هكذا تصنعون طواغيتكم/وجدة: محمد طاقي

14999 مشاهدة
في قول لابن عباس رضي الله عنه: “صنفان من أمتي إذا صلُحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء”

يقول نجيب الكيلاني في روايته الشهيرة “عمر يظهر في القدس”، إن صناعة الراعي من صنع الرعية، أي أن شخص السلطة هو من صنيع الجماهير، وتعد نفسية المحكومين قريبة من نفسية الحكام، فلولا قاعدة شعبية متخلفة مقهورة ما استطاع مسؤول أو رئيس في الجثم على نفوس العباد، بمعنى لولا نفسية وطباع الناس بقبول الوضع والرضوخ للواقع لما تأسست عقلية تقبل بكل ما هو مفروض بقوة القهر والتخويف، كما سماها مالك بن نبي” القابلية للاستعمار” في قبول توافقي بين الحاكم والمحكوم فالأول يفرض الاستبداد والطغيان ، أما الثاني الرضوخ والقبول والاستسلام له. بغض النظر عن الجدلية القائمة في تغيير الحال أهو من فوق أم من تحت؟ أهو تأثير القمة على القاعدة، أم العكس؟! فالإمام علي رضي الله عنه يصف حال السلاطين بعد فساد الناس بقوله: “يكون السلطان بمشورة النساء وإمارة الصبيان وتدبير الخصيان”.لأن ضعف الناس وفشلهم يقوي عليهم حكامهم، بل قد يكون هذا الشعب هو من قوّاه واستأسده على رقابهم. كما وصفها الرئيس البوسني “علي عزت بيكوفيتش” حينما دخل لصلاة الجمعة وهو متأخر ففتح له الناس الطريق إلى أن وصل الصف الأول، لأنه من عادته يصلي في الصفوف الأمامية، فاستدار للمصلين، فقال قولته الشهيرة ” هكذا تصنعون طواغيتكم” .فهذا المسؤول هو الحاكم والراعي والوزير والملك والرئيس والمدير…، لن يتجرأ بتكبره وسطوته على الخلائق ما لم يرى هؤلاء أنفسهم عبيدا، ويرى هو في المقابل نفسه سيدا، وهذه فطرة النفس في التحكم والتسيد يزكيها عدو البشرية إبليس في نفوس الحكام حتى تصدقها أعمالهم ويرضخ لها من هم تحتهم، وها هو علي رضي الله عنه بحكمته الفذة حيث قال:” كما تكونوا يولى عليكم” فكما يكون الناس يكون الحكام، فهذه الحكومات من هذه الشعوب وهؤلاء السلاطين من أولائك الناس، لأن تغيير الأوضاع من تغيير الأنفس لقوله تعالى:” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، فلا يكفي صلاح الفرد ، أنت ، هو، هي…، ألستم صلحاء إلى حد ما. لكن الآية خاطبت القوم، أي أن الصلاح والتغيير يكون من القوم والمجتمع والأمة، فلا يكفي الصلاح في الأفراد كشرط لصلاح القوم لأن الصالحين ما أكثرهم، لكنهم إذا رأوا منكرا أو فسادا شجعوه بصمتهم، وغضوا الطرف عن كل المنكرات، فالصلاح إذا كان واجبا ومطلوبا فإن الإصلاح أوجب منه.فحديث النبي صلى الله عليه وسلم:” الساكت عن الحق شيطان أخرس”، فما قيل هذا الحديث اعتباطا، باعتبار الساكت مشارك في الفساد بسكوته وسلبيته، نفس الشيء يحدث في ما يسمى بالانتخابات والتصويت، حيث يبيع الناس أصواتهم وذممهم بالمال ومن خلال تقديم هذا المال يصل الفاسدون للسلطة والمسؤولية..، لقد أثبتت التجربة أن مستوى الوعي السياسي لدى الناس مرتبط ببيع الذمم والتصويت على من يدفع أكثر، لهذا فتدبير الأمور يكون في يد سماسرة يشترون مناصبهم السياسية بالجاه والمال، بل إن من يطلب المسؤولية بالمال وشراء الرقاب هل بعد ذلك يرجى منه الخير، فكيف لا، وقد كان من يطلب الزعامة يلاقي معارضة وتعطى لمن استنكرها..فالخير كل الخير ما دام الخير موجودا في الراعي الأول وبطانته، فلا خير في شعب لا خير في حُكامه، من هنا تنص حكمة قديمة: “إن لله عبادا إذا أرادوا أراد”، فإرادة الشعوب فوق إرادة الحكام، لاسيما إذا استفحل بها الظلم والاستبداد فإنها تكون ملبية لنداء الحرية مهما استقوى تجبر المتجبرين وطغيان الطغاة، ومهما تغير جلاد بجلاد آخر.فقضية الحق والعدل باقية لن تموت ما زالت تنبض في ضمائر الناس، “فالأمة التي لا يشعر كلها أو جلها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية” كما عبر بذلك عبد الرحمان الكواكبي.فالحرية لا تهدى إلا لمن طلبها وضحى لها، فمن ضحى ليس كمن طلبها وتمنى على الله الأماني، فلا شهد أو عسل ما لم تلمس خلي النحل، ولا ماء في صحراء الظلم ما لم تحترق الأجسام بحرّ الجبروت.وإذا كان كثيرا ما يردد في ثقافة الحقوق عبارة من قبيل :” الحق يؤخذ ولا يعطى”، وأن صعوبات القيام بالإصلاح وعمليات التغيير تفرض نفسها على واقع الناس علميا وعمليا، إضافة للتحديات الأخلاقية والتربوية القائمة. فإن الإصلاح لن يتم ولن يكون إلا بإصلاح المجتمع ككل، فعبارة المرشد “حسن البنا” الزعيم السابق للإخوان المسلمين في مصر تبين حقيقة هذا الطرح، حيث قال: “ابنوا دولة الإسلام في أنفسكم تقم على أرضكم”، فهذه القولة تشرح الآية السابقة في تغيير الأنفس لأن إصلاح الأنفس نتيجة حتمية لإصلاح الواقع.وهكذا بناء على ما سبق لا تغيير ولا إصلاح بدون ضريبة وبدون تضحية، لأن ما نراه الآن في فرنسا من حقوق قد وصلت إليها، مقارنة مع ما نحن فيه، جاء بعد ثورات كثيرة وكبيرة حصدت عشرات الآلاف من الأنفس.و ما يلاحظ الآن عن الشعوب من عبثية وفوضى وانحطاط وتخلف كنتاج ذاتي من جهة، وبسبب عوامل خارجية من جهة أخرى، إذ أن البعض يسعى فيها على حراسة التخلف والحفاظ على هذا النوع من العبثية في صفوف الناس ببرامج ومشاريع مفروضة تحافظ على بقاءهم مستفيدين من حالة الوضع الفاسد.ولا يتبادر للأذهان أن هذه العبثية كما قد يصور لدى كثير من القراء، أنها عبثية بما قد تحمل الكلمة من معنى، إنما هي في الحقيقة عبثية منظمة وممنهجة موجهة لعقول وأرواح الشعوب كما عبر عنها بعض المفكرين بما يسمى “الفوضى الخلاقة”، وفق برامج تعليمية وإعلامية تافهة في مضمونها منمقة وبراقة في شكلها، وهذا يشكل تحديا أكبر ينضاف للتحديات الأخرى في صعوبة تغيير حال فاسد بحال حسن، ولكنه لا يعني في نفس الوقت أن الأمر مستحيل لا يستطيع فيه المصلحون صناعة شعب صالح يتفاعل مع حكام صالحين يقع بينهما تقويم ذاتي تلقائي ما إن يحدث زيغ في أحدهما.فالمطلوب منا تربية نشأ واعي وجيل لا يرضى الذلة ولا المهانة، ورجال يصنعون التغيير يحتكمون للعدل وإحقاق الحق، ولا يكونوا فينا مثل ما جاء في الآية الكريمة: “وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون”.أما القصة الشهيرة التي سأذكرها، هي في رأيي تحكي واقع حالنا، وأعتقد أنها قصة رمزية، مفادها: “أن قرية كان يحكمها أمير طاغية وكان يربي فيلا ضخما يستفيد من ماء وكلأ القرية يوما، ويستفيد سكان القرية من المشرب والمأكل يوما آخر، وذلك بالتناوب، فذهب السكان لعالم جليل يحتجون على وضعهم السيئ، فلما أجمعوا أمرهم، ذهبوا لقصر الأمير، فقال قائد الحرس، ماذا أتى بكم؟ وكان العالم الجليل يتقدم الناس، فقال نريد الأمير، فلما دخل العالم إلى الأمير، قال الأمير: ماذا تريد؟فاستدار العالم ملتفتا ظنا منه أن سكان القرية وراءه، فلم يجد وراءه إلا الخواء، فقال كي ينقذ نفسه من هذه الورطة: إن السكان يطلبون من جلالتك فيلة لهذا الفيل..”وأصبح بهذا يضرب مثلا بالعامية “مكفهمش فيل زادوا فيلة”. وللقارئ واسع النظر.

Tagui Mohammed :: طاقي محمد
Tagui Mohammed :: طاقي محمد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz