نموذج جيد للفقه الواقف مقابل نماذج الفقه الجالس

13553 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 12 أبريل 2012، كعادتها تغري مقالات الأستاذ الفاضل السيد رمضان مصباح الإدريسي بالقراءة ، وأكثر من ذلك تفتح الشهية للكتابة ، لأن صاحبها صاحب فكر رصين ، واطلاع واسع ، وخبرة ، ورغبة صادقة في نشر الخير في الأمة . حرك مشاعري مقال الأستاذ الفاضل بعنوان : ” الفقه الواقف الصلاة دعاء ،غرس الزيتون استجابة ”  وهو عبارة عن شهادة مسجلة من طرف مفكر ومرب يحاول تدوين ما نسيه المؤرخون من تاريخ جهة شبه منسية من وطننا العزيز. وأهمية هذه الشهادة الثمينة أنها ترد الاعتبار لحفظة كتاب الله عز وجل الذين ندبوا أنفسهم لخدمة الدين ، يوم كان المحتل يحاول استئصاله من قلوب المغاربة عن طريق غزو فكري وثقافي مهد له الغزو العسكري الصليبي .

ولقد بدأ الأستاذ رمضان مقاله الشيق باستدراك على نسبة العلم للجلوس ، والأصل فيه الوقوف ، وهو استدراك ذكي من رجل كيس وصاحب بعد نظر. ومثل الأستاذ الفاضل للفقه الواقف بالفقيه الجبلي الذي هاجر من شمال المغرب إلى شرقه حيث قبيلة الزكارة ، واشتغل بتحفيظ القرآن الكريم إلى جانب زراعة الزيتونة الشجرة المباركة التي كانت ضحية الخبث اليهودي،  حتى صارت منطقة الزكارة تزخر بالدهن وصبغ للآكلين .

والشاهد عند الأستاذ رمضان أن الفقه عند الفقيه الجبلي لم يكن عبارة عن مجلس ،بل كان وقوفا بين أبناء القبيلة ، ونصحا لهم في دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم . وتأييدا لوجهة نظر هذا الرجل الفاضل الرصين الفكر، الذي لا تستهويه العواطف الدينية المندفعة  والسوقية ، أسوق ما يؤكد صدق رأيه في أن الأصل في الفقه أن يكون واقفا لا جالسا . ومن نماذج الفقه الواقف على غرار فقه الفقيه الجبلي الموجودة بين نماذج الفقه الجالس نموذج فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة ، وعضو المجلس العلمي الأعلى . فهذا  العلامة الفاضل وفد أيضا أهله من جنوب الوطن إلى شرقه ، وكان كل الوافد من الجنوب عبر التاريخ فأل خير على كل ربوع الوطن .

ولقد اختار فضيلته الانخراط في سلك التربية ،لأنه خلق أصلا لهذه المهمة النبوية المقدسة. وحارب الجهل والأمية في المؤسسات التربوية بأحواز مدينة وجدة، وهو يقطع يوميا عشرات الكلومترات على دراجته النارية متحديا قساوة الظروف الطبيعية. ولم يقنع بمهمة التربية،  بل استزاد من طلب العلم بعدما ذاق حلاوته وهو طفل يتردد بين الكتاب والمدرسة .

ولقد عرف  أحوال العلماء منذ نعومة أظافره  وحضر مجالسهم . واعتمد على الله عز وجل ، وعلى عصاميته في طلب العلم ، وخاض غمار الامتحانات الإشهادية  المختلفة ، وتخطاها بنجاح كبير . وضرب أكباد الإبل  كما يقال في طلب العلم ، وكان أول لقاء لي به في جامعة فاس حيث كان يحضر دروس السلك الثالث في شعبة اللغة العربية ، وشهد له علماؤها  الكبار من أمثال العلامة  السوداني الدكتورعبد الله الطيب رحمه الله بالعالمية ، وبالنبوغ .  وما زال كذلك حتى  قدم رسائله في علم اللغة ، وهو صاحب باع طويل فيها . فالعلامة مصطفى بن حمزة لم  يحصل هذه المرتبة العلمية  بفقه الجلوس، بل بالفقه الواقف .

ولم يقف فضيلته عند حد طلب الشواهد كما هي غاية عشاق الألقاب في هذا الزمن ، بل ظل واقفا ، فكان له الفضل في نفض الغبار عن  جيل من الناس  كما كان ينفض الغبار عن الكتب المهملة التي كان يفض عذريتها. وبث حماس الجد في العديد ممن كانت هممهم فاترة ، يقنعون  باليسير من العلم والمعرفة ، وفتح لهم بعصاميته الفذة آفاقا لم تكن تخطر لهم على بال ، وخلصهم من مصير الجمود الذي كان يعاني منه العديد من مثقفي المدينة ومن حولها . ونفض الغبار عن معهد الجامع الأعظم الذي غلق أبوابه المحتل ، وظلت مغلق الأبواب بعد فترة الاستقلال . وكابد من أجل أن تستعيد هذه المعهد دورها العلمي الرائد .

ولم يقعده جلوس الفقه عن الوقوف حتى أخرج  هذا المعهد في حلة جديدة ، وصارت لهذا المعهد روافد في الجهة ، وانتشر خيره في ربوع الوطن، إذ لم يسمع به الأكياس العقلاء إلا وعارضوه معارضة اقتداء . وبث فضيلته نفس الآمال في نفوس الشباب المقبل على حفظ كتاب الله عز وجل ، وخلصهم من عقدة المصير المشئوم ، وهو قراءة القرآن على الأموات ، وهو قرآن  أنزل لينذر به من كان حيا . وفتحت آفاق عريضة أمام حفظة كتاب الله عز وجل ، ومهد لهم السبيل إلى مناصب في الجامعات المغربية  ، وكانوا قبل فقه الواقف لا يحلمون بوضع أقدامهم فيها حيث كانت المقابر محطاتهم النهائية . ولم يقعد المعهد وروافده العلامة  عن الوقوف الدائم  في كل المجالات ،بل  وقف في كل المرافق الاجتماعية متعهدا أهل البلاء من أيتام وعجزة ومرضى ، وأسرى يحكم في الجميع شرع الله عز وجل .

ولم يجلسه المجلس عن الوقوف مع كل ذي حاجة  وذي غبن ممن يطرقون بابه، حتى طمع في وقوفه الطامعون من المحتالين وصناع العاهات كما قال الروائي نجيب محفوظ . ووقوف فقه هذا العلامة لا حدود له ، حيث  شاد صرحا علميا لمدينة وجدة  بالرغم من جيوب مقاومة الجهل والتجهيل فيها من القاعدين الذين  أقعدهم الخمول واليأس والرضا بالقليل من العلم والمعرفة  حيث لا يحسن الرضا . ولئن رضي غير هذا العلامة من المنتمين إلى المجالس في مجال العلم ، وهو ما أنكره الأستاذ رمضان مصباح ، فإن العلامة مصطفى بن حمزة لم يرض يوما القعود أو الجلوس ، بل خلق ليظل واقفا حتى يحين أجله ، ونسأل الله عز وجل أن يمد في عمره ، وفي وقوفه ، لأنه مدرسة قائمة بذاتها على غرار مدارس عظماء السلف الذين تستنير بهم الأمة على مر الزمن .

وأخيرا أضم صوتي إلى صوت الأستاذ الفاضل السيد رمضان مصباح ، وأقول إن العلم لا يحسن به الجلوس ، ومن رغب في القعود ، وهو بين أحضان العلم  صدق عليه وصف الله عز وجل  الذي مثل للقاعد بالعلم بالحمار يحمل أسفارا  لا يفيد منها شيئا بل ينوء بحملها فقط . فكم من جلساء  تهافتوا على العلم رغبة في الجلوس ، وطمعا في الصلة  ، وقصرت هممهم على الوقوف ينوءون بحمل ما يحملون كما تنوء الحمر ولا خير فيهم ، فلا هم غرسوا كما غرس الفقيه الجبلي ، ولا هم شادوا أو نصحوا كما شاد ونصح فضيلة العلامة  ، بل جلسوا للقيل والقال والطعن في الواقفين ، وتجريحهم ، والسخرية منهم  ،سخر الله منهم  وأعد لهم عذابا أليما .

نموذج  جيد للفقه الواقف مقابل نماذج الفقه الجالس
نموذج جيد للفقه الواقف مقابل نماذج الفقه الجالس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz