هل من خرائط للعوالم العربية المنهارة؟/ رمضان مصباح الإدريسي

258453 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “هل من خرائط للعوالم العربية المنهارة؟”

من أين الدين السياسي؟

سؤال جيوسياسي،ديني، استراتيجي يضيق دونه أفق الكاتب ؛بل حتى كتائب من الأكاديميين ،شاكية الفكر ،الطموح والإخلاص.  لكن لا بد من طرحه ،ونحن نرى كل ما حولنا – من عوالم وهمنا –ينهار؛وكل الكتب التي قراناها

وأحببناها تحترق..

 كان مفهوما ،ومتوقعا،أن نفضي الى فجر الانحطاط ؛حتى قبل تسخين مواقعنا كبناة لحضارة إنسانية ،تسندها قيم الطفرة الدينية التي سيرت الغزوات والفتوحات.

وكان مفهوما أن عوالم الثورات الغربية،من أجل إسقاط الاستبداد الديني والزمني ,والتخلف العلمي،لا بد أن تتمدد على حساب عوالم استقالة العقل،وتشرنق التخلف ،والاستكانة إلى أجوبة وجودية لا تصلح لكل الأزمنة والأمكنة. 

لم نعش الاستعمار ،قطرا قطرا،فقط، بل قيمة قيمة أيضا؛الى أن انتهينا مخصيين تماما؛لا نخصب علما بحتا،ولا فلسفة متنورة وبناءة ؛ ولا نوجه صوب المجرات سوى صوامعنا التي لا تنطلق أبدا،ودعواتنا بقهر أعدائنا ،ولو بالطيور الأبابيل ؛ونحن نقرأ و نعرف أنهم لا يقهرون إلا برباط علم أرضي قوي.

وكان مفهوما أن يتم تطوير الاستعمارات- بعد أن شبعت و ملت، لتتحول الى استقلالات موقوفة التنفيذ ؛ننوب فيها عن المستعمرين في احتلال أنفسنا ؛بل الاستفحال في قهرها بعبودية متورمة ؛لا يمكن أن يرضاها الله لعباده- وقد حرم الظلم على نفسه-وتسفيرها بقطارات عجائبية، لا تسير إلا القهقرى؛ولا تتوقف الا حيث توجد الملائكة- فقط -عيانا جهارا.

قطارات تحمل كل أحلامنا في الانتصار ،من جديد،على اليهود بخيبر ؛وعلى روما وفارس.نحلم ونحن نعلم أن إسرائيل لا تنازلنا في خيبر،وأن روما وفارس لم  تعودا تهابان سيوف خالد والقعقاع وكل القادة التابعين.

ندعوا الله أن تعود عقارب الزمن الى الوراء ،وتعاود كل الحضارات والأمم سلفيتها  و ضعفها، ؛ويعود إلينا الفاتحون الأوائل لنستمتع بنصر جديد.

  ومنا من يريدها حياة بدائية،تماما،و في الأدغال ،حتى يرى اليهود وقد تحولوا الى قردة وخنازير.

كل هذا كان متوقعا مادمنا- كأمة- حكَّمْنا واحدا وعشرين عاما من البعثة؛لم يكتمل فيها إيمان حتى أعراب مكة والمدينة  لسياسة كل ما تبقى من زمن الدنيا،الى أن تقوم الساعة ؛وحتى العوالم العليا التي قد يسكنها الإنسان في المستقبل. ضدا حتى على صاحب الرسالة،عليه أفضل الصلوات والسلام، الذي أبى أن يقيدنا بغير الدين ؛حتى وهو يُراجَع ،في احتضاره،ليقيدنا في سياسة دنيانا،أيضا.

أنتم أدرى بأمور دنياكم ،تعني ،أيضا، أن كل المسلمين ،وفي كل العصور أدرى بأمور سياستهم ودولهم وأنظمتهم.

هذه هي الفطرة ،وهذا هو المنطق السليم؛وفي القول بغير هذا انتقاص من قدرة العقل على الإبداع والبدعة ،وتبعيته الدائمة؛منتظرا شيئا من السماء؛وهي لا تمطر ذهبا ولا فضة؛ ولم تعد تنزل لا سورا ولا آيات ولا تلهم أحاديث .. اكتمل الدين الديني ،ولم يقل أحد بدين سياسي،إلا مغرضا.

أكيد أن العقول المستقيلة لا توكَلُ لها أمور الدنيا؛فهي في حكم المحجور على ماله ،لابيع له ولا شراء.

اختار لنا ،صلى الله عليه وسلم ،إماما للصلاة؛وكان بوسعه أن ينصب لنا أميرا ؛لكنه لم يجار أحلام كبار الصحابة،من القرشيين ،وقد كشفوا عن طموحهم الدنيوي لاستثمار قربهم من النبي ،وهم يسعون إلى إقناع كبار المدينيين(الأنصار):منا الأمراء ، ومنكم الوزراء؛بعد أن سمعوا اجتهادا سياسيا ،ليس إلا:منا أمير ومنكم أمير.

زمن الانهيارات:

يعقب،حتما،أزمنة الأخطاء الإستراتيجية ،التي تتناسل من إعاقتنا الفكرية التي ارتضيناها لأنفسنا ،ونحن نتخلى عن اعمار الأرض وسياستها، ونتفرغ لاعمار السماء؛ونحن نعلم أن الله تعالى أكملها ،رائعة في سموها،ومتعنا برؤيتها؛ولم يمنعنا من النفاذ إليها ؛وهو يَعْلمُها قمة في الهندسة  الفلكية،الفيزياء ،الكيمياء والرياضيات ؛مما عز ويعز على أذكى الفقهاء  الذين لا يبصرون- اذ يؤازرون الحكام- غير طريق الهاوية .

حكامنا أدركوا هذا منذ الأزمنة الأولى ،لكنهم أدركوا أيضا- أن دولة الذكاء، الفلاسفة،العلماء،الحقوقيين،الديمقراطيين والمثقفين،بمثابة نمرة صعبة المراس ،ولا مجال فيها لِمُتع عدا متع الفكر المتسائل دوما، والمتوتر أبدا..دولة لا يعتلي سدتها غير العالم الأعلم،والمخلص الأخلص.

كما المعارك التاريخية الكبرى؛لم يكسبها غير قادة أسطوريين في شجاعتهم وطِعانهم،وتفانيهم من أجل مجد جيوشهم وشعوبهم..

تُرِك رهان هذه الدولة جانبا ؛أو قل ترك لتحققه عدالةُ السماء ،أو المهدي المنتظر؛وتم الاشتغال على إشاعة السكينة

وتجفيف منابع الدولة الفاضلة،بعملها ؛وتخريج شعوب على كسل ملوكهم ورؤسائهم.

من هنا كل هذه الانهيارات التي يبدو أنها تقترب منا –مرة أخرى- قطرا قطرا،وقيمة قيمة؛ومن يقول بالاستثناء

كأنه ينكر على البحر الأبيض المتوسط أن يقوى على إغراق مدينة السعيدية.

شاحنة تركبها الأمة العربية :

تحضرني دائما صورة – وان كانت احتفالية-عميقة الدلالة  على ركوب الأمة صوب الهاوية :

لعل الزمن مستهل الثمانينيات ،والمناسبة إحدى القمم العربية “الشماء” التي أثثت فاس مرات عديدة .

اختار المرحوم الحسن الثاني أن يحتفي بضيوفه،الملوك والرؤساء العرب،في مدينة افران.من ضمن اللحظات القوية، في  هذا الاحتفاء ، ركوب الجميع شاحنة عسكرية تسير الهويني ،دلالة على التعاضد والتآزر والتئام الشمل .

عن يمين وشمال اصطفت فرق فولكلورية أطلسية ،لا تردد سوى لازمة واحدة:”هَكْذا ديما عاش آمولاي الحسن”.

عدا الإخراج الملكي المحتكم إلى فرحة اللحظة، بلم الشمل العربي ،يمكن قراءة الصورة قراءات سياسية متعددة،منها:

كانت الشاحنة عسكرية مما يوحي بأن الحكم العربي ،مهما سار يمينا أو يسارا، فهو حكم عسكر؛وقد عشنا بعدها لنتأكد ،ولا زلنا نتأكد ،بأن العساكر العربية تنوب عن الديموقراطية ؛وتنوب عن كل الفلاسفة والعلماء والحقوقيين …

ما بدأه فقهاء الانحطاط تعززه الأحذية الثقيلة.  أما التوقيع على هذا الحلف بين القادة والعسكر فكان من أهل

الفن الفلكلوري.

لعلها كانت أيضا شاحنة وداع ؛كما تبدو لنا اليوم ،ونحن نعرف كل المآلات.ومن أقوى هذه المآلات ما جرى بالعراق ،وبعده دول الربيع العربي.

وهانحن اليوم ننتظر ،بذهول ،وإنكار ممزوج بالرضا ،أن تدك الصواريخ والقاذفات أرض سوريا ؛غير مميزة ،مرة أخرى،بين الجلاد والضحية.

قدر الشعوب العربية أن تموت مع رؤسائها ؛ حتى وهي لا تطالب سوى بالتحرر من الاستبداد.وقدرها أن تخنق بالكيماوي ،وتحرق حتى بالنابالم ،حينما تقول :نحن أيضا أدرى بأمور دنيانا؛وأدرى بأنك رئيس ظالم،وابن ظالم، تحول الى رئيس مجرم.

من كان بالشاحنة، ومن لم يعد فيها؟  الأكيد أن الشعوب العربية لم تكن فيها ،وهي في أتم احتفاليتها ،وليست فيها ،وهي تهوي الى العمق السحيق.

خرائط  الغد:

ألا بئسها إن استعادت توابل الإعاقة الفكرية ،كما يسعى الظلاميون ،في مصر وغير مصر.ولا استوى فيها خط وحرف إن تسربلت بالدم يكتب به العسكر ،حينما يعز مداد الديمقراطية؛وهو دوما عزيز؛رغم كل الثراء العربي الذي يستطيع

تحويل كل المحيطات إلى هذا المداد .

وبئسها إن واصلت رفع أكف الضراعة الى السماء ؛وكل ما في السماء نور يضيء الأرض،لنمشي في مناكبها ليس كالأنعام:

التضرع بأن يهزم الله العلم وينصر الجهل.يهزم أميركا وينصر مملكة بن لادن.

التضرع بأن يجنبنا  الله حرب إسرائيل، بتحويل اليهود إلى قردة وخنازير.

التضرع بأن يسخر الله جندا من الملائكة ينوب عنا في كل شيء؛حتى في مباريات كرة القدم،والألعاب الأولمبية.

الابتهال الى الله حتى يجفف كل منابع العلوم، والسياسة العلمانية ،الملحدة.

الابتهال إليه عز وجل حتى تفلس جميع الأبناك والبورصات  الكافرة،وجميع المختبرات والوكالات الفضائية؛عسانا نتمتع –كأجدادنا- بسكينة الصحراء وسفنها.

نريدها خرائط تتلون بألوان العالم ،وتتكامل فيها المعارف الإنسانية كلها، لنرقى الى مستوى ساكنة هذا العالم المتحضر؛بدون عقد فقهية مغرضة.

نريد استعادة استثمار حصصنا من الذكاء البشري ،لخير البشرية جمعاء؛بدل استثمارها في رسم لوحات للجنة؛وتنصيب أنفسنا سدنة لها ،نفتحها لمن نشاء ،ونغلقها في وجه من نشاء.

ونلتمس من كل الذين زادوا على خطاب البعثة ،وزايدوا عليه؛ومن كل الذين أكملوا الدين ،كما أملت عليهم أهواؤهم،أن يعتذروا للأمة،وأن يجاهروا بسحب ما ليس لله ، وما ليس لنبيه،حتى يتفرغ الناس للدنيا ما داموا فيها ؛وما داموا فيها أدرى من الأنبياء.

من هذا التفرغ ،ومن هذه الدرجة الصفر للبناء الدولتي،تولد خرائط المستقبل التي ستعقب ما نعيشه من انهيارات.

هل من خرائط للعوالم العربية المنهارة؟/ رمضان مصباح الإدريسي
هل من خرائط للعوالم العربية المنهارة؟/ رمضان مصباح الإدريسي

Ramdane3@gmail.com

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

1 تعليق على "هل من خرائط للعوالم العربية المنهارة؟/ رمضان مصباح الإدريسي"

نبّهني عن
avatar
بابا النو
ضيف

بارك الله فيك يا أخي مصباح، قرأت مقالك – بكل ترو و إمعان- و مقالاتك تستحق ان يمتاح منها من يدعي المعرفة و العلم ، و هو أبعد ما يكون منهما،
شكرا يا من إسمه على مسماه

‫wpDiscuz