نيابة جرادة : دﻻلة الدعم أو التصحيح أو المعالجة و واقعها في منظومتنا التربوية

17468 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : جرادة 2 نونبر 2011، استدعيت على عجل من أجل تأطير حلقة من حلقات التكوين بنيابة جرادة ، دون أن تمدني الجهة المعنية بمصوغة على غرار مصوغات حلقات التكوين المستمر ، ودون أن يطلب مني اقتراح مصوغة ما، الشيء الذي حال دون حضوري، احتراما للفئة المستهدفة بهذا التكوين ، واحتراما للتكوين الذي كاد يصير مستباحا لكل من هب ودب طمعا في ممضوغاته ، ومستحقاته ،وبنهم غير مسبوق يدعو للاسف الشديد . ولقد أخبرت الجهة المعنية في آخر لحظة أنني لست ممن يمارسون التكوين على طريقة القراد الذي ﻻ يجد ما يتحف به المتفرجين فيعتمد على قرده لخلق الفرجة .

وحرصا مني على تنوير الفئة المستهفة بهذا التكوين ، ارتأيت تقديم هذه المحاولة المتواضعة في تقريب دﻻلة الدعم منهم عبر هذا المنبر اﻹعلامي لتعميم الفائدة ، وﷲ من وراء النية والقصد ، وما التوفيق إﻻ به جل شأنه .

من العبارات الشائعة في الحقل التربوي عبارة بيداغوجيا الدعم . والحقيقة أن هذه التسمية ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها، حيث يقرن مصطلح بيداغوجيا بمجرد إجراء من ضمن مجموعة إجراءات من المفروض أن تمثل مجموعة البيداغوجيا ، وﻻ يكون كل إجراء على حدة بيداغوجيا ، وإﻻ صرنا أمام العديد من البيداغوجيات بعدد هذه اﻹجراءات . وهنا أذكر بما سبق أن قلته عن بيداغوجيا اﻹدماج ، فهي مجرد إجراء يدخل ضمن بيداغوجيا الكفايات ،وليست بيداغوجيا ، تماما كما أن الدعم مجرد إجراء يدخل ضمن بيداغوجيا ما أيضا . ويأتي بيان ذلك بعد مقاربة المصطلح ، وقبله ﻻ بد من تمهيد لغوي صرف .

الدعم لغة إسناد الشيء ، وتقويته ،وتقديم العون له . والدعمة ،والدعام ، والدعامة جمع دعم ـ بكسر الدال و فتح العين ، أو بضم الدال والعين معا ـ والدعائم والدعامات عبارة عن أعمدة أو أخشاب تستعمل في البيت أو الخيمة أو العريش . ومن ثم سمي النجار الدعمي . ومعلوم أن إسناد الشيء أو تقويته أو تقديم العون له إنما يكون بسبب ضعف، أو عوج ،أو علة ، لهذا يقترن الدعم بالعلاج أو المعالجة ، وهو لغة الممارسة والمزاولة لهذا تقول العرب أنا صاحب ظهر أعالجه ” .وممارسة مداواة المريض تسمى علاجا ومعالجة أيضا . وقريب من ذلك التصحيح ، وهو إزالة مرض المريض ليصح ، وكذا إزالة سقط الشيء المعوج ،كقولهم صحح الكتاب إذا أزال سقطه . ومن ثم تأتي صحة الخبر ، وهو ذهاب سقطه ، وثبوته ،ومطابقته للواقع .أما الدعم اصطﻼحا ، وفي المجال التربوي ،فهو عبارة عن مجموع إجراءات ،وتقنيات تهدف إلى تصحيح التعثرات في المجال الدراسي ،بعد الكشف عنها بواسطة أنواع التقويم المختلفة . والدعم أيضا عبارة عن استراتيجية تهدف إلى تحقيق التقليص بين أهداف التعلم ونتائجه . ومعلوم أن التعثرات هي كل ما يحول دون التعلم الصحيح ،أو دون إبراز المهارات ، ومن ثم يحول دون نمو الكفايات ، ومن ثم يحول دون النمو التربوي السليم . ويتوقف الدعم أو المعالجة أو التصحيح على إجراءات سابقة له ،تتمثل أوﻻ في تشخيص التعثرات عن طريق قياسها عبر وسائل التقويم المختلفة . ولهذا يرتبط الدعم بالتقويم ارتباطا جدليا بحيث أنه يتأثر به ويؤثر فيه . والدعم باعتبار مراحله ثلاثة أنواع :

1 ـ دعم أولي وهو دعم المنطلقات ،

 2 ـ دعم السيرورة ،

 3 ـ والدعم اﻷولي أو القبلي يكون على إثر التقويم التشخيصي على غرار ما تقوم به الوزارة الوصية من خلال ما يسمى تقويم المستلزمات. ودعم السيرورة هو كل دعم مصاحب للتعلم ، ودعم النتائج هو عبارة عن دعم بعدي. والدعم باعتبار الجهات التي تمارسه نوعان : دعم بيداغوجي داخلي أساسي يدخل ضمن دائرة المناهج الدراسية ، وتقوم به المؤسسات التربوية ، ودعم غير بيداغوجي خارجي تكميلي ،تضطلع به المؤسسات غير التربوية. والدعم البيداغوجي بدوره أنواع دعم مؤسساتي وهو عام وشامل ، ودعم فصلي أي يكون داخل الفصول الدراسية وهو خاص ومتخصص . والدعم المؤسساتي يتجلى في عدة إجراءات منها على سبيل الذكر ﻻ الحصر المبادرات الهادفة إلى تشجيع التمدرس ،كما هو الشأن بالنسبة لمبادرة مليون محفظة ، وما يشابهها من إجراءات الدعم المادي واﻻجتماعي. ومن إجراءات هذا النوع من الدعم أيضا المساعدة السيكولوجيا للحاﻻت المرضية سواء النفسية أو العضوية ،التي تحول دون التحصيل السوي ، وتكون سببا في التعثرات الدراسية . ومن إجراءات هذا النوع من الدعم أيضا كل اﻷنشطة المؤسساتية من أنشطة ثقافية ،ورياضية ، وفنية ، ورحلات ، وخرجات ،زيارات ، وسياحات ….. أما الدعم الفصلي فهو مختلف اﻹجراءات الهادفة إلى عمليات التصحيح المصاحب للتعلم سواء كان فوريا أم متراخيا، من أجل تقليص الفوارق الكمية والكيفية بين المطلوب من التعلم ، والمنتوج عنه ، وبعد قياس هذه الفوارق عبر إجراءات التقويم المختلفة كما وكيفا.

وإذا ما تأملنا واقع الدعم في مؤسساتنا التربوية نﻼحظ ما يلي :

ـ شبه غياب لبرامج الدعم المؤسساتي بسبب غياب مشاريع المؤسسات

ـ غلبة اﻹجراءات الشكلية على الممارسة الفعلية للدعم ،كما هو حال تقويم المسلتزمات الدراسية التي تستهدف الدعم والمعالجة القبلية ، فهذه اﻹجراءات لم تبارح مرحلة التعبئة الورقية بسبب غياب انخراط المعنيين فيها من متعلمين ومدرسين.

ـ ظاهرة التحايل على الدعم من أجل استكمال جداول الحصص الناقصة دون وجود دعم حقيقي على أرض الواقع .

ـ تبني ما سمي بيداغوجيا اﻹدماج من أجل تحقيق الدعم والمعالجة لتنمية الكفايات، وهي معالجة ﻻزالت رهن التجريب ، ومن السابق للاوان الجزم بفعاليتها.

ـ التباس الدعم الفصلي بإجراءات التعلم على اعتبار أن الدعم معالجة بعد التعثر ، وﻻ يمكن الحديث عن التعثر إﻻ بعد استكمال التعلم . والتعلم أصلا يﻼبسه التعثر، ويزول التعثر بالتعلم ، وبقدر ما يكون التعلم يكون زوال التعثر. أما التعثر المستوجب للدعم والمعالجة ، فهو الذي يأتي على إثر الكشف عن عوائق حصول التعلم بداية أو سيرورة أو نتيجة .

ـ التباس الدعم غير البيداغوجي بالدعم البيداغوجي ،حيث تمثل ما يسمى الدروس الخصوصية أو الدروس المدفوعة اﻷجر، أو بالمقابل دعما هو في حقيقة أمره بيداغوجيا ، ولكنه يحسب على غير البيداغوجي . فكل اﻷنشطة التعليمية التي تنجز خارج المؤسسات الدراسية بالمقابل أو بالتطوع هي من صميم أنشطة المؤسسات التربوية ،لهذا ﻻ يمكن تسميتها بالدعم غير البيداغوجي الذي يفترض فيه أن تكون إجراءاته غير مدرسية ، وﻻ تمت بصلة للمنهاج الدراسي ، وتكون بمثابة دعم للاجراءات المدرسية . ويدخل ضمن هذا الدعم ما يسمى التأليف الموازي للتأليف المدرسي ، وهو كل الوثائق التي ترتزق باﻹجراءات شبه المدرسية ، ويكون هدف أصحابها ماديا صرفا مموها عليه ، و ﻻ يمت بصلة للتربية .

ـ غياب الدعم غير البيداغوجي الذي تضطلع به وسائل اﻹعلام المختلفة ، ومؤسسات المجتمع المدني خصوصا الجمعيات. فمع وجود ما يسمى قنوات التعلم فلا زال الدعم الناتج عنها دون أثر مملموس . كما أن غير هذه القنوات ﻻ تسهم في هذا الدعم ، علما بأنه بإمكانها أن توظف مختلف البرامج بما فيها اﻷفلام والمسلسلات ومختلف اﻷنشطة لتحقيق الدعم عوض اﻻشتغال باﻷفلام والمسلسلات المدبلجة ، واﻷنشطة الفارغة ،وغير الهادف التي تكون سببا مباشرا في التعثرات الدراسية المستوجبة للدعم .

ـ غياب المصاحبة الراشدة والواعية من المربين لتعامل المتعلمين مع وسائل تحقيق الدعم ،كما هو الشأن بالنسبة لمواقع الشبكة العنكبوتية التي يحال عليها المتعلمون من طرف المربين باستمرار بغرض الدعم والمعالجة .

ـ فقر حلقات التكوين المستمر الخاصة بموضوع الدعم ، واقتصارها على الجانب الدعائي واﻹشهاري.

فأمام هذا الوضع غير السوي في اعتقادي ـ وأقول ذلك بدون مزايدة ، وبدافع الغيرة الصادقة ـ ﻻ بد من مراجعة إشكالية الدعم خصوصا مع وجود مديرية الدعم لدى الوزارة الوصية .

محمد شركي :: Mohammed Chergui

نيابة جرادة : دﻻلة الدعم أو التصحيح أو المعالجة و واقعها في منظومتنا التربوية
نيابة جرادة : دﻻلة الدعم أو التصحيح أو المعالجة و واقعها في منظومتنا التربوية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz