هل الوزارة الوصية عن الشأن التربوي عندنا في مستوى التوجيهات الملكية السامية للنهوض بالمدرسة العمومية وتأهيل التعليم الخاص؟؟؟

17353 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 22 غشت 2012، بعدما لاحظ المتتبعون والمراقبون غياب الإشارة إلى الشأن التعلمي في خطاب العرش، استغرق موضوع التربية خطاب عيد الشباب برمته كما كان متوقعا. وهذا الخطاب تضمن أسسا ومبادىء عامة وهامة من أجل النهوض بالمنظومة التربوية التي هي في أمس الحاجة إلى مراجعة جادة وهادفة بعد استنفادها رباعية الإصلاح المتعلقة بالمخطط الاستعجالي الذي رفع شعارات من قبيل الجودة والنجاح، وهو ما لم يتحقق مع شديد الأسف والحسرة. وحديث جلالة الملك عن المنظومة التربوية جاء في سياق الحديث عن الشباب الذي اعتبره الثروة البشرية الحقيقية للوطن، بل اعتبره طليعة القوة الحية للأمة، وبسواعده وابداعاته تتحقق أهداف الأوراش الكبرى التي أطلقها جلالته من أجل بناء نموذج المجتمع المغربي المتميز بهويته والقائم على التضامن بين كل فئاته على أساس المواطنة بما تعنيه من حقوق وواجبات في ظروف التحولات التي يعرفها المجتمع مع التشبث بثوابت الهوية الوطنية، ومع الانفتاح على القيم الكونية .

كما جاء حديث جلالته عن المنظومة التربوية في سياق تجربة الديمقراطية التمثيلية والتشاركية ، حيث صار من الواجب على الشباب الانخراط في هذا الخيار الاستراتيجي عن طريق تأهيله وإعداده للمستقبل. ولهذا الغرض تناول جلالته المنظومة التربوية بالحديث والنقد أيضا لأنها هي المسؤولة عن تكوين أجيال المستقبل الصاعدة لتندمج في المسار التنموي الديمقراطي للمجتمع. وقد جعل جلالته المنظومة التربوية في صدارة الاسبقيات الوطنية. ولا يريد جلالته لهذه المنظومة أن تقف عند حق الولوج العادل والمنصف إلى المدرسة والجامعة على أساس تكافؤ الفرص والمساواة، بل يريد لها أن تتعدى ذلك إلى حق الاستفادة من تعليم موفور الجدوى والجاذبية والملائم للحياة التي تنتظر أجيال المستقبل. كما أن جلالته يريد تعليما يمكن الشباب من تطوير ملكاته واستثمار طاقاته الإبداعية وتنمية شخصيته للنهوض بواجبات المواطنة في مناخ الكرامة وتكافؤ الفرص، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد سمى جلالته هذا التحدي الأكبر الذي تفرضه الظرفية الحالية.

وطالب جلالته بالعمل على ما تمت التوصية به خلال السنوات الأخيرة من جودة ونجاح للتعليم، وهو ما توخاه الدستور الجديد أيضا من خلال الدعوة إلى تعليم عصري وجيد. ولم يكتف جلالته بانتقاد المنظومة التربوية بل خطا نحو الاقتراحات والتوصيات وعلى رأسها إعادة النظر في مقاربة إصلاح المنظومة التربوية، وذلك من خلال الانتقال من منطق التركيز على المدرس وأدائه وكذا منطق تلقين المعارف إلى منطق تفاعل المتعلمين مع هذه المعارف وتنمية قدراتهم الذاتية، وإتاحة الفرص لهم للإبداع والابتكار واكتساب المهارات، مع منطق التعايش مع الآخر إلى جانب التزام قيم الحرية والمساواة، واحترام التنوع والاختلاف.

وحتى لا يساء فهم التوجيهات الملكية السامية القاضية بمراجعة المنظومة التربوية نص جلالته على أن الأمر لا يتعلق بمجرد تغيير البرامج من خلال الإضافة أو الحذف، بل يتعلق بتغيير نسق التكوين وأهدافه من خلال إضفاء دلالات جديدة على عمل المدرس لتمكينه من القيام برسالته النبيلة، وهو ما يقتضي الانتقال من منطق شحن الذاكرة ومراكمة المعارف إلى منطق صقل الحس النقدي للمتعلمين وتفعيل ذكائهم. وبعد الملاحظات والانتقادات المتعلقة بالمنظومة التربوية التي جاءت في نص الخطاب الملكي السامي توجه جلالته إلى الوزارة الوصية بأمر ملكي يدعوها فيه إلى العمل في الاتجاه الذي أراده لهذه المنظومة التربوية، وهو التركيز على النهوض بالمدرسة العمومية إلى جانب تأهيل التعليم الخصوصي في إطار التفاعل والتكامل بينهما. وأمر جلالته بتفعيل مقتضيات الدستور بخصوص المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في صيغته الجديدة .

والسؤال المطروح هل ستستوعب الوزارة الوصية مضامين هذا الخطاب الملكي السامي الذي تضمن معالم إصلاح المنظومة التربوية بشكل جلي؟ وهل ستفكر هذه الوزارة في الانتقال من منطق مراكمة المعارف وشحن الذاكرة كما سماها جلالته إلى منطق صقل الحس النقدي؟ وهل سيشمل الإصلاح نسق التكوين وأهدافه؟ أم أن الوزارة الحالية ستعود إلى عادة سابقاتها وهي تجريب تغيير البرامج والمناهج زيادة ونقصانا، وهو ما لم يقصده الخطاب المكلي السامي بعملية إصلاح المنظومة التربوية ؟ ومن الواضح أن نقد جلالة الملك للمنظومة التربوية كان جليا من خلال أمره بالنهوض بالمدرسة العمومية، حيث لا يجب الحديث عن النهوض إلا إذا كان السقوط وهو واقع الحال مع شديد الأسف والأسى، وكذلك من خلال أمره بتأهيل التعليم الخاص حيث لا يجب الحديث عن التأهيل إلا إذا كان الاختلال ، وهو أيضا واقع الحال مع شديد الأسى والأسف.

وليس من قبيل الصدفة أن يتحدث جلالة الملك عما سماه الخيار الاستراتيجي وهو خيار الديمقراطية التمثيلية والتشاركية . والسؤال المطروح : هل الوزارة الحالية تهضم جيدا مفهومي الديمقراطية والتشاركية، وهي التي قدمت لحد الآن أداء ليس بينه وبين هذين المفهومين أدنى صلة حيث عادت الوزارة إلى العهود الغابرة من التسيير الأحادي المستبد الذي يقصي الشركاء، ويمارس عليهم القمع بحيث لا يكاد الشركاء ينبسون ببنت شفة في أمر من أمور المنظومة التربوية إلا وسل الوزير عليهم سيف لسانه الحاد، وهو يتوعد ويهدد، وكأن الأمر يتعلق بخوض حرب مسلحة وليس بمناقشة قضية منظومة تربوية يعتبرها جلالة الملك شغل الأمة قاطبة قبل أن تكون شغل وزير، وهي قضية صدارة في أولويات الوطن.

وفي اعتقادي أنه من أولويات الانتقال من منطق المراكمة العديم الجدوى إلى منطق الابداع وإطلاق حرية القدرات والمهارات والابتكار القضاء على منطق الوزارة الحالي المراكم للتدبير السلطوي البائد الذي يشل كل ابداع. وليس القضاء على هذا المنطق المفلس سوى إحالة السيد الوزير الحالي على تقاعد شبيه بتقاعد المشير المصري طنطاوي، وجعل الوزارة بيد وزير شاب يؤمن بمنطق الشراكة مع كافة الشركاء، ويراهن على الابداع والابتكار عوض الرهان على الاجترار كما هو حال الوزير الشيخ الذي لولا الصباغة المحرمة شرعا لضحك المشيب برأسه وبكى. وما أظن أن وزيرا من العهد الماضي الذي دفن مثله الروائي عبد الكريم غلاب قادر على النهوض بالمدرسة العمومية ولا على تأهيل المدرسة الخصوصية من خلال اعتماد سياسة التهديد بالعزل والإغلاق والملاحقة والطرد والويل والثبور وعواقب الأمور.

فالمنظومة التربوية في حاجة إلى وزير يطلق خطوط خضراء للاستشارة والتشارك لا للإيقاع بالشركاء وتهديدهم . إن الخطاب الملكي السامي يعد أرضية خصبة لوضع برنامج إصلاح حقيقي للمنظومة التربوية، لأنه جامع مانع ويتميز ببعد النظر، وبعد التقدير والحساب والتوقع، وهي فراسة ملك شاب لا تخطىء، و لا بد أن تجد ضالتها في وزير شاب قريب من ذهنية الشباب بعيد عن الماضي الجدير بالدفن خصوصا عندما تكون عملة الوزير الحالي التي يتعامل بها مع قطاع التربية كورق أهل الكهف والرقيم. ونأمل أن ينكب الباحثون على دراسة ما جاء في هذا الخطاب الملكي التاريخي من أجل وضع ميثاق تربوي بديل عن الميثاق السابق الذي لم يراوح شعاراته التي لم تعرف شيئا اسمه الأجرأة على أرض الواقع المعيش والملموس. ونأمل أن يرقى طموح المسؤولين عن قطاع التربية إلى طموح هذا الملك الشاب الذي يعطي يوميا دروسا في المواطنة لكل المواطنين.

هل الوزارة الوصية عن الشأن التربوي عندنا في مستوى التوجيهات الملكية السامية للنهوض بالمدرسة العمومية وتأهيل التعليم الخاص؟؟؟
هل الوزارة الوصية عن الشأن التربوي عندنا في مستوى التوجيهات الملكية السامية للنهوض بالمدرسة العمومية وتأهيل التعليم الخاص؟؟؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz