هل الادماج بيداغوجيا أم مجرد إطار منهجي لتصريف بيداغوجيا ؟

18674 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة 1 نونبر 2011، 

يدور حاليا ، وبعد مرحلة تعميم الإدماج في السلك الثانوي الإعدادي جدل كبير بين المشتغلين بالبيداغوجيا حول وصف الإدماج بنعت البيداغوجيا . والمعلوم أن مفهوم بيداغوجيا ، ومنذ القدم يحيل على مجموع إجراءات مختلفة تهدف إلى تدبير كيفية نقل الناشئة من طور طبيعي إلى طور ثقافي وفق فلسفات تربوية تعتمدها المجتمعات البشرية . ومفهوم بيداغوجيا يحيل على مجموع إجراءات في المؤسسات التعليمية ترتبط بالطرائق . وهذا المفهوم أيضا له جانب نظري يمكن اعتباره عقيدة تربوية ، وآخر عملي ينزل هذه العقيدة تنزيلا على أرض الواقع . والبيداغوجيا في نهاية المطاف نظرية لتحقيق التربية . ولا يمكن إطلاق مفهوم بيداغوجيا على كل إجراء منفصل يدخل ضمن دائرة مجموع إجراءات تكون مجموعة البيداغوجيا . وإذا ما تداول المشتغلون بالبيداغوجيا فيما بينهم عبارات من قبيل : البيداغوجيا الفعالة ، أو البديلة ، أو المقارنة ، أو التعاقدية ، أو العلاجية ، أو بيداغوجيا التنشيط ، أو اتخاذ القرار ، أو حل المشكلات ، أو الاستكشاف ، أو بيداغوجيا الخطأ ، أو المشروع ، أو الدعم ، أو البيداغوجيا الفارقية ، أو الموسوعية ، أو التجريبية ، أو المؤسساتية ، أو المندمجة ، أو المفتوحة …. إلى غير ذلك من النعوت الموصولة بمصطلح بيداغوجيا ،فإن ذلك لا يعني وجود كل هذا الكم الهائل من البيداغوجيات، بل يحيل على مختلف الإجراءات التي يمكن أن تعتمد في بيداغوجيا واحدة بالمعنى الدقيق لمفهوم بيداغوجيا . والملاحظ في اقتران مصطلح بيداغوجيا بهذه النعوت والصفات ،أنه إنما يقترن بعدة إجراءات مختلفة تتسع وتضيق حسب طبيعتها ، مما يعني أن كل هذه الإجراءات لا يمكن أن تكون كلها بيداغوجيات كما أسلفنا ،بل الأحرى أن تكون عائلات من الإجراءات التي تخدم بيداغوجيا ما بالمفهوم الذي مر بنا . وحتى ما يجمع أهل التخصص على أنه بيداغوجيا كما هو الشأن بالنسبة لبيداغوجيا الكفايات ، إنما هي وريثة بيداغوجيات سبقتها زمنيا كبيداغوجيا المضامين أو المحتويات ، وبيداغوجيا الأهداف حيث لا يمكن الوصول إلى بيداغوجيا الكفايات إلا عبر المرور على بيداغوجيا المحتويات وبيداغوجيا الأهداف . وعند التحقيق نجد أن بيداغوجيا المحتويات ، وبيداغوجيا الأهداف تمثل ركنين أساسيين من أركان بيداغوجيا الكفايات، وهو ما يعكس التكامل بين هذه البيداغوجيات من أجل تحقيق صيغ المساعدة على تدبير نقل الناشئة من الوضع الإنساني الطبيعي إلى الوضع الإنساني الثقافي ، وفق اختيارات المجتمعات البشرية من أشكال ثقافية مختلفة بخلفيات عقدية أو فلسفية متباينة . وانطلاقا من هذا التصور ، لا يمكن اعتبار إجراء الإدماج بيداغوجيا ، وهو مجرد عملية تعني الربط والتنسيق بين الموارد ، إلا إذا كان الأمر يتعلق بإطلاق الجزء على الكل حسب التعبير البلاغي . والقضية في حقيقة أمرها أن المقاول البلجيكي كزافيي روجرز اقترح إجراء الإدماج على بيداغوجيا الكفايات لقياس نموها . وهذا يعني أن هذا الإجراء يرتبط بعنصر التقويم الذي تسبقه إجراءات كثيرة ، كلها تدخل ضمن دائرة البيداغوجيا . ولا يعقل أن نختزل البيداغوجيا في 8 أسابيع سنويا تسمى أسابيع الإدماج تعرف إجراءات الإدماج وتقويمه ، ومعالجة ما يترتب عن تقويمه من تعثرات . وكل ما يمكن قوله أن إجراء الإدماج يهدف إلى قياس مدى نمو الكفايات بشكل سليم ، وهو بذلك إجراء تقويمي بحث . ومشكلة هذا الإجراء التقويمي بالنسبة لمنظومتنا التربوية هو أن منهاجنا الدراسي لا يستجيب بمرونة لتنزيل إجراء التقويم هذا ، وهو بالنسبة إليه كالراب مع الربيب ، لا هو ابنه من صلبه يحمل خصائصه ، ولا هو غريب عنه ، ومستقل بذاته. ولقد ظهرت مشكلة عدم تناغم إجراء الإدماج مع منهاجنا الدراسي خلال حلقات التكوين المستمر في موسم تعميم هذا الإجراء بالتعليم الثانوي الإعدادي ، حيث كشف النقاب بشكل واضح عن استعصاء المنهاج الدراسي الحالي على هذا الإجراء ، الذي كشف أن هذا المنهاج يتبنى توزيع الموارد في غياب التخطيط بالمعنى الدقيق للتخطيط . ومعلوم أن إجراء الإدماج يتوقف على مدى حضور التخطيط فيما يسمى أسابيع إرساء الموارد، إذ لا يمكن إدماج ما لم يرس أولا ، وما لا يتسق أو يقبل الاتساق والتناغم ثانيا . وخلال محاولة تنزيل إجراء الإدماج على المنهاج الدراسي ، الأمر بدا وكأنه ثوب قد تم قده على غير مقاس، أو هواقتناء لباس جاهز لا يراعي المقاس ، ويلبس على علاته وعيوبه . وعندما باشر المدرسون التخطيط المطلوب في فترة ما يسمى فترة إرساء الموارد، اكتشفوا طبيعة بناء المنهاج الدراسي ، وهو ليس بالاكتشاف الجديد ، وإنما كرسته عملية التعامل مع إجراء الإدماج . فالتوزيع الذي يعتمده المنهاج للمقررات والبرامج أقرب إلى الاعتباطية والعشوائية منه إلى التخطيط الدقيق . وإجراء الإدماج الذي راهنت عليه الوزارة الوصية، وملأت بسببه جيب المقاول البلجيكي وسماسرته من الأجانب وغير الأجانب ، وأهدرت بسببه مال الأمة فيما لا طائل من ورائه في اعتقادي ، قد فضح عيوب منهاجها الدراسي ، وأعادها إلى نقطة البداية ، وهي الوقوف وجها لوجه أمام أزمة التربية من جديد بعد مسلسلين إصلاحيين ، وهذه الأزمة تعزى إلى عملية إخضاع الناشئة لمنهاج أعد عشوائيا ، وجاء إدماج موارده التي تمت مراكمتها بعشوائية عشوائيا أيضا ، ومثيرا للسخرية والشفقة في نفس الوقت. والوزارة الوصية التي استنجدت بقماش البلجيكي الحاسرلستر عورتها ،وجدت نفسها في لباس أكثر كشفا للعورة مما كانت عليه من قبل . ولعل وصف الوزارة لهذا الإجراء بالبيداغوجيا يدخل ضمن سياسة ذر الرماد في العيون أو التهويل من شأن المخطط الاستعجالي الإصلاحي الذي لن يكون أكثر من نسخة مكررة لعشرية الإصلاح الفاشلة ، والتي صلت عليها الوزارة صلاة الغائب من قبل . ولن يزيد نفخ الوزارة في إجراء الإدماج ، ولا نفخ صاحب البضاعة البلجيكي ، ولا سماسرته قيمة أكثر من قيمته ، والمثل المغربي يقول : ” الفيش أو الفشر ما يزيد في الرجولة ” . ولنا عودة إلى موضوع تهافت إصلاح المنظومة التربوية الموبوءة من خلال مرهم ما يسمى بيداغوجيا الإدماج عن طريق شواهد المعاينة الميدانية البعيدة عن كل مزايدة ، و التي لا يرقى إليها الشك ، وما تجتمع أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على ضلال أبدا .

هل الادماج بيداغوجيا أم مجرد إطار منهجي لتصريف بيداغوجيا ؟
هل الادماج بيداغوجيا أم مجرد إطار منهجي لتصريف بيداغوجيا ؟

محمد شركي

اترك تعليق

1 تعليق على "هل الادماج بيداغوجيا أم مجرد إطار منهجي لتصريف بيداغوجيا ؟"

نبّهني عن
avatar
MUSA TOGHOZ
ضيف

وجد:
ووجد يشغل الفكر بسهر الليل من وقعه
فحلو الحلم ما ضر بحب كلّه لوعه
لتبقى شدّة الحب بلا قطع الأمل معه
لفي حزن مع الشكوى مناجاة لإدراكه

‫wpDiscuz