالحميرية هنا من الحمار لأنه أجهل وأبلد من الحمار الذي يركبه. فمثل هذا الموروث الثقافي وغيره من مسلمات العقل العربي تورث سذاجة التفكير وسطحيته، لأن مفكرا لا يمكنه أن يأتي بمثل هكذا مثال دون أن يحلله ويدققه؟ فحتى سجناء الرأي يوظفون حواسهم وملكاتهم وقدراتهم وكفاياتهم في ضبط أماكن وجودهم أو وسائل نقلهم من مكان إلى مكان آخر. فكيف بمن يركب حمارا ويمشي الليل كله ويقوده حيث يشاء؟ والله ليغمرني الأسى والحزن على عقل ضيع حياته كلها في جمع الخزعبلات التي لا تنطبق إلا على موقف معزول وشاذ، فيتخذ منها مسلمات وبديهيات؟! فورثوا الأمة الاعتقاد بأمور لا تمت للعقل بصلة ولا للواقع بوجود، وإنما أدخلوها في سبات عميق أو في ظلمات فوق ظلمات. وما أكثر هذه المسلمات والبديهيات في تراثنا الشعبي، حتى أصبحت من أساسيات تفكيرنا ومنطلقاته، تجري على لساننا مجرى الهواء في الرئة أو الدم في العروق. والأدهى والأمر من ذلك أننا نتداولها في كتاباتنا وبحوثنا الثقافية والجامعية دون تمحيص أو مساءلة! وأجد النداء والدعوات التي رفعها بعض المفكرين العرب في شأن مراجعة وتدقيق موروثنا الفكري صائبة وفي الصميم إذا أردنا أن نتقدم في هذا العالم. وإلا فالموت الحضاري والضمور الإنساني مصيرنا … وجدتني أفكر كثيرا فيما ابتلينا به في العقود الأخيرة من ركود فكري وضحالة تفكير في منظوماتنا التعليمية وجامعاتنا حصون المعرفة والعلم والفكر والنقد والإبداع، فانحصر مدها الثقافي والفكري، وأصبحت أقلامها معدودة ومحصورة على أسماء كبيرة حملت مشاريع فكرية كبرى، وقلما وجدتها مؤسسات ثقافية وفكرية تحمل هم الفكر والعلم والمعرفة والتطور والإبداع، وغدت خاوية على عروشها! نعم؛ لا أنكر أن هناك أقلاما جديدة وجادة في الساحة العلمية والفكرية والثقافية، لكن مقارنة بالكم البشري العربي وبالحالة العامة لهذا الكم، فهم قلة قليلة. فلو أحصينا نسبة من ينتج في المجال الفكري من بين أهل التربية والتكوين على مختلف مكوناتهم وأسلاكهم لوجدنا نسبة من لا ينتج أكبر من نسبة من ينتج! وهي حالة غير عادية مقارنة بالمفترض في أهل التربية والتكوين، وليس الأمر هنا يقتصر على وطننا الحبيب بل على العالم العربي كله. وبهكذا وضعية لن نتقدم ولن نتطور إلا بنسب قليلة، تنح في الرياضيات منحى اللاشيء، وهي فقط لتمييز الاتجاه! في خضم التفكير أخذتني تجربة سنغافورة في تعليم التفكير الناقد إلى المقارنة بين الشعار التي رفعته وزارة التربية والتعليم لديهم وبين ذاك الذي رفعته وزارتنا. فوزارتــنا رفــعت هذه السنة 2010/2011 شعار: < جميعا من أجل مدرسة النجاح > ، وهو شعار الأمس. أوحى لي ببعض الملاحظات، منها على سبيل المثال: • مسألة النجاح في المدرسة المغربية صارت مطمحا بعدما كانت قاعدة ومبدأ في الدراسة! وأصبحت تتطلب تكثيف الجهود من أجل إنجاحها وترسيخها. ما يعني أننا فقدنا مبدأ مكتسبا سابقا في مدرسة البارحة، حيث كان المتعلم لا ينتقل إلى المستوى الموالي إلا بمعدله واستحقاقه لذلك المعدل. فجاءنا من السياسة التعليمية وقوانينها ونظمها ما حطم هذا المبدأ من الداخل بدعوى التعميم والتعليم الأساسي والابتدائي وتكافؤ الفرص … وهي دعوى حملت هذه المبادئ والقيم ما لا يتحملها منطوقها المفاهيمي، فغدت مرادفة للترفيع والإلحاق بما منح من نقط! حتى أصبح الواحد على العشرة أو العشرين يؤهل للانتقال. فصحونا على كارثة في المعدات، بعضها منفوخ كنفخ الأكباش في السوق بالفول والماء ـ على حد علمي من مدلسي الماشية وهم كثر ـ فتتوهم وتوهم بالكفاءة والقدرة العلمية والعملية لكنها جوفاء فارغة من الداخل. فترى أنعود إلى الوراء لطلب مكتسب فرطنا فيه أم نتجل إلى المستقبل بتصحيح الحاضر؟ • مدرسة النجاح كانت بالأمس لدينا ـ بعيدا عن مجمل الملاحظات عليها ـ ربت وكونت وفق معطاها ومتطلبها الوقتي الذي كانت في سياقه. وعلى مدرستنا الحالية أن تبني على ذلك من أجل أن تربي وتكون للمستقبل. فأصبحت مدرستنا تطلب الماضي وتجيش الجيوش من أجل ذلك ولا تصله! فهل جيل مدرسة النجاح ( السنة الأولى ابتدائي لـ: 2009/2010 ) يتميز في قدراته العقلية والفكرية والعلمية واللغوية والاجتماعية … عن سابقه بسنة؟ وما القيمة المضافة التي أضيفت في سنته الدراسية الماضية؟ مدرسة النجاح تطلب من أجل الاستحقاق! وهو أمر مسلم به في المنظومات التربوية والتكوينية المتقدمة، ومشكوك في أمره لدينا! فصارت مطلبا رسميا بعدما كانت معطى طبيعيا في سياق التربية والتكوين. • مدرسة النجاح محصورة في ذاتها لا تتعدى المتعلم كغاية، فالجميع يعتبر وفق الشعار مدخلا لها بما فيهم المجتمع، لكن المخرجات لا تمتد بمنطوق معلن إلى المجتمع ومستقبل. وبذلك المؤسسة التعليمية لا تتحمل أية تبعيات تجاه المجتمع. نعم هناك تعدي ضمني إلى المجتمع لكن خفي حتى يرتب التزامات. فنحن جميعا من أجل مدرسة النجاح ندعمها بكل الوسائل المتاحة مقابل أن ينجح التلميذ فيها باستحقاقه الحقيقي لا الصوري للمعدل. وهو هدف نبيل في حد ذاته، لكن لا يتساوق مع ألفية المعرفة وعصر العالم الافتراضي والإبداع والسرعة اللامتناهية. • شعار يخفي وراءه الكثير من الإخفاقات التي أدت إلى هذه الوضعية التي تعيشها المدرسة، والتي استجلبت التفكير العميق في كيفية تجديدها وتطويرها لأنها المدخل الرئيس للتنمية البشرية قبل التنمية الحجرية. فرغم المجهودات المبذولة ـ وهي مشكورة طبعا ومقدرة ـ لم نضع بعد قطار المنظومة التربوية والتكوينية على السكة الصحيحة. لذا يجب تبني شعارات قابلة للتنفيذ وتتماشى والواقع وتستجيب للطموح وللانتظارات ومنسجمة مع العصر لا مفارقة له. فالاشتغال على هذا الشعار بكل الطاقات والإمكانيات والإمكانات لن يبوئنا سوى عتبة مدرسة النجاح التي كانت لدينا سابقا. ولن يمنحنا الطموح إلى الدخول في دهاليز المستقبل بعقل متنور ثاقب مبدع مقدام، لا يهاب المجهول ولا يأنس لمألوف ولا يقعد دون مطلوب. شعار هذه السنة سيبقى معنا ما دام البرنامج الاستعجالي فينا، وهو برنامج طموح بطبيعته، لكنه غير كاف ما دامت شروط إنتاجه وتنفيذه وتتبعه ملتبسة، مركزها ولبها وهو الإشراك مفقود من قاموس التنزيل ومحيد بصريح فتاوي فقهاء منظومتنا التربوية والتكوينية الهامسين في أذن ساستها. لن يضمن انخراط الجميع مهما كانت النداءات والدعوات! لأن الحياة علمتنا أن من همش من البداية إلى النهاية يكون خارج منطق الإشراك ولن يكون مشاركا ولا فاعلا بل يكون في بعض الأحيان عالة ومن قوى الممانعة. لذا؛ لو وضعنا هم المؤسسة على عاتق الجميع، كل فيه سواء يتحمل وزر الفشل أو فرحة النجاح والتوفيق، لخطونا نحو الإصلاح والتطوير والتجديد المسافات الطويلة. لكن مع الأسف الشديد، من هم المعنيون بالأزمة هم خارج الأزمة أو على هامشها على الأقل. ينتظرون أن ينفذوا مقترحات وأوامر وتوجيهات وإرشادات فوقية لا أفقية! همهم في معيشهم اليومي، أمالهم انتقال أو التحاق بزوج أو زوجة أو أسرة أو عائلة، ووطرهم تغيير إطار أو تدرج في سلك لضمان زاد يرفعهم درجة عن عتبة الفقراء الجدد أو يمحو عنهم سمة خمول ونوم ونعاس باسم شهادة. هم في ذلك منقادون أو متطوعون حسب فرائد حالاتهم … لا يلامون في ذلك أبدا، لأن وضع المنظومة التربوية والتكوينية هو المؤسس والحاضن لذلك. لو كان وضعها غير ذلك لكان همنا هما آخر، ولكانت أوطارنا أوطارا أخرى. لكن الصمت أبلغ من الكلام في مثل هذه المواقف. شعار وجدته وأنا أتمعن فيه منغلقا على نفسه لا كشعار سنغافورة المفتوح على المجتمع، المتضمن لالتزام المؤسسة التعليمية أمام المجتمع. فحين قررت تعليم التفكير الناقد اتخذت شعار:”مدرسة تفكر… وطن يتعلم” فتأمل كيف هو هم المدرسة التفكير لا النجاح! لأن النجاح ثمرة للتفكير، ومن يفكر ينجح ولو بعد سقوط وانتكاسات، لأن هذه الأخيرة مكون من مكونات سيرورة النجاح والتعلم والتفكير. كما أن تعلم الوطن مرتبط بتفكير المدرسة، والمدرسة التي لا تفكر جثة هامدة أو سمكة دون ماء. هنا أجد الفرق بين الشعارين شاسعا جدا. ولست في حاجة إلى قراءته قراءة سيميولوجية، لأنها تدخل الورقة إلى التمدد والطول، وهو أمر غير مقصود هنا، وإنما القصد التلميح لا التصريح والتفصيل. شعار وشعار، وبينهما تساؤل وألف سؤال وعلامات استفهام، أتقرب بها من كل من يهمهم أمر الدار، لعلني أجد عندهم ما يشفي الغليل ويفك طلاسم مشاكل الحفظ والاستظهار ثم التيه في فيافي الوجود وقفار الموجود … ذلكم وجود وعدم، وهي الوجود والإيجاد، فأيهما نريد؟ شعار أو شعار. وأيهما نختار نور أو غبار؟ فلكم أحبتي القرار … عبد العزيز قريش

هل من مقارنة؟ عبد العزيز قريش
هل من مقارنة؟ عبد العزيز قريش

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz