ندوة الحوارِ الثّقافيّ حولَ “صهيل” للشّاعر يحيى عطا لله / آمال عوّاد رضوان

45222 مشاهدة

في جاليري مركز تراث البادية عسفيا، أقام منتدى الحوار الثّقافيّ ندوةً تحت عنوان “صهيل الشّاعر يحيى عطالله”، وذلك يوم الخميس الموافق 25-2-2010، بحضور كوكبةٍ من الشّعراء والمثقّفين، مُستهِلاّ اللّقاء الشّاعر رشدي الماضي بكلمةٍ ترحيبيّةٍ بالحضور، وبضيفةِ المنتدى القاصّة “دينا سليم”، ومباركة بمناسبة عيد المولد النّبويّ الشّريف لدى المسلمين، وبداية الصّوم الأربعينيّ لدى المسيحيّين، ومباركة بباكورة أعمال الشاعر يحيى عطا الله، مستشهدًا بما قدّمتْهُ الأديبة راوية بربارة للكتاب:

“إنّه ينبئ ببدايةِ مسيرةٍ شعريّةٍ، ستجدُ لها مكانًا ومكانةً في شِعرنا المحلّيّ والعربيّ”.

د. فهد أبو خضرة: القصائدُ تراوحُ بينَ الكلاسيكيّة والرّومانسيّة وامتداد لهما، يحاول الشّاعرُ أن يُعبّرَ عن ذاتِهِ كفردٍ، ومن ناحيةٍ أخرى كفرد من أفرادِ الأمّة العربيّة، فكثيرًا ما يتّخذُ ضميرَ الأمّة، فيتحدّث عن كثير من المشاكل السّياسيّةِ والوطنيّة، بما تواكبُ مِن أحداثٍ بشكل موفّق، وبأسلوبٍ خطابيّ مباشر يحاولُ قوْلَ الأشياء بوضوح، ويعنيهِ أن يصلَ صوتُهُ للمتلقّي وهذه سمةٌ أساسيّةٌ بالكلاسيكيّة، يصل للمعنى الّذي يريدُهُ، فهل هذا سيّء أم جيّد؟ لمصلحةِ الشّعر أم ضدّه؟ وكيف نُحدّدُ ماهيّة الشّعر؟ عند العرب الكلاسيكيّين الشّعرُ من جهةِ الشّكلِ والأسلوبِ هو كلامٌ موزونٌ ومُقفّى ويدلّ على معنى. أمّا الباحثون غير المتعصّبين للكلاسيكيّة فيقولون، الشّعرُ هو مِن صُنْع الكلماتِ وليس مِن صُنع الأفكار وإلاّ تحوّلَ إلى مقال، فهل حقًّا لو أخرجنا الوزنَ والقافيةَ مِن النّصّ صار الشّعرُ خطبةً سياسيّة؟ يقولُ الرّومانسيّون الإنجليز: الشّعرُ لا يمكنُ أن يخلو مِن الصّور الجماليّة، فهو أجملُ الكلام في أجمل نسق، أمّا الحداثيّون فيُركّزونَ على قضيّةِ الغموض، لأنّ الوضوحَ هو نثر يحاول اتّخاذ شكل الشّعر، أمّا الشّعر فهو إيحاءٌ لا يبدأ مِن التّحديد، فهل الشّعر العربيّ القديم في معظمِهِ يبدأ مِنَ التّحديدِ والكلام المنظوم ثمّ يتّجهُ باتّجاهِ الإيحاء؟ وماذا عن الشّاعر أبي تمّام مثلا؟ الشّعرُ فيه إيحاءٌ وغموض، وإيصالُه يتطلّبُ صورًا فنّيّةً جميلةً تحملُ إثراءً، لأنّ المتلقّي يكون حينئذ فعّالاً ومشاركًا، أمّا في “صهيل” فيغلبُ أن يكون دوْرُ المتلقّي سلبيًّا، يتلقّى وينفعلُ ولا يشاركُ في بناء النّصّ. وبالنّسبةِ للشّعر العربيّ ككلّ أتساءل: ما هو مستقبلُ الشّعر العربيّ؟ لا أظنُّهُ في طريقِهِ للعودةِ إلى القديم، إنّما هو متّجهٌ أكثر مع الحداثة، وأظنّهُ يحتاجُ إلى معادلةٍ تجمعُ بينَ القديم والحداثيّ، شرْطَ أن يستخدمَ الغموضَ الشّفّاف وليس الوضوحَ ولا الإبهام.

ناظم حسّون: “صهيل” الشّاعر يحيى عطا الله يرنُّ في سمْع الورى/

إنّ الفاحصَ المدقّقَ لن يضلَّ الطّريقَ إلى شخصيّةِ شاعرِنا، مِن خلالِ قصائدِهِ الّتي تجمعُ بينَ أصالةِ القديم وروعةِ الحديث، فطابعُ شخصيّتِهِ لا يُفارقُ أشعارَهُ، وشِعرُهُ يشفُّ عن شخصيّتِهِ الّتي تعتبرُ صدًى لحياتِهِ المتمرّدةِ، ولمشاعرِهِ الّتي انطلقتْ بها مختزناتُهُ الباطنيّةُ لواقع الحياةِ وشجونِها، وردّاتٍ لانفعالاتٍ عاشَها، وعبّرَ عنها بخصائصَ تثيرُ في القارئ عاطفةً وجدانيّة. لشعرِ يحيى عطا الله مجاهرةٌ واضحة، بعيدةٌ كلَّ البعدِ عن الغموضِ والتّعتيم، وأسلوبُهُ يجنحُ إلى السّهولةِ واليُسر، فنراهُ عنيفًا أحيانًا، ورومانسيًّا أحيانًا أخرى، وهذه فضيلةُ التّناقضِ الّتي تُميّزُ الإنسانَ الحُرَّ والأصيل. فشاعرُنا متمكِّنٌ ومُلمٌّ جدًّا باللّغةِ التي أحبّها، مع إتقانٍ في الوزن ورنينٍ عذبٍ في القافية، وقد استطاعَ مِن خلال ثقافتِهِ وفِكرِهِ تطويعَ اللّغةِ لتأديةِ أغراض عديدة في معظم قصائدِهِ، ونجحَ في ذلك، فتعاملَ مع الفِكرة كما يشعرُ بها في داخلِهِ وسلوكِهِ، فوصلتْ للمتلقّي بنفسِ الإحساسِ الذي عايشَهُ، فانفردتْ قصائدُهُ بروعةٍ لا يدانيهِ فيها إلاّ القليلُ مِن شعراءِ هذه البلاد. وإذا نظرنا إلى عنوان الدّيوان “صهيل”، فما الذي يريدُ إيصالَهُ شاعرُنا للقارئ؟ الجوابُ صيحةٌ يسمعُها الورى، وقد جاءَ في نهايةِ القصيدة الّتي تحملُ عنوانَ الدّيوان.

“ما الشّعرُ إنْ لم يَسَتفِزَّ وما القصيدةُ يا تُرى/ إنْ لم تكنْ مثلَ الصّهيلِ يرنُّ في سمْعِ الوَرى”

الكتابُ الشعريُّ “صهيل” يحوي بين دفّتيْهِ 29 قصيدة، ويقعُ في 112 صفحة من الحجم المتوسّطِ، وكلُّ القصائدِ جاءتْ مؤرَّخةً بتاريخ كتابةِ القصيدة مع وجودِ تفاوتٍ زمنيٍّ بينَ تواريخ كتابةِ القصائد، والّتي امتدّتْ بينَ الأعوام 1986 حتى 2009. وعدا عن بعضِ القصائد، فيمكنُ تقسيمُ “صهيل” إلى قسمين: قصائد وطنيّة، وقصائد غزليّة. ورغم خوْض شاعرنا قصيدة النّثر إلاّ انّ شيئًا ما يشدُّها إلى التّفعيلة، حتّى وإن لم تستقم أحيانًا على بحر واحد، لكن الموسيقا انسابتْ بشكل فنّيّ تشدُّ القارئَ ليتماهى مع الصّور الشّعريّةِ بكلّ أحاسيسِهِ، فجاءتْ مخالفةً للنّظام الغالب على نماذج شاعرنا المألوفة، مثل “وجه الغريبة”، و”حبق ونعنعة”، و”الرّسالة”، و”دعابةٌ جريئة”، و”دعيني”، ونرى أنّ جميعَها كُتبتْ حديثًا في الأعوام 2008 و2009، ونشهدُ هناك تحوّلاً ما، مِن الشّعرِ العموديّ لصالح الشّعر الحديث.

يؤمنُ عددٌ مِن النّقّادِ أنّ أهمّيّةَ شاعرٍ ما، تكمنُ في قدرةِ شِعرِهِ على تصوير عصرِهِ، وعلى تصويرِ نفسِهِ كإنسانٍ وكائنٍ حيٍّ، يشاهدُ ويتعذّبُ ويتألّمُ ويُحبُّ، ويثورُ ويغضبُ ويَبكي ويَضحكُ، وقصائدُ “صهيل” تؤكّدُ مشاركةَ وانخراطَ شاعرِنا في واقع عصرِهِ الاجتماعيِّ والسّياسيِّ، فيعلو صهيلُ فرسِهِ الجامحِ بحرارةٍ كحرارةِ البارود، حاملاً كلّ ما تزدحمُ به هذه البقعةُ مِن قلق وتوتّر، فاتّسمتْ تجربتُهُ بروح التّمرّد ليغوصَ في الأعماق، ويتحفَنا بنصوص مكثّفة مِن الشّعر والشّعور المفرَط في التّفاعل، مع الأحداث الموجعة للواقع السّياسيّ والاجتماعي المنخور مِن الدّاخل والخارج، فجاءتْ قصائدُهُ مواجهة ضدّ التّيّار، وقفَ فيها موقفًا صادقًا وشجاعًا في التّعبير عن مظاهر التّمييز والتّفرقة ضدّ أبناءِ شعبهِ ووطنه، وقد أنهكَتْهُ محنةُ الاستعمار بواقعها المؤلم، لتعلو صيحتُهُ مدوّيةً في وجهِ الجور والوحشيّةِ والاستبدادِ مِن قِبلِ النّظُم السّياسيّةِ والاجتماعيّة، ليُطلقَ عنانَ فرسِهِ الجامح ليستنهضَ الهمم، ويرفعَ لواءَ التّمرّد والعصيان في وجهِ الغاشم بصورةِ التّعبيرِ المباشر، ورغمَ أنّ هذا الأسلوبَ يخلو مِن الإثارةِ والغموض، إلاّ أنّه بحماسِهِ بالغ النّزْفِ نسَجَ بحروفٍ من نار ونورٍ أبهى القصائد، كقولِهِ في قصيدة: “ستون” ص8

لا تفرحوا / وأمامكم كلّ الوثائق/ فلتنظروا ولتسمعوا/ ولتقرؤوا غضبَ الجريح

تقبّلوا ألمَ الحقائق/ مَن ليس يُفهمه الكلام/ فسوف تُفهمه البنادق

قليلاً ما نجد شاعرًا بهذه الجراءة، يتحدّى السّلطةَ التي تتجاهلُ كلّ المبادئ والقيم الإنسانيّة، فجاءَ ليثأرَ لكرامةِ عروبتِهِ المغتصَبة، وهو يدري أنّ الحرّيّةَ لن تُؤخذَ بغير الدّم والسّلاح، فيَصِلُ به الحالُ في بعض القصائد أن يتعالى صوتُهُ، ليصلَ درجة الصّراخ الذي يستثيرُ التّأمّلَ والتّفكيرَ في الواقع الكئيب. وفي قصيدةِ “قفا نبكِ” نجدُ النّقدَ الشّعريّ في تساؤل شاعرنا عن القيم الإنسانيّةِ والكرامة، تمزّقُ الأقنعةَ الزّائفةَ عن وجوهِ الحكّام العرب، فصوّرَ لوعتَهُ ورسمَ صورةً جريئةً للحياة والصّراع في المجتمع العربيّ البائس، فيقول ص 13

“عربٌ بحجمِ شعارِهم/ عربٌ بوزنِ نعالِهِم/ عربٌ بعرضِ عباءةٍ/ وبِطولِ عشر لسانِهم/ أينَ الكرامة يا ترى؟!”

وهنا تحضرُني صرخة الشّاعر(مظفّر النوّاب): “القدسُ عروسُ عروبتِكم/ فلماذا أدخلتم كلَّ زناةِ اللّيل إلى حجرتِها؟ ووقفتم تستمعونَ وراءَ الباب لصرخاتِ بكارتِها/ وسحبتم كلَّ خناجركم/ وتنافختم شرفًا/ وصرختم فيها أن تسكتَ صونًا للعِرض/ فما أشرفكم / أولاد القحبة هل تسكتُ مغتصَبَة؟”

و تعلو صرخة يحيى عطاالله في ص 17

القدسُ عاصمتي أنا/ لكن معراج النّبيِّ لكلّنا/ الله أكبر يا مواجعَ أمّتي/ النّصرُ نصرُكِ/ والشّهادة لي أنا

كثيرًا ما تكونُ حياةُ الشّاعر متحدّيةً لواقعٍ أو موقفٍ ما، ففي هذا الخطابِ الشّعريّ يتحوّلُ مِن رقيقٍ إلى نسرٍ كاسح، يُخاطبُ قلوبَ جيلٍ بكاملِهِ بعباراتٍ غاضبة، ويَحثُّهُ على الانتقام مِن الغاصبِ واسترجاع الفردوس المفقود (القدس)، فهذا الارتباط والتّعلّقُ بالوطن جعلَ شاعرَنا يطلبُ الشّهادة، ويهدي النّصرَ لشعبِهِ الذي أحبّهُ مِن كلّ عروق القلب.

القسمُ الثّاني مِن الكتابِ ينحصرُ في قصائد الغزل، تتخلّلهُ الصّورُ المجرّدةُ والحسّيّة، وهو يخاطب الحبيبة، ويتحدّثُ عن ذاته بأشجانها المتمرّدة بنبرة حماسيّة، تفيضُ بعفويّةِ إحساسٍ يعبقُ بالمشاعر العميقة، فتثيرُ في القارئ بهجةً ودهشة بصورٍ أخّاذة، ومشاعر دافئة وفطرة صادقة، كيف لا وشاعرُنا عاشقٌ وثائرٌ، سكبَ حِبرَهُ العبقَ فأروى “الصّهيل” برحيقِ الكلام العذب الصّافي، سواءً في قصائدِهِ الغزليّةِ أو الوطنيّة. في قصيدة “أنا”

هذا أنا/ آتي إليك بما أنا/ وكما أنا/ لا آخر لي في الحياة/ وليس لي بعض هناك وبعضِيَ الثّاني هُنا

في هذا المطلع نُحسّ التّعبيرَ بالصّورة للإنسان واثق الخطوة، يبثّ مشاعرَهُ بصورة جميلة تحملُ ما تزخرُ به مِن مشاعرَ وأحاسيس صادقة، عندما يخاطبها ص.74 / مهما عذلت وغرر منك الكلام/ فلن أكون سوى أنا

وفي قصيدة “حتّى متى” ص.75 / حتّى متى سيظلّ وجهُك غائبًا/ وإلى متى تبقين عنّي مدبرة

هنا كما في كثير من الصّور يستعمل التّعبير المباشر في حديثه مع الحبيبة محاولاً إرضاءَها، ثمّ ينادي ص.59/ يا يوسف الحقني بمعجزة تُغيّرُ حَالتي

المباشرةُ والأسلوبُ النّثريّ الذي استعملهُ هنا، وعلى الرّغم مِن مهارتِهِ اللّفظيّة وقدرتِهِ على إحكام الأوزان، إلاّ أن التّعبيرَ يظلُّ واضحًا بعيدًا عن الإيماء والتّمويه، ونرى ذلك جليًّا أيضًا في قصيدة “دعيني”، و”اعشقيني”، وَهيَ من أجمل قصائد المجموعة، يفتحُ الشّاعر صدرَهُ للحبيبة ويُناجيها بنمطٍ موسيقيٍّ وفق إيقاعٍ ينبض بإحساس، وبصورٍ تستهويكَ بإغرائِها وكلماتها الرّومانسيّة السّاحرة، وتمنحُ عاشقها شعورًا بالخدر ص75

جرعةٌ أخرى وأثملُ/ فاعشقيني مِن شغافِ الرّوح ِ/ واحتلّي كياني/ إنّني ظمأُ الهوى/ وهواكِ للظّمآنِ جدولُ

لكن سرعانَ ما تنبعثُ هذه الصّورةُ الجميلةُ للحبيبةُ بصورةِ الوطن فيقول ص 78: ثوري/ واعشقيني ثائرًا/ أستلُّ سيفي مِن فمي/ أستلُّ عشقي مِن دمي/ أنا جارفٌ كالسّيلِ عشقي/ جامحٌ كالعاصفة/ هاتي صلاتَكِ/ واعشقيني عابدًا

شاعرُنا استعملَ المفرداتٍ: ثوري، أستلُّ سيفي، دمي، جارفٌ كالسّيل، جامحٌ كالعاصفة، وهذه المفرداتُ قليلاً ما تستعملُ عادةً في التّغزّل بالحبيبة، لكن صورة الحبيبة هنا حملتْ إيماءاتٍ فنّيّةً ورموزًا غنيّةً مشبعةً بالهمّ، انتفضتْ لتنبعثَ في صورة الوطن. وفي ص 100 يقول: فإنْ تتورّدْ خدودُكِ عندَ الهجيرِ/ لشمس انتظار طويل/ فنسمةُ حبّي عند البحار ستأتي إليكِ/ لتلفحَ خدَّكِ/ تمحو الهجيرَ/ وتبقي التّورّدَ في وجنتيْك

هذا هو يحيى عطا الله، وهذا هو الحبُّ المحتشم، إنّه يُغري الحبيبةَ، لكنّه لا يهتك ستر الحبّ. لشاعرِنا صورٌ ذهنيّةٌ مبتكرةٌ تزخرُ ببراعةِ المعاني، صاغها بإتقانٍ:

الجرحُ أكبرُ مِن دمي، لي أخوةٌ عدد الحصى، صلّيتُ في أقداسِ عشقي ، سليلَ هزيمةٍ، لكلّ ذئبٍ حصّةٌ في لحمِكم، أقصيتِ غيمكِ عن سماءِ مواسمي، جرعةٌ أخرى وأثملُ، أدمنتكَ حتّى أدمنتَ شفاهي.

وفي النّهاية، لا بدّ مِن كلمةِ تقدير لمقدّمة الدّيوان الكاتبة راوية بربارة، التي أثنتْ وبكلماتٍ شاعريّةٍ على شعر يحيى عطا الله، ووصفته بأنّه يهزُّ بعضَ الثّوابتِ وبعضَ المفاهيم الملتصقةِ بالأذهان، ويُراوح بينَ عموديّةٍ تقليديّةٍ وحداثةٍ لها ما بعدها. هذا “الصّهيلُ” كان كافيًا لإشباع فضولي، فكلُّ التّقدير لشاعرنا الموهوب يحيى عطا الله، وإلى المزيدِ من التّألّقِ والإبداع.

د.بطرس دلة: الشّعرُ ديوانُ العربِ ومبعثُ الطّرب، لأنّهُ يدخلُ شغافَ القلوب فيشبقُها رقّةً وإحساسًا ومتعةً، خاصّة عندما تنسجمُ كلماتُ الشّاعر في نشيدٍ سماويٍّ تطربُ له الملائكة، ويهتزُّ الوجدانُ إذا ما رنّ في مسامع الورى، كما يقولُ شاعرُنا في ديوانه على الغلاف الأخير:

ما الشّعرُ إن لم يستفزَّ وما القصيدةُ يا ترى/ إن لم تكنْ مثلَ الصّهيل يرنُّ في سمْع الورى

هذا الدّيوانُ الصّغيرُ حجمًا والكبيرُ نوعًا هو انعكاسٌ لصهيلِ فارس مِن فرسان الكلمة، فارسٌ في قوْلِ الشّعر وفارسٌ حقيقيٌّ في حياتِهِ اليوميّة، لذلك عندما يتحدّث الى “ابن العتاق” مناجيًا إيّاه، فإنّه يقصدُ حصانَهُ المدلّلَ الّذي يمتطي صهوتَهُ يوميًّا، ليطيرَ به إلى ربوع “يركا” والطّبيعةِ الخلاّبة المحيطةِ بهذا البلد، والمشرفةِ على المنطقة كلّها مِن علٍ حتّى البحر المتوسط، في شطحاتٍ يجدُ فيها فارسُنا متعةً ما بعْدَها متعة، لأنّ أعزّ مكان في الدّنى سَرجٌ سابحٌ، وهو إذ يعتزّ بالكتاب فإنّه يعرفُ جيّدًا أنّ خيرَ جليس في الزّمان كتاب، مِن هنا ومِن على صهوة الجوادِ جاءتْ حروفُ هذا الكتاب، كلعلعةِ البرق وحِمم البراكين وهزيم الرّعدِ وهديرِ البحر، وحتمًا صفير الأعاصير وزئير الأسود والنّمور، ولكنّه إلى جانب هذا الصّخب الهائل نجدُ فيه قلبًا رقيقًا، يُصلّي في محرابِ الحُبّ وفي حقول وهضابِ الوطن، فيهزجُ مع العصافير على كلّ فنن، ويهمسُ حينًا كما توشوشُ زنبقةٌ صغيرةٌ جارتَها، ويرفعُ يدَهُ في تحيّةٍ تشبهُ تحيّةَ السّحابِ للتّراب، فيرويهِ مِن عذْبِ مائِهِ ويبعثُ الحياةَ في البذور، كي تنبتَ فيأتي الرّبيعُ مُهلهِلاً ضاحكًا.

في صريرِ الكلمةِ وتوتّرِ أوتارِهِ تسيلُ روحُهُ عذوبةً وشعرًا رائعًا، ونغمًا فيهِ الكثير مِن الرّجولة، ولونًا قل هو لون مِن ألوان الفراديس، ليفيضَ الكلامُ مع أوزان الخليل وبحورِهِ متدفّقًا بعذوبةٍ خاصّة، لأنّ شاعرَنا إنسانٌ كبيرٌ ينسجمُ مع اللّحنِ وروعةِ الفنّ بكلّ ما تحملُهُ هذه الكلمةُ مِن معانِ، ولمّا كانَ حصانُه “ابن العتاق”، فمعنى ذلك أنّهُ حصانٌ أصيلٌ، وهو يؤكّدُ ذلك في شهادةِ الانتماءِ إلى عائلةِ الأصالةِ للخيول العربيّةِ الشّهيرة في العالم كلّهِ، ومع أنّهُ لم يذكر اسمَ حصانِهِ ولا حتّى مرّة واحدة طوالَ ديوانِه، إلاّ أنّه يشعرُ بشيءٍ كبيرٍ مِن الاعتزاز والحماس حيث يقول ص 48:لا فارس غيري اعتلاك مهلهلا / ومرتّلاً ألحانَ بادية جديدة

أنا يا حصاني ما اقتنيتُكَ مترفًا/ بل مسرفًا في عشق رنّات الصّهيل

يتغزّلُ بصهيلِ حصانِهِ وبهمهمتِهِ، أي ضبْحِهِ الّذي يرنّ في أذنيْهِ، فيشعرُ أنّه سيظلُّ في علياءِ متْنِهِ فارسًا بالرّغم مِن نزق الشّكيمة؛ أي عندما يحرنُ الجوادُ فلا يُطيعُ صاحبَه.

الطّابعُ الوطنيُّ لقصائدِ القسم الأوّل مِن الدّيوان:

لم يقعْ اختيار القصائد الاولى صدفة، بل اختارَها لتُغطّي حوالي ثلثَ مساحة الدّيوان مِن الشّعر الحماسيّ الوطنيّ، والثّائر على أوضاع الأمّة العربيّةِ وعلى أدوارِ المُلوكِ والرّؤساءِ العرب المُتخاذِلينَ إزاءَ سياسةِ المُحتلّ، وحضارةِ العولمةِ الّتي تتّهمُ حضارتَنا العربيّةَ الإسلاميّةَ بأنّها حضارةُ عنفٍ وإرهاب، خاصّةً بعْدَ سقوطِ البُرجيْن الشّهيريْن؛ أي بورصة نيويورك بأيدي طيّارين مسلمين، درّبَهم وموّلَ نشاطَهم الثّائر أسامة بن لادن، والّذي تبحثُ عنه أمريكا بطائراتِها وشبكاتِ تجَسُّسِها منذ تسع سنواتٍ ولا تجدُهُ.

ولا ينسى المُحتلّ الإسرائيليّ لأرض الوطن، حيثُ مرّ على نكْبتِنا أكثرّ مِن ستّين عامًا، وتمّ تشريدُ القسم الأكبر مِن الشّعب العربيّ الفلسطينيّ في خيام الذلّ والغربة، فباتتْ قضيّةُ اللاّجئينَ القضيّةَ الوحيدةَ الّتي خلقتْها حرب 1948، ولم تجد الأوساطُ الدّوليّةُ لها حلاًّ يُرضي الطّرفيْن، فتآمرتْ على أرض فلسطين وضمنتْ قيامَ الدّولةِ الإسرائيليّة، على حسابِ حقوق الشّعب الفلسطينيِّ في تقريرِ مصيرِهِ! فكلُّ قضايا اللاّجئينَ الّتي ثارتْ بينَ الحربيْن العالميّتيْن وجدتْ لها حلولاً، إلاّ قضيّة شعب فلسطين الّذي يشعرُ بالغربةِ حيثُما حلَّ، وما زالتْ سلطاتُ إسرائيل تقتلعُ الورْدَ مِن أحضانِ حدائقِنا، وما زالتْ أعيادُ المُحتلِّ الغاصِب فيها أفراح العواصف، فإذا ما عيّدَ هذا الغاصب كانَ العيدُ للإنسانِ العربيِّ احتراقًا لهُ لهيبُ المحرقة، لذلك نجدُ شاعرَنا يخرُجُ مِن لغةِ الشّرح الإخباريِّ إلى لغةِ التّهديدِ والوعيد، لأنّهُ إذا لم تفد المفاوضات، فإنّ البنادقَ كفيلةٌ بتفهيم المُحتلِّ كيفَ ولماذا يجب أن يَعدلَ عن سياستِهِ الغاشمة.

نحن لا نوافق الشّاعرَ فيما خلُصَ إليهِ مِن ضرورةِ اللّجوءِ إلى السّلاح للتّوصّل إلى الحلّ المُرْضي، وذلك لأنّ مَن ليس له كيف يلجأ للسّلاح؟ ولا ننكرُ أنّ شاعرَنا يقولُ كلمتَهُ بجرأةٍ وصراحةٍ وبطولةٍ نادرة، وكأنّهُ يُعيدُ ما كان القائد جمال عبد النّاصر يؤكّدُهُ في معظم خطاباته، (إنّ ما أُخِذ بالقوّة لا يُستَرَدُّ إلاّ بالقوّة)، إلاّ أنّ هذا الفكرَ باتَ غيرَ مُجْدٍ إزاءَ الأمر الرّاهن، والواقع الّذي نعيشُهُ كعربٍ تحتَ ظلِّ السّلطةِ الإسرائيليّةِ الغاشمةِ والمغتصِبة، ناهيك عن أنّ لغةَ القوّةِ والحلول العسكريّةِ والاغتيالات باتتْ مِن مُخلّفاتِ الماضي الّذي لا تقبلُهُ مجتمعاتُ القرن العشرين، ولا الأوساطُ الدّوليّةُ ذات الوزن في كلّ صراع، هذا على الرّغم مِن أنّ هذه الأوساط تلجأ بنفسِها إلى قوّة السّلاح، كما حصل في كوريا وفيتنام وكمبوديا والعراق، والخطر الدّاهم الّذي يهدّدُ سوريا وإيران حاليًّا. إنّ اللّجوءَ إلى السّلاح والاحتكام لمنطق العنفِ والقوّةِ باتَ مُستنكَرًا ومَمجوجًا ومرفوضا، مِن قِبلِ جميع مُحبّي السّلام في العالم الأرحب.

في قصيدتِهِ “قفا نبْكِ” يعلنُ ثورتَهُ إلى حدّ التّماهي مع عروبتِهِ، إلى جانب نقمَتِهِ على العروشِ العربيّةِ الّتي باتتْ متأمركةً، فيَخلُصُ بنتيجةٍ واحدة هي أنّهُ ليس للفلسطينيِّ إلاّ أن يأخذَ مصيرَهُ بيديْه، لتظلَّ القدس عاصمةً لدولتِهِ، وسلاحُهُ البكرُ هو الحجرُ الأبكمُ الأصمُّ الّذي نطقَ ثورةً وكبرياءً في أيدي أطفالِ الحجارة الشّجعان، ليتحوّلَ كلٌّ منهم إلى داوود، ومقلاعُهُ مقابلَ سطوةِ الجبّار عملاق الرّدى، وليبقى الفلسطينيُّ وحيدًا لأنّهُ لم يبْقَ في وادي الشّرِّ أُسدٌ سواه، كلُّ ذلك على الرّغم مِن أنّ إخوتَهُ كثيرون بعددِ الحجارةِ الثّائرة، ولكنّهم لا يُساندونَ هذا الشّعب إلاّ بالكلماتِ، وهكذا سيمضي وحيدًا، فسلاحُهُ الحجارةُ وإيمانُهُ بعدالةِ قضيّتِهِ، ولمّا كانَ يرى في قضيّةِ العراق قضيّةً فلسطينيّة، وهو الإنسانُ المؤمنُ بعروبتِهِ إيمانًا وثيقًا وراسخًا فيه طُهرُ العروبةِ المقهورةِ والمهزومة، فإنّه يرجو خَلاصَها مِن نيرِ الاحتلال بكلِّ ثمن، وبالمقابل يشنُّ هجومًا عنيفًا على قادةِ وزعماءِ العالم العربيّ، فيُسمّيهم “عرب الطّزّ” و”لعنة الأمّة”، ممّن أتخمَهُم شحمُ النّفط فنَسَوْا أمّهاتهم، حتّى أنّ أقفيَتَهم باتتْ لا يُدفئُها سوى كراسي الحُكم. من هنا فإنّهُ لا يؤمنُ باجتماعاتِ رؤساءِ العرب ولا بقراراتِهم، خاصّة وأنّ كلّ إنسان يعي صعوبةَ اتّخاذ القراراتِ المصيريّة الّتي ستقفُ كلّ دول العالم ضدّها.

فؤاد السّنيورة هو رئيس حكومة لبنان، بكى وهو يطرحُ موضوعَ العدوان الإسرائيليّ على لبنان، بينما تقف الدّولُ العربيّةُ متفرّجةً، حيث يقولُ للسنيورة: أنا يا فؤاد أمام عينيْكَ أنحني وأُجِلُّ دمعَكَ مِن صميم فؤادي

فانظرْ إليه يتلاعبُ بالكلمات، فؤاد سنيورة وفؤاده هو في جناس تامّ، وينتقلُ خلالَ القصيدةِ إلى تناصٍّ خاصٍّ عندما يذكرُ أرضَ الميعادِ الّتي وَعدَ بها الله أبانا إبراهيم الخليل بقولِهِ:

ستّين عامًا في فلسطينَ استُبِحْنا كالشّياهِ لصاحبِ الميعاد

ويلجأ ثانية الى التّناص في صفحة 78 في قصيدتِهِ “اعشقيني” حيث يقول: اعشقيني حافزا للرّاجفة. والرّاجفة كما يُبيّن في الهامش هي النّفحة الأولى في الصّور يومَ القيامة، وبالرّغم مِن موضوع الوطنيّة الّذي نحن بصددِهِ، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعْهُ مِن اللّجوءِ إلى لغةٍ فنّيّةٍ رفيعةِ المستوى، حيث يلجأ إلى المُحسّناتِ البليغةِ فيقول في نفس قصيدته لفؤاد السّنيورة: والآن غزة تستحمُّ بدمِها وتنوءُ تحتَ القاصفِ الهداد/ أعلافُ أمريكا تبطّر خيلَهُ وتمدُّهُ بتفوّق وعتاد/

ويجدُ عذرًا لدموع السّنيورة بقولِهِ: لا غرو إن غرقَ الرّجالُ بدمْعِهم وتلفّعتْ كلُّ النّسا بسواد

فكيف تستحمُّ غزة بدمِها وكيفَ يغرقُ الرّجالُ بدمعِهم؟ كنتُ أفضّلُ كلمة يَشرَقُ بدلاً مِن (يغرق)، وهو إذ يرى دموعَ السّنيورة إزاءَ الوزراء العرب الّذين لا حول ولا قوّة لهم، يدعو فؤاد إلى نزْفِ دموعِهِ بقولِهِ:

فاذرفْ دموعكَ يا فؤاد فإنها فيضُ الأسى من مهجةٍ وفؤاد

أمّا في قصيدتِهِ إلى أحرار الجولان ص 37، فيكثر من التّلاعب بالكلمات والبلاغة بالجناس:

في مجدل الشّمس ارتقتْ وترعرتْ في الشّمس من أسمائهم أسماء (جناس تام)

وبعين قِنيا لا تلينُ قناتهم وبسعد “مسعدة” هم السّعداء (جناس غير تام)

أمّا إذا بسط السّلام بساطَهُ تحتَ الرّبيع فشعبك المعطاء (وهذه محسّنات لفظيّة بليغة)

مِن هنا نستطيع أن نفهمَ لماذا اختارَ شاعرُنا اسمَ “صهيل” يتوّج به ديوانه، لأنّ كلمة الصّهيل تُعيدنا إلى أمجادِ العرب القدامى الّذين اعتنَوْا بالخيل وربّوها، واعتلَوْا صهواتِها في حروبِهم منذُ فجرِ الإسلام، ولأنّ الحصانَ كانَ دبّابةَ العصورِ القديمةِ والوسطى حتّى مطلع العشرين.

ديوان صهيل والحداثة:

الدّيوانُ الممّيز هو ذلك الدّيوان الّذي يقرؤُكَ إذ أنتَ تقرؤُهُ، فلا تأتي على آخر فصْلٍ مِن فصولِهِ حتّى تحسّ أنّك كنتَ جدولاً فأصبحتَ نهرًا، أو كنتَ نهرًا فأصبحت بحرًا، أو كنتَ تُفتّشُ عن بابٍ فانفتحتْ في وجهِكَ عدّةُ أبوابٍ، وتُفتّشُ عن أفقٍ واسعٍ فتنكشفُ لكَ آفاقٌ تُتاخمُ الأزلَ وأبدَ الآبدينَ على حدّ تعبيرِ ميخائيل نعيمة في كتابِهِ “الغربال الجديد” ص 203.

أمّا الكتابُ الّذي تنشرُهُ فيطويكَ، ويأخذُ منكَ ولا يُعطيكَ ويَسلبُكَ فيُضلُّكَ، فهو كتابٌ سوادُهُ على بياضِ أوراقِهِ وعلى السّاعاتِ والأيّام المهدورةِ في تصنيفِهِ وطبْعِهِ وتصديفِه، والفنُّ الشّعريُّ يجبُ أن ينضحَ بالحيويّةِ والحركةِ، وأن يضجَّ بالحياةِ بأوسع مفهوم لها بدلاً مِن الرّكودِ والسّكون، والصّهيلُ هو الحياةُ الصّاخبةُ الّتي عشناها مع هذا الدّيوان، وهو ككلِّ عِلم يُساعدُنا في معرفةِ أنفسِنا لِما فيه مِن دخانٍ ونورٍ ونارٍ متوهّجةٍ،

وصهيلُ هذا الدّيوان مليءٌ بالوهج والنّور الدّافقِ المُعبّأ بالفراشات على ألحان الخليل دونَ تكلّفٍ أو صناعةٍ، فيخلقُ نفسَهُ مِن خلال قصائدِهِ، ولو لم يعمل ذلك لجاءَ شعرُهُ سخيفًا وفارغًا بلا معنى وبلا قيمة، ومِن خلال الصّراع بين الكلاسيكيّ والمُحدَث، يصنّفُ شاعرُنا نفسَهُ مع الصّنف الأوّل، وهو الشّعر على طريقةِ بحور وقوافي الخليل بن أحمد، ولا يرضى ولا يطيقُ الشّعرَ على طريقةِ الحداثة والحداثيّين.

في فلسفةِ الحياة:

في قصيدتِهِ “أهيمُ ملءَ جنوني” الّتي هي من أروع قصائدِ هذا الكتاب، وجدتُ شاعرًا وفيلسوفًا ومُفكّرًا تأخذُهُ القوافي وبحورُ الشّعر إلى مسافاتٍ بعيدةِ المدى، فيسرحُ فيه الخيالُ إلى عالم الأوهام والسّحر، فيَصُفُّها على الورقِ سطرًا سطرًا، لتأتي قصائدُهُ عنقاءَ مُطهّمةً تعدو وتصهل في حوماتيّة الشّعر، ثم يتساءلُ، ألا تستطيع الخيلُ الرّقيّ إلى القمم العاليةِ، وهي معشوقة النّسور حيثُ يهوى الإقامة هناك بينَ القمم، كي يُشفي ما بنفسِهِ من داء؟ يبدأ قصيدتَه بقوله: أهيمُ مِلْءَ جنوني في سفرٍ مرّ المسافة بينَ الرّوح والحبر

ونحن نسألُهُ عن هذه المسافة بين الرّوح والحبر كم تكون، بالأمتار أم بالأميال؟ ثمّ لماذا يهيمُ ملءَ الجنون؟ ثمّ في هذه المسافةِ يُتابعُ رحلتَهُ في بحور الشّعر، فتأخذُهُ الهواجسُ ليرتقي إلى الجبال العالية، لأنّ القصيدةَ عندَهُ تشبهُ عناقَ الخيل إلى حدٍّ بعيد، فالقصيدةُ عنقاءُ مطهّمةٌ وهذهِ صفاتُ الخيل. ولكن في غزليّاتِهِ وحسب التّواريخ الّتي ذيّل بها قصائدّهُ، كان قد كتبَ معظمَ غزليّاتِهِ في فترة الشّباب والصِّبا، فإذا كانَ هذا صحيحًا، أي أنّ بعض القصائد كُتبت قبل حوالي 20-25 سنة، فلماذا أدخلَها في هذا الدّيوان ولديهِ مِن الشّعر الشّيء الكبير؟ فهل هو الخجلُ مِن العشق وقد تجاوزَ العشرين عامًا بقليل؟ أم حقيقة؟ فقصيدة “اعشقيني” كُتبتْ عام 1986، و”تنتظرين” عام 1981، أي عندما كانَ في العشرينات مِن عمره، ومع ذلك فغزليّاتُهُ الأخرى تعودُ إلى الأعوام 2006 و2008 وهلمّ جرّا.. وأنا لا أرى في القصائد الغزليّةِ غضاضةً مطلقًا، فالغزلُ يكتبُهُ الكهولُ كما يكتبُهُ الشّباب، والصّبايا الحِسانُ يعشقنَ شعرَ الغزل على قول أحدهم: والغواني يغرّهنّ الثناء!

في هذا الدّيوان يبدو صاحبُنا متعصّبًا للقصيدةِ الكلاسيكيّةِ على بحور الخليل بن أحمد، بعيدًا عن الشّعر الحُرّ وشعر الحداثة، حتّى أنّه يهزأ بهذا النّوع مِن الشّعر الدّخيل على اللّغة العربيّة، فيخاطب حصانه ص 48 بقوله في قصيدة صهيل: الخيلُ مِن فجر الدنى كانتْ خميرَ خرافة/ كانت نفيسة أهلها وشعار بادية كريمة/ كانتْ فتيلَ حماسة وصديقة الشعر الحميمة/ كانت وقودَ قصائد الفرسان/ تحملُهم إلى عزّ النّشيد إلى لهيب قصيدة/ والآن في برد الحداثة أين اسمُك يا حصان؟/ وأين رسْمُك في القريض وأنت رمز حماسة؟

إذًا هو يريدُ الشّعر الموزون المقفى، ولذلك يتابعُ أسلوبَهُ على الموزون المقفّى على الغلافِ الخارجيِّ الخلفيّ للدّيوان، وهناك عدّة دوافع تجعلُ الشّاعر يكتبُ باللكلاسيكيّة: لأنّ الشّعرَ الموزونَ المقفّى أسهل للحفظ/ لأنّ إلقاءَ القصيدة الكلاسيكيّة أقربُ إلى القلب بسبب جَرْسِها الموسيقيّ/ لأنّ هذا الشّعر له رنينٌ خاصٌّ في الأذن/ لأنّ أصحابَهُ يعتقدونَ أنّ الشّعرَ المُحدَثَ هو شعرٌ غريبٌ على اللّغة العربيّة ومستورَدٌ، لذلك يجبُ عدم الاهتمام به، لأنّ شاعرَنا يريد أن تكونَ القصيدةَ رنّانةً خطابيّة، يسمعُها السّامعُ فيطربُ لدى سماعِها،

ومع عدم محبّتِهِ لشِعر الحداثةِ إلاّ أنّه في قصيدته “أنا” يعود فيكتبُ الشّعر المُحدَث، ولكن بدون تعميةٍ أو إبهام، وقد يكتب القصيدة المحدثة مع كونِهِ ينتمي إلى الطّائفة المعروفيّة، إلاّ أنّه يعاقرُ الخمرةَ حتى ويتغزّل بها. وأخيرا يخرج الشّاعر في قصيدتِهِ الأخيرة عن اللّغةِ الفصحى “زهر اللوز” ص 109، في أغنيةٍ للشّاعر محمود درويش وباللّغة العامّيّة. هذه القصيدة غنائيّة وتصلح للتّلحين، فهي على البحر المحدث الّذي تفعيلاته فاعلن أو فاعل أربع مرات في كل شطر، وهي تبدو راقصةً حيث تنسابُ الكلماتُ مع اللّحن النّاعم في انسجامٍ تامّ، ومع كونِها أغنية راقصة إلاّ أنّ بين سطورها الشّيءَ الكثير من الوطنيّة الصّادقة، مع أمل أن يعودَ اللاّجئون إلى قراهم وأوطانِهم، فالشّاعر محمود درويش عاشَ الغربةَ عن مسقط رأسه “البروة” في الجليل، ومن حقّ أبناء البروة وغير البروة من الفلسطينيّين الّذين يعيشون في خيام الذّلّ والتّشرّد العودةَ إلى ديارهم، تمشيًا مع قرارات هيئة الأمم المتّحدة الّتي تضمنُ حقّ تقرير المصير. أخيرًا نقول للأستاذ يحيى عطالله تحياتنا لك أيّها الشّاعر المجيد، وليبْقَ قلمُكَ سيّالاً وشعرُكَ صهيلاً مُهلهلاً، يدخلُ شغافَ القلوب فيُطربُها في حماسٍ كلّهُ متعة وبهجة!

الشاعر جورج جريس فرح: قراءة عابرة في مجموعة “صهيل” للشاعر يحيى عطالله

يقع ديوان شاعرنا يحيى عطالله في 112 صفحة من القطع المتوسط ويشمل 29 قصيدة. قدّمت له الأديبة الباحثة راوية بربارة، فاستهلّت بقولها: هو حبرٌ تأخر فوحُ طيبه، لكنَّ أريجَ المسكِ يفضحُ صاحبَه.

اختار شاعرنا تسمية ديوانه “صهيل” وهو عنوان قصيدة من المجموعة وردت في صفحة 72 يختتمها بقوله:

ما الشعرُ إن لم يستفزَّ؟ وما القصـيدة ياترى؟/ إن لم تكن مثلَ الصهيلِ، يرنُّ في سمعِ الورى؟

يستدعي الشاعر كلماته مما ينسجم مع حالته الوجدانية، فجاء صهيلهُ في قصائدة التي طرق فيها مختلف المواضيع صارخًا مدويًا، صادقًا وشفافًا. وقد صهل متألمًا لما آلت إليه الأمة من هوانٍ، فقال في قصيدة “قفا نبكِ”، التي يذكّرنا عنوانها بمعلقة امرئ القيس:

أين الكرامة يا ترى؟ / أتُرى يطيب مقامُها في أمّةٍ/ ما زال فيها الخبز أكبرَ مسألةْ؟/ والسقفُ أصعَبَ مُعضِلَة؟

وصهل في قصيدة “يا فرات” متألمًا لما حل بالعراق من تفكك وتشرذم:

أُثقِلتَ بالدفـقِ المريرِ وقد غـدا فيكَ الخريرُ قصيدة الأحزانِ

لا تشكُ من بغيِ الغريب بقدرِ ما تشكو من الأخواتِ والإخوانِ

ماذا يضير الشمسَ لو من حولِها قمرٌ وحيـدٌ دارَ أو قمرانِ؟

وصهل مُطلقًا صرخته، متهكّمًا في “قمَة ماذا؟”:

يا عربَ “الطزِّ”، ويا لَعنةَ هذي الأمَّةْ/ يا من يُتخمُكمْ شحمُ النفطِ / فينسى الواحدُ منكم أمَّه!

وصهلَ متألمًا لألم لبنان حين بكى الرئيس سنيورة، وللإخوة المقتتلين في غزّة، وصهلَ للجولان في عيد الجلاء، وللولد في قصيدة “يا بني”، وصهل معاتبًا دنياه في قصيدة “حتى متى؟” وصهل حاثًا المرأة في قصيدة “تعلَمي”: إني رأيتكِ في اوراقِ داليةٍ فهل أراكِ على أعتابِ مُختَبَرِ؟

إلى أن يقول: يا نصفَ أمتنا المهدورَ طاقتُهُ يا نصفَ أغنيةٍ ينأى عن الوترِ

وفي هذه القصيدة ذاتها يتناول الشاعر تقاعص الأمة وتخاذلها عن مواكبة روح العصر:

من الخليجِ إلى إفريقيا دولٌ ما عندها مصنعٌ للشمعِ والإبَرِ

وأمة لبست من غير مغزلها واستوردت لبنًا من أغربِ البقَرِ

واستوردت دمها من قلبِ مَثلَجَةٍ واستجلبت فِكَرًا من تاجر الفِكَرِ

وهنا لا بد من وقفة للإشارة إلى أن بعض القصائد لا يخلو من الهِنات، فمثلاً: عجز البيت الأخير من الأبيات أعلاه ورد في الكتاب: واستجلبت فِكرَها من تاجر الفِكَرِ. الكلمة “فكرها” تخلّ بالوزن، لذا فقد قرأتها: “واستجلبت فِكَرًا” لتتجانس مع “واستوردَت لبَنًا”.

وأما مضمون الأبيات ذاتها، فإنه يحيلنا إلى جبران خليل جبران في قوله: ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر.

والتناصُّ في بعض قصائد يحيى يستدعينا لاستحضار صور من التراث الشعري الأصيل.

فمثلاً، البيت: هل كان دمعُكَ في الحوادث غاليًا لتهلّه في حضرةِ الأوغادِ؟

يستحضر أبا فراس الحمداني في القصيدة التي يقول فيها:

لقد كنت أولى بالدمع منك مقلة لكن دمعي في الحوادث غالِ

وفي نفس القصيدة بيت قال فيه:

لمن اشتكيتَ؟ لمن بكيتَ؟ أما تعي أن لا حياةَ لمن ترى وتنادي

بهذا يستحضر البيت الشائع:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي

وهو بيت اختلف الناس في نسبه إلى شاعر محدد. فمنهم من نسبه إلى عمر بن مَعْدي كرب بن ربيعة الزبيدي، ومنهم من نسبه إلى كُثَير بن عبد الرحمن بن الأسود (كثير عزَّة)، كما ورد البيت مُقتبسًا في قصائد لكبار الشعراء مثل بشار بن برد وعبد الرحمن بن الحكم وغيرهما.

في قصيدة أنا، تتجلّى عِزَّة نفس الشاعر وإبائه واعتداده بخصاله ونقاء سريرته، وشجبه للرياء والنفاق:

وليسَ لي بعضٌ هناكَ وبعضي الثاني هنا… هذا أنا!

ويختتم القصيدة بقوله:

لكنّما،/ مهما تُغرّرُكِ المُنى/ مهما عَذَلتِ ، وعضَّني منك المَلامُ/ فلن أكونَ سِوى أنا.

يقتحم علينا الشاعر فجأة، وبكل جرأة في قصيدة “دعابة جريئة”، ليقدم لآدم العزاء بفقدان الجنة، وليطمئن الرجل بأنه الرابح من تلك الصفقة، إذ فاز بحواء وأصبح يرى جمالها ومحاسنها، بعد أن كان يراها مجرد جذع شجرة: في الجنة / أنت ترى حواء كأنك تبصر جذع شجرة/ وترى نفسك /تجهل أنك ذكرٌ!

وهو يرى في حب حواء وعشقها، واحترامها، المفتاح بل جواز السفر، للعودة إلى الجنة:

إن كنتَ تحنُّ إلى مثواك الأول… أحبِب حواء أكثر… اطلب حواء.. أنصف حواء… اعشق حواء… علّم حواء.. بجّل.. قدّس…إلخ.

لغة الشاعر سهلة رقيقة، وأما المعاني فقريبة المأخذ، سهلة التداول، خالية من الترميز والتعقيد، معبرة عما أراده الشاعر بكل جلاء ووضوح.

وردت في المجموعة بعض الأخطاء التي أرجو أن تكون مجرد أخطاء طباعية، على سبيل المثال لا الحصر:

1- ص 35 أم يدعوا بقطع بنانكم– والصحيح: أم يدعو (بدون الألف) لأن الواو من أصل الفعل وليست واو الجماعة.

2- ص 69 أصبو إلى حل الظفيرة – والصحيح الضفيرة، فالضفيرة هي جديلة الشعر بينما الظفيرة هي المرأة التي تظفر بكل ما تريد.

3- ص 74 مهما يُغررك المنى – والصحيح مهما تُغررك المنى، فالمنى جمع تكسير، مفردها الأمنية، مؤنث.

عمومًا، لا يسع من يقرأ باكورة إصدارات شاعرنا إلا أن يقرّ بأنه يتحكم بناصية الشعر ويُبحِرُ في غمار بحوره، ويبرز ذلك في قصائده العمودية بشكل خاص. مع أصدق التمنيات له بدوام الصحة والمزيد من العطاء والإبداع.

محمّد علي سعيد: للشّاعر موقفٌ من قضيّة اللّغةِ والأوزانِ والبحور، ولهُ الحقّ أن يتحرّرَ ولا ينجرفَ إلى الحداثة، بشرطٍ أساسيٍّ أن يكون هناك تقدّمٌ في الكتاب القادم. في نصوصِهِ الكثير من التناصّ ،وهناك صورٌ مبتكرةٌ في قصيدة أمّي، كحفرة تعطي وكومة التّراب تزداد في العطاء. وقد لفتَ انتباهي الصّدقُ الفنّيّ والحياتيّ، وليس مجرّد شعارات أنّما يُعاني أكثر من غيره من قضايا شعبِهِ منذ عام 1948 حتىّ الآن، مُعبّرًا عن ذلك بصدق انتمائِهِ إلى إطار خدمةِ شعبِهِ، فيصرخُ صرختَهُ المُدوّيةَ بشكلٍ واضحٍ وصارخ شِعريًّا.

وهيب وهبة: على القصيدةِ أن تحملَ الإيحاءَ وأن تدخلَ في الحداثة، لأنّنا نتحدّثُ اليومَ عن القصيدة الّتي تحملُ أهمّيّةَ الإنسان في هذا الوجود ومكمونِهِ، والقصيدةُ تخضعُ إلى ثقافاتٍ عديدةٍ بحيث علينا مواكبة العصر الّذي نحياه بكلّ تفاصيلِهِ، أمّا قصائد “صهيل” فتحملُ المباشرةَ والنّزعةَ الخطابيّةَ الموجَّهة، والشّعر بجوهرِهِ قد تخلّى عن كلِّ هذه التّفاصيل واضحةِ المعاني.

نايف خوري: أحببتُ مجموعةَ “صهيل” وقصائدَها، لأنّها كُتبتْ بصدق، فلكلّ فردٍ وشاعرٍ أسلوبٌ ومنبرٌ ومنصّة، فيقول ما يشاءُ وكيفما يشاء، لكن الأهمّ هو الإيحاءُ الكامل السّليم والمضمون، بما يتجلّى في روحِهِ ويداعبُ العاطفة.

نزيه حسون: بالرّغم من أنّ شهادتي قد تكون مجروحة، لأنّ يحيى عطاالله صديق وأخ، إلاّ أنّني وبكلّ موضوعيّةٍ أقول، بأنّه يملكُ موهبةً شعريّة ومتمكّنٌ من أدواتِهِ اللّغويّةِ والنّحويّةِ والعروضيّة، أمّا بخصوص ما طُرحَ مِن قضيّةِ الحداثة، فإنّني أعتقدُ أنّها لا تتوقّفُ على أوزان وقافية وإنّما تتعدّى ذلك، فكما لا يمكنُ أن نلغي حداثة جبران خليل جبران والجواهري ونزار قباني؛ الذين كتبوا شعرًا موزونًا ومُقفّى، فالقصيدة حالةٌ وجدانيّةٌ شاعريّةٌ تعطي للمتلقّي إيحاءً ولغةً شعريّةً جميلةً وتخلق لديهِ حالةً جماليّة، فأقولُ للشّاعر يحيى عطالله اكتب كما أنت، فالشّاعرُ الحقيقيّ هو الّذي يعكسُ نفسَهُ على الورق.

هيام مصطفى قبلان: حيّت الشّاعر يحيى عطالله وأشادت بلغتِهِ وتمكّنِهِ مِن بحور الشّعر والوزن، ولمستْ صوتَهُ الشّعريَّ (صوتَ الرّعد)، فقصائدُهُ لا تحملُ الهمّ الذّاتيَّ فقط بل الهمّ العامّ خارجَ إطار الذّات، مِن همٍّ اجتماعيٍّ ووطنيٍّ يحملُ جرحَ الوطنِ العربيِّ من فلسطين إلى العراق، وعقّبتْ هيام على أنّ اللّغةَ العربيّةَ ليستْ ثابتةً ولا هي جماد، وإنّما على المبدع الذّكيّ والماهر أن يؤدّي إلى الدّهشة في المتلقّي بابتكاراتِهِ وخروجِهِ مِن جمودِ اللّغةِ ويباسِها، وأنّ القصيدةَ الكلاسيكيّةَ هي الأصل، ومِن المحبّذ أن يكونَ الشّاعرُ مطّلعًا على الأوزان والبحور، حتّى يختار أيّ نوع من أنواع الفنون الشّعريّة، وأنّها مع الحداثة تكتبُ التّفعيلة وقصيدة النّثر، ولا داعي لفتح النّقاش حول جودةِ القصيدة، إنّما الشّعر ما يدخلُ إلى النّفس ويسكنُها ويتركُ بها أثرا، وليس كلّ ما يُكتب مِن نظمٍ هو شعر، وليستْ كلّ قصيدةِ نثر هي شعر، وسيبقى الجدل بين القديم والحديث إلى ما لا نهاية، لأنّ اللّغةَ متناميةٌ وليس لها حدود!

آمال عوّاد رضوان: لا تهمّ المسمّياتُ ولا التّصنيفات في التّقييم الأدبيّ، ولا يكفي الصّدق بالكتابة فقط لنجعلَ النّصّ إبداعيًّا أو شعريًّا او أدبيًّا، فهناك مقوّمات وملكاتٌ أساسيّة أخرى يجب أن تتوفّر بالنّصّ إضافةً إلى الموهبة، (كاللّغة السّليمةِ والأسلوب والصّور الجديدة والتكثيف وعنصر التّشويق السّلس، وأهمّها الابتكار وعدم التّكرار والاجترار لما سبق)، كي يكونَ الإبداعُ ثريًّا ماطرًا، تحملُ سُحُبُهُ دلالاتٍ جماليّةً، تبعثُ على الدّهشة والإيحاء والاستمراريّة ومُعاوَدة القراءة مرّاتٍ، ومن خلال زوايا متعدّدة الرّؤية.

جودت عيد: الحداثةُ في النّصّ تجعلُنا نشعرُ بانطلاقٍ وحرّيّة، ممّا يضيفُ متعةً لكتابةِ النّصّ. والتّجديد الّذي وردَ في كتابِ الشّاعر يحيى عطالله يدعم فِكر التّجديد، بواسطة الدّمج الّذي أدخلَهُ بقدرةٍ لغويّةٍ ما بين الحداثة والتقليديّة، ممّا يُشجّعنا على الانسياب في الكتابة والانطلاق مع القلم بالحفاظ على ثوابت اللّغة، ولكن دون التّردّد في خلق صور جديدة وفكر جديد، حول الإنسان وكينونته. عند كتابةِ النّصّ وإن كان يميلُ إلى الإيحاء كشعر أو إلى التّحديد كنثر، ففي آخر الأمر هو نصّ يطرح فكرةً وتجربة، وتبقى تسميةُ النّصّ تُشكّلُ عائقًا أمامَ الإبداع في بعض الأحيان. أوافق رأي د. محمد خليل حول الحداثة وضرورة الكتابة من أجل الكتابة والإبداع دونَ الالتفافِ حولَ تعريفاتٍ أو تسميات، إنّما معاصرة التّغيير والتّجديد. أحيّي الشّاعر لهذا الثّراء اللّغويّ وقدرته على الاستعمالات المتعدّدة في النّصّ، ممّا يدعم الفكر في الدّمج بالذّات.

سماهر نجار: ها أنا جئتُ مِن بابِ الشّعر أطرقُ قولَ الكلمة، ربّما تحي النّور في بحور النّقد! هكذا تبدأ الكلمة من غصّة الحنين عند احتراق شعلةِ الشّعر، من شاعر يحنّ الى ماضٍ يعيش به أطلالَ العشق ليعبثَ بالحِبر، يُصوّرُ الفِكر والقلب، حقّا استطعتَ بلمساتِ الحروف، أن تنقلَ ما تحملُ مِن نبض الكرامةِ والعزّة تارة، واصطحاب الدّمع تارةً أخرلى. لغةُ الشّعر سلسة المآقي، جعلتِ الفكر يُخالط الحسَّ دون أن تفسحَ لعبثِ الأسئلة أو للنّقاش، تبدو واضحًا تنقلُ زمنَ الفكر الجليّ، وصاحب الموقفِ الواحد الصّريح، قادرٌ على إصدارِ صرخةِ الانتماء معلنها لكلّ عربيّ فلسطينيّ، مُكلِّلا هذا الانتماءَ بشموخ الجولان الّذي يشبهُ شموخَ “الأنا” لديك، وما لهذا الشّموخ سوى أن ينقلَ فرحَ الحياة، وأيّ حياة تتحدّث عنها عندما تقول: “خذني إلى فرح الجمال فإنّني سأظلُّ في علياءِ متنِكَ فارسًا وتطلُّ منّي صهوةُ العمر السّعيد”.

أمّا المرأةُ أيّها الشّاعر فهي تشبه الشّعرَ في وعيِك، فكلاهما يحضران في نشوةِ النّظم، لشِعرك العابثِ بقلب العاشق الّذي يقول: “وكم سهرتُ على عنّات قافيتي والنّظمُ شاغلني عن طلعة الفجر”.

لتنقلَنا الى الحلّةِ ذاتها في (اعشقيني): أدمنتُ عينيْكِ واحترتُ في لهفي إليكِ واحترفت الانتظارَ على دروبِك”

وقد جاء هذا التّشابهُ ليجعلَ الشّعرَ يغوصُ أكثر الى أعماقه في سطورك، وحتمًا مهما شربت من كؤوسه “لن يوصلك الى الحفة”، بل سيحي روحَ القلم ثانية في قصيدة كأسي. وأخيرًا أدعوك دعوةَ صدقٍ إلى خوض مغامرةٍ شعريّةٍ جديدة، إلى فنجان قهوة من القراءات، لتأتي لنا بمزيد من الشّعر، لنُحاكي معك أحلامَنا وحاضرَنا، وكي نغوصَ في عُمق اللّغة والقوافي، ونُبحرَ في بحور الشّعر والذّكريات، ولن ننسى أيّها الشّاعر شكرك وتقديرك وأنتَ تقدّمُ الشّعر لكلّ مَن يقرأ ولا يقرأ.

د. محمد خليل: أوّلاً بالنّسبةِ لموضوعةِ المقاومة، فأعتقدُ أنّها مسألةٌ محسومةٌ، ولم يعُدْ يختلفُ اثنان بأنّ المقاومةَ حقٌّ مشروعٌ للشّعوبِ المقموعةِ والمقهورة، فما بالُنا بالنّسبة للشّعوب المحتلّة؟ فهذا حقٌّ وواجبٌ تُقرُّهُ القوانينُ الشّرعيّةُ والوضعيّةُ على السّواء. بأيّ حقٍّ أو تبرير يحقُّ لأيّ طرفٍ كان احتلالَ طرفٍ آخر وقمْعِهِ وسلْبِهِ حرّيّته وكرامته، وانتهاكَ أرضِهِ وعرضِهِ ومقدّساتِهِ؟ هذا غير معقولٍ وغير مقبولٍ البتّة. إنّ كلّ شعب يحتلُّ شعبًا آخر هو نفسُه لا يكون شعبًا حُرًّا ولا ديمقراطيًّا، وكلُّ ادّعاءاتٍ أخرى هي مجرّدُ شعاراتٍ جوفاء خالية من أيّ مضمون. مِن حقّ الشّعوبِ أن تحيا بكرامةٍ وحرّيّةٍ ومحبّةٍ وسلام، وهذه قواعد تُقرُّها وتؤيّدُها البشريّةُ جمعاء. وإلى الآن لا يعرفُ التّاريخُ مكانًا احتلَّ مِن قِبل الغريبِ أو الدّخيل ولم يَجدْ مقاومة. إنّ الحرّيّةَ تُؤخذُ ولا تُعطى هكذا علّمنا التّاريخ .أمّا بالنّسبةِ لموضوعةِ الحداثة فأقول: لقد أصبحنا نعيشُ في القرن الحادي والعشرين، والغريبُ أنّه ما زلنا نجدُ بيننا إلى الآن مَن يعترضُ أو يُعارضُ رياحَ الحداثة الّتي بدأتْ تهبُّ ناحيتَنا متأخّرة، نحن نعلم أنّ الحداثةَ بدأتْ تتمظهرُ في العالم الغربيّ مع أواخر القرن التّاسع عشر، ولم يعُدْ بإمكان أحد أن يقفَ في وجهِها أو يصدّها، إنّها رياحٌ عالميّةٌ لا سيطرةَ لأحد عليها، والجميعُ يعلمُ أنّ سِمَتَي التّأثير والتّأثّر موجودتان على أرض الواقع بالفعل وبالقوّة، شئنا ذلك أم أبيْنا، والعالمُ اليومَ أصبحَ قريةً كونيّةً صغيرةً، ولا يمكن ولا نستطيعُ أن ننعزلَ عن العالم ونبقى وحدَنا نعيشُ في عزلةٍ عن سائرِ البشر. وأشَدُّ ما يؤسف أنّ بعضَهم ما زال يَرغبُ ويتمسّكُ ويتغنّى بالماضي لا لشيء، إلاّ لأنّه هو المبجّلُ والمقدّس في نظرِهِ، ونسيَ أنّ الحاضرَ والمستقبلَ يفرضُ عليه تحدّياتٍ جديدةً ومسؤوليّاتٍ كبرى وإشكاليّاتٍ معقّدةً ومركّبةً، لا يمكنُ مواجهتَها بالوقوف على الآثارِ الدّارسةِ والبكاءِ على الأطلال. لقد حانَ الوقتُ أن يَبرحَ هؤلاء أمكنتَهم ولا يتمسّكوا بمواقفِهم المسبقة، الّتي ترفضُ مجرّدَ التّفكيرِ في الحداثة. الحداثةُ الحقيقيّةُ حداثةُ العقل والتّفكير والإبداع والانطلاق، لا التّكرارُ والتّلقينُ والاتّباع والجمود. الحداثةُ عالمُ التّغيير والمحاولة، طبعًا إلى الأجمل والأفضل، في كلّ لحظةٍ لا في كلِّ ساعةٍ فقط، الحداثةُ عالمٌ مُبهِرٌ وساحرٌ بكلِّ ما للكلمةِ مِن معنى.

نظير شمالي: الأدبُ عامّةً لا يقبلُ التّأطيرَ والقوْلبةَ وخاصّةً الشِّعر، فأعطِني شِعرًا جيّدًا، ولا يهمُّني إن كان تقليديًّا حداثيًّا رومنسيًّا واقعيًّا تكعيبيًّا أو تعبيريًّا، فالشّعرُ الجميلُ هو الذي يفجؤُكَ ويُدهشُكَ ويؤثّرُ فيك، فكم من قصيدةِ عموديّةٍ ميّتةٍ لاحياةَ فيها، وكم من قصيدةٍ عموديّةٍ أدهشتْنا ولا تزال، وكم من قصيدةٍ حداثيّةٍ ميّتة لم تستطعْ أن تمدَّ إلينا جسرَ حوار، وكم من قصيدةٍ حداثيّةٍ أدهشتْنا وأبهرتْنا وشدّتْنا إليها بقوّة.

الزّجليّ شحادة خوري أتحفَ الحضورَ بعذبِ وصلةٍ زجليّة مهداة للشّعر وللشّاعر يحيى عطالله.

يحيى عطالله: شكرَ الحضورَ وأثنى على القائمينَ على إحياء هذه النّدوة والمتكلّمين بها، تحدّث بنبذةٍ قصيرةٍ عن سيرتِهِ الذّاتيّةِ ومُنطلقاتِهِ الوطنيّة، وقد اعترض على تخييرِهِ بينَ اللّونيْن الحداثيِّ والكلاسيكيّ، أو التّنازل عن ذلك الجمال التّراثيّ العروضيّ، وان كان الحكم على الشّعر العربيّ الكلاسيكيّ أنّه نظمٌ، فله الفخرُ أن يكونَ نظّامًا، لأنّه يكتبُ بالأساس ليُرضي نفسه أوّلاً وآخرا، وإن كان تقليديًّا فهو ليس مُقلِّدا.

آمال عوّاد رضوان
آمال عوّاد رضوان
آمال عوّاد رضوان
آمال عوّاد رضوان
Amal Aouad Redouan  :: ندوة الحوارِ الثّقافيّ حولَ "صهيل" للشّاعر يحيى عطالله  آمال عوّاد رضوان
Amal Aouad Redouan :: ندوة الحوارِ الثّقافيّ حولَ "صهيل" للشّاعر يحيى عطالله آمال عوّاد رضوان

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz