هل من حق كل من اعتنق عقيدة تأثر بها خارج الوطن أن يطالب بوجودها داخله؟

10730 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 17 أكتوبر 2012، استغربت عنوان مقال نشر بموقع هسبريس وهو : ” شيعة المغرب يتهمون مدير المكتبة الوطنية بالإساءة إليهم ” .وفي طي المقال إشارة أيضا إلى شيعة بلجيكا المغاربة ، وإلى المغاربة السلفيين . وهذا المقال يجعل السؤال التالي يطرح نفسه : هل من حق كل من اعتنق عقيدة تأثر بها خارج الوطن أن يطالب بوجودها داخله؟ فإذا كان الجواب بنعم، فإن إشكالا كبيرا سيطرح لأن المغاربة معروفون بالتجوال في طول الأرض وعرضها طلبا للعيش وللدراسة وغيرهما، وبناء على ذلك من الطبيعي أن يحتكوا بكل ثقافات البلاد التي يحلون بها ، وأن يطلعوا على عقائدها . فكم سيكون عدد الثقافات والعقائد الوافدة إلى الوطن عبر هؤلاء ؟ وعلينا أن نتصور خليط هذه الثقافات والعقائد من خلال تعدد الفئات الجالبة لها. وعلينا أن نتصور كيف يمكن التوفيق بينها من أجل ضمان الانسجام المطلوب في مواطنين يجمعهم وطن واحد وهوية دينية وعقدية واحدة ؟ فبعد استقلال المغرب مباشرة  بدأت حركات الهجرة خارج الوطن خصوصا هجرة العمالة  والدراسة . وتشكلت مع مرور الزمن أجيال المهاجرين بترتيب حسب السبق ، الجيل الأول ثم الثاني ثم الذي يليه ، ولست أدري كم هو ترتيب هذه الأجيال اليوم مع وجود أجداد وآباء وأبناء وحفدة. وقد يكون الجيل الأول قد انقرض أو هو في طريق الانقراض . كما أن آخر جيل ربما يكون قد بدأ أو هو على موعد مع البداية . ولقد سلطت العديد من الدراسات الاجتماعية الضوء على فئات المهاجرين وأجيالهم وأماكن هجرتهم ، ومدى تأثير ثقافاتها في سلوكهم ، ومدى تأثير  تأثرهم  وانفعالهم بهذه الثقافات في وطنهم الأم . وتناولت هذه الدراسات إيجابيات وسلبيات الهجرة ماديا ومعنويا ، وتناولت الخلاف داخل الوطن حول موضوع هذه الهجرة والمهاجرين خارجه ، كما تناولت اختلاف المهاجرين أنفسهم في النظر إلى وطنهم ، واختلاف علاقاتهم  به إلى غير ذلك مما يتعلق بأحوالهم المختلفة  الشخصية والعقدية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية . وتكونت تصورات وأفكار حول ظاهرة الهجرة تختلف  وتتباين حسب  اختلاف زوايا النظر إليها . واختلفت درجة تأثر المهاجرين بثقافة البيئات التي هاجروا إليها ، وربما كانت درجة التأثر هذه من ضمن المعايير التي تعتمد لتحديد نوع الجيل المهاجر. فما يسمى الجيل الأول كانت درجة تأثره بثقافة بلاد المهجر محدودة  حيث ظلت خصائص ثقافته الوطنية مهيمنة أو لنقل مقاومة للثقافة الأجنبية. وكان هذا الجيل  يعبر عن شعور يتسم بالتناقض فمن جهة يعبر عن انبهاره بالحياة المادية والاقتصادية لبلاد المهجر ، ومن جهة أخرى يعبر عن امتعاضه من  الحياة المعنوية بها ، وهو ما طرح مشكل ما يسمى الاندماج ، وهو اندماج حاصل على المستوى المادي ، ولكنه منعدم على المستوى المعنوي. وخلاف الجيل الأول  ازدادت درجة التأثر بثقافات بلدان المهجر لدى الأجيال اللاحقة  إلى درجة اندلاع خلافات حادة بين  جيل الآباء الأوائل الذين دفعتهم الفاقة والعوز إلى الهجرة أول مرة ، وبين جيل الأبناء الذين  ولدوا في المهجر . ففي حين كان تخطيط الجيل الأول هو نقل  العملة الصعبة إلى الوطن من أجل مشاريع تضمن لهم العيش الكريم في وطنهم ، وهو ما كانوا يفتقدونه قبل هجرتهم ، كما كانوا يفتقدونه خلال وجودهم بأرض المهجر أيضا، لأنهم كانوا بمثابة  أقنان هاجروا مضطرين تحت ضغط ظروف العيش القاسية في وطنهم ، نجد الجيل الثاني يخطط للاندماج في بلاد المهجر مع اعتبار الوطن محطة استراحة واستجمام لقضاء العطل السنوية فقط. وازدادت الهوة اتساعا  بين الجيل الأول والجيل الموالي للجيل الثاني الذي ربما اقتنع بالقطيعة مع ثقافة الوطن حيث غلبت ألسنة بلاد المهجر على اللسان الوطني ، كما غلبت  طباع  وثقافة بلاد المهجر على طباع وثقافة الوطن . وحصل أمر خطير في الوطن حين بدأت طلائع المهاجرين تعود إلى الوطن  في السنوات الأولى التي تلت استقلال الوطن ، فأغرى ما كانت تحمله معها من مال ومتاع شرائح عريضة طويلة بالتفكير في الهجرة  حتى صار هم هذه الشرائح هو الحلم  يوميا  وباستمرار في هذه الهجرة طمعا في العيش الكريم الذي يوفره مال بلاد الهجرة حتى بلغ الأمر حد ما صار يعرف بقوارب الموت والانتحار من أجل تحقيق حلم الهجرة . وتوسعت الهجرة حتى أنه لا توجد أسرة مغربية لم تصبها عدوى هذه الهجرة ، بل صارت الهجرة موضوع افتخار بين هذه الأسر، وصارت معيارا من معايير التصنيف الاجتماعي الطبقي حتى انتشرت ظاهرة الزواج التي فرضتها الهجرة بكل أنواع الزواج الأبيض وغير الأبيض الذي صار رغبة الكثيرين من أجل تحقيق حلم الهجرة. وكانت كل هذه الأمور تحدث وتؤثر في عقائد  وتصورات الناس بوعي وبدون وعي منهم . ولما كانت طبيعة الحياة في بلاد المهجر تفرض على المهاجرين الاضطرار إلى العيش في تجمعات خصوصا عندما يتلاحق المهاجرون من نفس  الجهات أو من نفس العشائر في مهاجر معينة وفي جهات معينة داخل هذه المهاجر سادت ظاهرة تموقع المهاجرين في بلاد الهجرة  حتى  بلغ الأمر حد  انتساب المهاجرين باعتبار نسبة عددهم  إلى قطر معين من أقطار الهجرة ، وأصبحوا ينسبون إلى  هذه الأقطار، وبمجرد ذكر واحد منها يتبادر إلى الذهن نوع الجالية المهاجرة. وتجمعات المهاجرين في ديار المهجر فرضت عليهم أنماطا معينة من السلوكات ،وهي سلوكات  تحاول التوفيق بين خصائص الثقافة  الوطنية الأصلية ، وثقافات بلدان الهجرة . ولما كانت بلاد العروبة والإسلام  تعرف نفس الهجرة التي يعرفها المغرب فقد اضطر المهاجرون المغاربة إلى الاحتكاك والتعايش مع  غيرهم من المهاجرين ،علما بأن كل منهم كان يحمل بصمات ثقافته الأصلية فضلا عن تأثره ببصمات الثقافات التي هاجر إلى بلدانها . وكانت كل هذه البصمات تنصهر في بوتقة واحدة لتشكل ثقافة الخليط الغريب العجيب . وهكذا اكتشف  المهاجرون العرب  والمسلمون إلى بلاد الغرب  تنوعهم الثقافي بفعل احتكاكهم فيما بينهم ، وحصل  التأثر والتأثير على عدة مستويات فيما بينهم منها المستوى الديني أو العقدي . وحصلت لبعض المهاجرين  أزمة دينية وعقدية عندما اكتشفوا  التنوع الديني والعقدي لدى غيرهم من المهاجرين الشيء الذي دفع ببعضهم إلى مراجعة طريقة تدينه وطريقة اعتقاده  حسب درجة تأثره بغيره من المهاجرين. وكان للجماعات والطوائف الدينية من مختلف البلاد العربية  والإسلامية أثر واضح في ظاهرة انبهار وتأثر المهاجرين بعقائد بعضهم البعض. وهكذا  بدأ  الحديث عن مسلمي ديار الهجرة بتصنيفات مختلفة  إما باعتبار  عقائد أوطانهم الأصلية ، أو باعتبار التيارات المهيمنة على المجال الدين في المهجر لسبب أو لآخر. وبعد شيوع ظاهرة التمذهب  بين أوساط المهاجرين المغاربة ظهر هاجس  الحفاظ على الهوية الدينية  والعقدية لهؤلاء باعتبارهم مواطنين لدى المسؤولين بعدما  أخذت بعض هذه العقائد الوافدة مع المهاجرين تهدد  هذه الهوية ، بل وأكثر من ذلك  وفدت عقائد تجاهر بالعداء للهوية الدينية الوطنية عقيدة ومذهبا وطريقة ، وترتبت عنها أحداث خصوصا وأن بعضها  أوغل في التكفير والتشدد والتطرف حتى تورط في أشكال من العنف والإجرام باسم التدين والاعتقاد .  وشاعت على إثر ذلك  ظاهرة الولاء لأقطار أجنبية  والبراء من الوطن على أساس عقدي . وبعدما كان المهاجرون المغاربة يصنفون حسب  بلدان الهجرة صاروا يصنفون حسب  العقائد إلى شيعة  وسلفية وغيرها مع البراء من عقيدة  وطنهم والولاء لعقائد بلدان أخرى حتى بلغ الأمر حد انتقال هذا الولاء من ولاء عقدي إلى ولاء سياسي وإيديولوجي . وتسرب الخلاف المذهبي المصدر من بلاد المهجر إلى أرض الوطن. وبدأت الخلافات في الفتاوى  في بعض المناسبات الدينية كرمضان وعيدي الفطر والأضحى ، وانتقلت هذه الخلافات إلى أدق أمور العبادات من قبض وسدل في الصلاة ، وطريقة قراءة القرآن الفردية والجماعية ، وحتى طريقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . وغلب على هذه الخلافات التعصب  والتشنج  ، وصارت تهمة التكفير ممكنة  ورائجة  لأبسط الأمور عند البعض  .  وها نحن نصل مرحلة مطالبة الفئات المهاجرة بحقها في الاعتقاد الذي استوردته معها باسم حرية الاعتقاد ، وهو ما سيجعل عقيدة هذا الوطن طرائق قددا . فإذا جاز لكل من هاجر ونقل اعتقادا اعتقده في مهجره إلى أرض الوطن ، فإن عقيدة هذا الوطن ستصير موضوع مساومة ومزايدة ، وربما صارت موضوع تصويت على غرار ما يحدث فيما يسمى اللعبة السياسية بين  الأحزاب بحيث  يصير الأكثر تبيعا نافدا في الوطن ومتصرفا فيه . وفي هذه الحالة يكفي الفئة المهاجرة الأكثر نفرا أن تفرض عقيدتها . ولن يتعلق الأمر بعقيدة من عقائد الإسلام بل سيتخطى ذلك إلى عقائد  لا علاقة لها بالإسلام  أيضا من تنصير وتهويد وعلمنة وغير ذلك مما تطالب به كل فئة  لها هواها العقدي الخاص بها باسم حرية الاعتقاد. وأخيرا نسأل إذا حق لبعض المهاجرين أن يسموا أنفسهم باسم ما يعتقدون أليس من حق  من لم يهاجر أن  يطالب ويحرص على هوية الوطن العقدية  دون أن يتهم بأنه  يصادر حرية الاعتقاد ؟  وإذا كان الحرص على الهوية العقدية للوطن جريمة في نظر  طوائف المهاجرين المعتقدين  غير عقيدة وطنهم الأم ، فماذا نسمي خروج هذه الطوائف عن  إجماع الأمة في الوطن ؟  وما حكم الشرع في هذا الخروج ؟  وهل من حق الدولة المغربية أن تصون عقيدتها كما تصون كل  الدول عقائدها ؟  ويوجد فرق بين من  يعتقد ما يشاء  ويحتفظ بذلك  لنفسه ، وبين من يحاول تسويقه و فرضه على الأمة ، فإن حيل بينه وبين ما يريد رفع عقيرته بالشكوى والتظلم تماما كما فعل أصحاب عقيدة الإفطار العلني في رمضان حين قيل لهم أفطروا في بيوتكم إن شئتم ، ولا أحد سيمنعكم، فقالوا بل نفطر علانية جهارا نهارا متحدين مشاعر الأمة برمتها. فكذلك حال من استوردوا عقائد مخالفة لعقيدة الأمة فهم لا يكتفون بالاحتفاظ بها لأنفسهم ، بل يريدون تسويقها ، وعندما يمنعون من ذلك يتظلمون دون أن ينتبهوا إلى ظلمهم أولا لوطنهم ولأمتهم . وأخيرا أظن  أن مسؤولية  صيانة عقيدة الأمة تقع  على الدولة ، فعليها أن تحمي الملة تماما كما تحمي الحمى ، وحماية الملة من حماية الحمى . وإذا كانت حماية الحمى بقوة عسكرية ضاربة ، فحماية الملة تكون بقوة علمية مقنعة ومفحمة يتولاها علماء الأمة . وللدولة أن تقوم من لم تنفع معه القوة العلمية المقنعة بما تراه مناسبا من أساليب الإصلاح والتقويم في حال الانحرافات العقدية المتعمدة مع سبق الإصرار . وإذا كان من حق الولايات المتحدة الأمريكية أن تطالب بمن يهدد عقيدتها ،وتنقله لمحاكمته في محاكمها ، فمن حق المغرب أن  يطالب بمن يهدد عقيدته لمحاكمته في محاكمه أيضا .

هل من حق كل من اعتنق عقيدة تأثر بها خارج الوطن أن يطالب بوجودها داخله؟
هل من حق كل من اعتنق عقيدة تأثر بها خارج الوطن أن يطالب بوجودها داخله؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz