نظرية التزبيل!! خاص بعمود وجدة البوابة

17068 مشاهدة

طاقي محمد مراسل وجدة البوابة / قبل الحكم على أي إنسان بالتفاهة والفراغ حينما يرمي الأوساخ على الأرض أو يلقيها من نافذة سواء كان ماشيا أو راكبا..، ثم إن كانت الأوساخ صغيرة الحجم أو كبيرة، فإن النظر إلى حجم النفاية ليس مهما بقدر ما هو مرتبط بجسامة السلوك.
إذ لابد من تتبع هذه الظاهرة وتدقيق النظر والمقارنة بين مختلف المجتمعات، والملاحظ أن الشعوب الغير المنتجة والأقل وعيا هي التي تقوم بدور الموسخ والمزبل..، وقلما تجد ميزة المنظف والطهارة في قاموسها وأعرافها، دون السقوط في التعميم على الجميع لوجود قناعات مبدئية هنا وهناك تؤمن بالنظافة والحفاظ على البيئة كمبدأ في الحياة.فرمي الأوساخ على قارعة الطريق حتى لو كان ورقة صغيرة أو غلاف حلوة حقير فهو في الأساس توسيخ، لأن تربية النفس وحملها على عدم وضع النفايات في غير أماكنها المعروفة يعد خللا تربويا إن لم يكن جريمة ضد البيئة وجناية ضد الكون وجريمة تشمل الإنسان ذاته. فإلقاء بقايا الاستهلاك البشري في الأماكن العمومية كانت أو خصوصية، أم في شارع أو في غابة أو على شاطئ ، أو في حديقة أو حتى مدرسة فأقل ما يقال عن هذا الفعل وصاحبه بأنه عمل مشين ينافي الفكر السليم والجسم النظيف والنفس الصافية والإنسان الرزين المتوازن. حتى لو كان صاحب هذا الفعل أو هذا “المزبل” بصريح العبارة بمثابة موظف سامي أو مسؤول أو … لأن عملية الحفاظ على نظافة المحيط تتطلب قوة وشجاعة كما تتطلب تربية ووعيا، ولا علاقة لها بالمناصب الراقية والوجهيات الجوفاء والأقنعة المستعارة.وعليه فإن ما قد أسميه شخصيا “كول وزبل” تنطبق علينا نحن الشعوب المستهلكة شعوب الانتظار والتقليد شعوب يحكمها منطق الآنا ومن بعدي الطوفان. وهذا نتيجة منطقية قد جاءت بسبب الفراغ القيمي والاعوجاج السلوكي الذي يخلق مثل هكذا كشعوب المعوقة.ولأجل ضمان مجتمع متحضر لابد من إنتاج الفكرة أساسا ثم تطويرها إلى أن يتم تطبيقها وتنتهي بإنتاج الفرد للسلوك وهكذا دواليك..، ولعل تعاطي الإنسان مع محيطه بشكل سلبي يؤكد على أن هناك إساءة كبيرة وظلم لكائن اسمه “البيئة”، وقد يكون هذا الأخير في نظر العديد أنه الحلقة الأضعف في ردة فعله السريعة أمام هذا الإنسان، لكن تأثيرها على المدى البعيد سيء، لا يعلم خطورتها إلا العلماء والفاعلون في مجال حماية الأرض وعلم الحياة، ويعرفون جيدا ما قد ينجم عن تلك الاختلالات الهالكة والمدمرة وذلك ما قد يحدث من خلال العواقب الطبيعية.قيمة “التزبيل” كقيمة دخيلة لا يمكن فهمها إلا بفهم المنظومة القيمية التي يتغذى منها الإنسان في ضبط تصرفاته مع ذاته ومع من حوله، لهذا قد يبدو رمي منديل ورقي – كلينكس مثلا- سلوكا عابرا غير ذي قيمة مقارنة مع أنواع السلوكات المؤثرة ذات فضيحة أخلاقية أو تربوية، بل ولا يمكن أن نحكم على عكسه بأنه مجرد تباهي وتفاخر اجتماعي، ولكن القيام بما يستوجب الفعل الإيجابي يفرض علينا حتما أنه يرقى لما هو واجب معاملاتي، وواجب إنساني، وأنه واجب فطري، وواجب أخلاقي، دون إغفال السياق الأساسي على أنه واجب بيئي.من أجل هذا قد لا نشك أن كل سلوك معوج سببه خلل ما!! وأن التوسيخ عموما سلوك غير سليم حتى لا نقول كلاما جارحا في حق المزبلين. والغريب أن الفطرة الإنسانية تعترض على مثل هذه المساءل خاصة حينما يحس المزبل أن فعلته في رمي الأوساخ تدخله في تأنيب للضمير أو وخز داخلي نفسي يشعره تلقائيا أنه مخالف لفطرته. لكن التكرار في فعل التزبيل هو الذي يجعلنا نسقط في التطبيع مع الغلط، بحيث تتكرر الأغلاط تلو الأغلاط، فتصبح عادة للتطور بعدها سلوكا لصيقا بتفكير الإنسان. مع العلم أن سلوكاتنا ليست كلها صالحة وصحيحة، لكن أي سلوك هذا الذي لا يعبر عن مضمون، وأي فعل هذا الذي لا يعبر عن ما هو في دواخلنا.وقد حدث أن ألقى أحد الأصدقاء بغلاف حلوة في الأرض، ثم قال لي: ” إن مثل هذا التصرف لا أستطيع القيام به وأنا في أوروبا، لكنني بمجرد الدخول للمغرب أقوم بكثير من الأشياء الذميمة “. لأن تطبيق الغرامة والعقوبة هي التي تفرض ذاتها تحت منطق ترسيخ السلوك بفعل الزجر والعقاب. فالسؤال هنا لماذا لا يتم تفعيل القوة وعقوبة الغرامة؟؟فلا عجب إذن في أن يكون قانون التعزير حلا لآلاف الاعوجاجات والشرور. وهذا ما أكده لي أحد الأصدقاء حينما نزل من الطائرة في ألمانيا، وقد أشعل سيجارته المغربية، فوجد نفسه محاطا بشرطة الآداب الألمانية يدفع ضريبة 15 أورو. مما حذا به البحث عن الطفايات العمومية التي يحيط بها المدخنون، وهم يحيطون بها على شاكلة الذباب الذي يحوم بجيفة حيوان.فقصة التزبيل باقية ما بقي الإنسان على الأرض، لكنها تختلف من شعب لآخر، ومن ثقافة لأخرى، لأن التزبيل قبل أن يكون توسيخ للأماكن والفضاءات فهو اتساخ في الفهم والعقل والروح.ولا حرج في بعض الأوساخ لأنه سرعان ما يتم تنظيفها والتخلص منها، لكن القصور في نظافة الأنفس والعقليات والفهوم والتصورات تلزم علينا قطعا إبرام الشراكة مع شركة النظافة والتطهير الإلهية التي لولاها يستحيل الصلاح والإصلاح.

Tagui Mohammed / طاقي محمد
Tagui Mohammed / طاقي محمد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz