نعيم الجهل والتخلف/وجدة: محمد طاقي

27532 مشاهدة

كلما كُنْتَ سائرا في طريق المعرفة والوعي كلما زادت أحزانك وهمومك، فالتحرر من الجهل يحتاج الدُربة على الوعي، لأن هناك فرقا شاسعا بين الجهل والأمية وبين الوعي والقراءة. فكم من قارئ بل عالم تخصصه هو جاهل، لأن الجهل لا يعني في مرادفه الأمية أو في مضاده القراءة، إنما القراءة شيء والوعي شيء آخر.
لهذا كيف نفسر الدكتور والجامعي والطبيب والمهندس…، وهم يؤمنون بعوالم الشعوذة وقدرة الأضرحة والأولياء ومسائل أخرى تافهة بل سخيفة في حين هي بالنسبة لهؤلاء عقيدة.. فالشهادة العليا في مجال ما، لا ترفع وعيا ولا تزيل جهلا. باعتبار الوعي إدراك بالواقع يساعدنا في تقديم صورة حقيقية عن الواقع والذات، فالأمي بالحروف لا يعني جهله بالأشياء بقدر ما نعتبر الأمية سببا معرقلا في مسايرة الحياة.إذ نطرح السؤال من حرر عدة بلدان من جحافل الاستعمار؟ ومن بينها بلدنا المغرب، فغالبية المجاهدين كانوا أميين لكن وعيهم كان كفيلا بطرد المستعمر، فلولا الوعي آنذاك ما جاهد أحد مع أن الأمية كانت مرتفعة.فالوعي يساوي فهم طبيعة الصراع، واستيعاب معرفي للنكسة. أما من يسيرون على طريق الوعي والمعرفة محاولين نشرها هم من يدفعون ضريبة التضحية. فالإنسان الواعي لا يمكن أن يعيش بدون كرامة أو يرضى بالذل أو بالظلم له أو لغيره. فالوعي يفرض على صاحبه أن يتنشق هواء الحرية، ويفضل العيش الكريم، والاستقرار والأمن ومحاربة الظلم والفساد. وكأن الوعي في زمن الجهال غم وحصرة وندامة، فالجامعي، والطبيب، والمهندس إلخ.. بصيغة المفرد هو جاهل مرتاح البال ينعم بدخله الشهري السمين حتى وإن كان الواقع من حوله يقبع في العبودية الحديثة والكوارث الإنسانية التي صنعها الإنسان لأخيه الإنسان.ولعل الحياة لا زالت تصدح بتاريخها الذي يتحرك نحو التاريخ ويكتب أن الجهل لا محل له في سطوره، وأن الوعي هو من تذْكُرُهُ تلك السطور ويصنعها إن أراد. فالآن كون المعادلة تعني الزيادة في مستوى الوعي هي زيادة في تحمل المسؤولية التي تؤدي بحاملها في رحلة التيه والهم ثم البحث عن الحقيقة وكذا الأجوبة عن الأسئلة المحيرة التي يطرحها الواقع البشري. وما سبب انتحار أحد الفلاسفة وهو يشرح في رسالةٍ قد تركها من بعده أنه جاء قبل أوانه، تاركا علمه الذي لم يفهمه أحد من زمانه ونَفَضَ الناسُ الغبار عن علمه بعد قرنين من وفاته. فالسير في ركب الوعي مُرهق ارتاح منه الجُهَّال وما أكثرهم فهم لا يعلمون.وقد صدق المتنبي وهو يقول: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.وما الجهل إلا نعمة نحسدهم عليها.

محمد طاقي Tagui Mohammed
محمد طاقي Tagui Mohammed

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.