نحو تصور علمي من أجل التمكين للغة العربية في المنظومة التربوية / وجدة البوابة: محمد شركي

359112 مشاهدة

وجدة البوابة: محمد شركي/ نحو تصور علمي من أجل التمكين للغة العربية في المنظومة التربوية

بداية سأقف  وقفة لغوية قصيرة  مع  عنوان  هذه  الورقة  الذي اقترح علي تمهيدا  بها لهذا الموضوع. أما  لفظة  ” نحو ” وهي  من فعل نحا  ينحو  نحوا الشيء إذا قصده  ، وهي لفظة تكون اسما  وظرفا ، وهي  في هذا العنوان  ظرف  ، والمقصود الذي تقصده   هو  لفظة ” تصور” ، وهي من فعل  تصور  الشيء  إذا توهم  أو تخيل صورته.  وقد  نسب  هذا  التصور  إلى  العلم  ، والعلم  عبارة  عن إدراك حقائق  الأشياء والأمور. والتصور العلمي  في هذا العنوان هدفه التمكين ، وهو من فعل مكن يمكن  مكانة  إذ ارتفع  وصار ذا منزلة ، وفي الذكر الحكيم  قول الله تعالى: (( ونمكن لهم في الأرض )) القصص الآية 6 . ومن مكن له  كان  مكينا أي ذا مكانة  ومكنة  أي قوة  ومكنة  أي  تمكن . والمكانة المنزلة  ورفعة الشأن. وفي اعتقادي  أن  اللغة  العربية مكينة لا تحتاج إلى تمكين ، و قد بوأها الله عز وجل  رفعة  الشأن ، وعلو المكانة لما  خصها  بكلامه  في  آخر  رسالة   إلى خلقه  أجمعين . والحقيقة  أن  المنظومة  التربوية  هي التي  يجب  أن يمكن  لها لتبلغ  رفعة  لغة  القرآن  الكريم . ولغة  القرآن  الكريم  لغة تمكن  معروفة بالمتمكن  من الأسماء، وهو الذي سلم  من الشبه بالحرف ، ولا يبنى مثله ، ونقيضه غير المتمكن، وهو ما شبه الحرف في بنائه  نحو ” كيف وأين ” . والمتمكن  من الأسماء  نوعان : المتمكن الأمكن وهو المنصرف الذي تظهر في آخره جميع الحركات مع  التنوين نحو ” محمد ” والمتمكن غيرالأمكن ، وهو المنصرف الذي لا يلحقه  كسر  ولا تنوين  نحو  “إبراهيم ” . ولغة  اللغة  العربية  فيها المتمكن  والأمكن لا تحتاج إلى تمكين  بل  هي الممكنة . وأما لفظة  ” منظومة “،  فهي من فعل  نظم  ينظم نظما  ونظاما  إذا  ألف الشيء وجمعه  باتساق  كما هو  الشأن بالنسبة للكلام المنظوم  أي  المؤلف وزنا  وقافية . وسميت  المنظومة التربوية  لأنها  تخضع  لنظام وفيها  تجمع  وتؤلف  المعارف .

وبعد ،  يعتقد المهتمون بالمنظومة التربوية عندنا  بأن  العربية غير ممكن لها  في هذه المنظومة ، وهذا من سوء  التصور إذ الحقيقة  أن  المنظومة  التربوية  هي  التي لم  يمكن  لها  باللغة  العربية ،  إذا ما استقام  التصور  وكان  علميا . وأصح  علم  هو  كلام  الله  عز وجل ،  وهو معلم الإنسان  ما لم يعلم  . وما  علمه له  الخالق  سبحانه  هو  التصور  العلمي  ، وما دون  ذلك  محض  أوهام  وتخيلات . ولنبدأ  بالتصور  العلمي  للإنسان  في  القرآن  الكريم  حيث  يقول الله  تعالى  : ((  والله  أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون  شيئا ))  سورة النحل الآية 78  كما  يقول سبحانه  : (( هو أعلم بكم  إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة  في  بطون  أمهاتكم )) سورة  النجم الآية 32 . ولا  يزول  جهل الإنسان  إلا بما  يعلمه  له  خالقه  سبحانه  وتعالى  مصداقا  لقوله  عز من  قائل : (( اقرأ باسم ربك  الذي  خلق  خلق  الإنسان  من علق  اقرأ  وربك الأكرم الذي علم  بالقلم  علم الإنسان ما لم يعلم )) سورة العلق من الآية 1 إلى الآية 5 ، وقوله  أيضا : (( الرحمان  علم  القرآن خلق  الإنسان  علمه  البيان )) سورة  الرحمان من الآية 1 إلى الآية 4 . ولقد فاضل  الخالق  سبحانه  وتعالى  بين  من  يعلم من خلقه وبين من لا يعلم  فقال جل من قائل : ((  قل هل  يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) سورة  الزمر الآية 9  ، كما  قال : (( يرفع  الله الذين  آمنوا منكم والذين  أوتوا  العلم  درجات )) سورة  المجادلة الآية 11. وجعل سبحانه  غاية  العلم  تقواه  وخشيته  فقال : ((  إنما  يخشى  الله  من عباده  العلماء )) سورة فاطر الآية 28 . وجعل  الله  عز وجل  العلماء من  خلقه  ورثة  أنبيائه ومكن لهم . ويتبين  من  التصور  القرآني ، وهو تصور  علمي   أن  الإنسان  يتعلم  بالقراءة  والكتابة  ، وهما  مهارتان بينهما  صلة  وعلاقة  جدلية ،و تتخذ  منهما  اللغة وسيلتين  لتكتسب ، علما بأن  اللغة هي  وسيلة  تحصيل  مختلف  العلوم  والمعارف . ولقد  مكن  الله  عز وجل للسان  العربي  حين  اختاره  وسيلة لنقل  آخر رسالة منه  للبشرية  قاطبة . ولا  تبلغ  رسالة  عالمية إلا  لغة  في مستوى  هذه المهمة ، وقد أشاد  بها  الله  عز وجل  كوسيلة  في قوله  عز من قائل : ((  وإنه لتزيل رب العالمين  نزل به  الروح  الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان  عربي مبين )) سورة  الشعراء الاية 195 . ووصف  العربية  بالبيان دليل على أهليتها  وكفاءتها لتبليغ كلام  الخالق سبحانه للمخلوقات ، وهو وصف  يدل على أنها  استوفت من الشروط  والخصائص  والمميزات ما  يؤهلها  لتبليغ  آخر رسالة سماوية ، ولا عذر لمن بلغته  الرسالة  بلسان  مبين. ولقد تولى  الله عز وجل تقديم  تصور علمي  للتعلم  عموما  وتعلم  اللغة  خصوصا  حين  أمر رسوله  صلى  الله عليه  وسلم  بالقراءة  ليحصل له  العلم ، كما  أخبره  أن  تحصيل  العلم يكون  بالقلم كناية  عن  الكتابة . وبناء على هذا  يكون تعلم  اللغة  العربية  بوسيلتي  أو مهارتي القراءة  والكتابة . ومعلوم أن  البشر يتلقون  اللغة   خلفا  عن  سلف  إذ يحاكي  فيها  الخلف  السلف . ولا  يحصل  التمكن  من اللغة إلا  إذا  كان الخلف  يحاكي فيها  أفصح  وأبلغ  السلف. ولا  يوجد  تمكن من  اللغة  العربية  أولى  وأجدر  بالمحاكاة من  كلام  الله  عز وجل . والمقصود  بمحاكاته  ليس  النسج على منواله  لأن ذلك مستحيل  لإعجاز  كلام الله تعالى  ، وإنما  المقصود  هو استرجاعه  واستظهاره  وحفظه لاكتساب  اللغة الرفيعة . ولقد كانت العرب  قبل  نزول  القرآن  الكريم  أهل  فصاحة  وبلاغة  حتى أن  القرآن  الكريم  تحداهم  في  فصاحتهم  وبلاغتهم  ، وكان  امتلاكهم  للفصاحة  والبلاغة  يعزى  إلى  محاكاتهم بلغاءهم وفصحاءهم  من الشعراء  والخطباء . وكانوا يعمدون  إلى أشعار شعرائهم  يحفظونها  ويسترجعونها  حتى  تستقيم قرائحهم  فينصرفون  عما  حفظوا  واسترجعوا ،وتتفتق  شاعريتهم الخاصة بهم . ولما  نزل  كلام الله  عز وجل بلغتهم  بهرهم  هذا الكلام ،واحتاروا  في  أمر  لغتهم  التي  نقلته  وهو  الحق   وكانت  قبل  نزول الوحي تقتصر على نقل أباطيلهم  وأوهامهم . ولقد صور الله  عز وجل  في القرآن الكريم  حال  أفصح  فصحائهم   الوليد بن  المغيرة  في قوله  عز من  قائل  : ((  إنه  فكر وقدر فقتل  كيف  قدر  ثم قتل  كيف قدر  ثم  نظر ثم عبس وبسر ثم  أدبر  واستكبر فقال  إن  هذا إلا  سحر  يؤثر  إن هذا إلا قول  البشر)) سورة  المدثر  الآية 25 . ولم  يستسغ  هذا  الفصيح  البليغ العنيد أن  يستعمل  الخالق  سبحانه  لغته  العربية  التي كان  يعرفها حق المعرفة ، لهذا  أصر  مستكبرا على أن القرآن  قول  البشر  ما دام  قد استعمل  العربية  لغة  البشر. وخلف  من بعد  جيل  الجاهلية   أجيال  دأبت  على سماع  كلام  الله عز وجل  واسترجاعه فحصلت  لهم  بلاغة  وفصاحة ، وحصلوا  من العلوم  والمعارف  ما  لم يعلمه أو  يعرفه جيل  الجاهلية  الذي  كان  أصح علم  عنده  هو  الشعر  كما  قال  الفاروق رضي الله  عنه . ولقد  درجت الأمة  المسلمة  عبر  الأجيال  المتعاقبة على جعل  أول  خطوة للتمكن من  اللغة  العربية  حفظ  واسترجاع  كتاب  الله  عز وجل ، وقد  سمى  عبد  الرحمان  بن خلدون  رحمه  الله  ذلك  بركة . ولا زالت  الأمة تنشد  هذه  البركة  ، ولا زالت  هذه  البركة دليلا عبر  الأزمنة  المتعاقبة على أن  حفاظ  كتاب الله  عز وجل  أقوم ألسنة  من  غيرهم   وأفصح  وأبلغ . ولا يخطأ  قارىء للقرآن  الكريم  كما  يخطأ  قارىء لغيره . ومع  تراخي  الزمن  وانصراف  الأمة  عن  حفظ  واسترجاع القرآن  الكريم انخفضت أرصدتها من  اللغة  العربية  حتى بلغت  أسفل  درك ،ففسدت  الألسنة  ،وانحط  التعبير والإنشاء. ويأتي بعد حفظ كتاب الله عز وجل  واسترجاعه حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثم   حفظ كلام  البلغاء  والفصحاء من جيد المنظوم  والمنثور بحيث يفضي الاحتكاك بكل ذلك إلى صقل  الملكات  اللغوية .  ومن الملاحظ أن ألسنة الصبية  والناشئة  تنطلق بلغة  القرآن الكريم  ،ولغة الحديث  الشريف ، ولغة منظوم الكلام  منثوره البليغ  أفضل  بكثير  مما  تنطلق بما دون  ذلك من الكلام. وزلة المنظومة  التربوية  عندنا  أنها  أعرضت عن  أسلوب  تلقين  المختارات من جيد الكلام  للناشئة ، وغلب  على  الكتب  المدرسية المعتمدة الكلام العادي الذي لا فائدة  من حفظه واسترجاعه، فقصرت  بذلك  الهمم اللغوية  ولم  تعد  الناشئة  تحسن  التعبير ولا الإنشاء . وإذا  ما تضمنت  الكتب المدرسية  شيئا  من الكلام  البليغ و هو في حكم النادر استغلق  على هذه الناشئة ، واعتبرته من  الصعب  لطول عهدها بجيد الكلام  ومعاشرتها  لما دونه  جودة  وبلاغة  وبيانا . وإذا ما كان سعينا صادقا نحو تصور علمي للتمكين  لمنظومتنا  التربوية  باللغة  العربية ، فإنه  يتعين  على أصحاب  القرار  التربوي العودة  إلى  أسلوب المختارات من جيد الكلام  وبليغه  وعلى  رأسه  كلام  الله  عز وجل  وكلام  رسوله  صلى  الله  عليه وسلم ثم ما دونهما  من  أشعار وخطب وأمثال تعرض  على  الناشئة  لتسترجعه  وتستظهره  لترتقي  بملكتها  اللغوية  كتابة  ومشافهة . ولتحفيز هذه  الناشئة على ذلك لا بد  من ربط تعلم  اللغة  العربية  بعبادة  الخالق  سبحانه  وتعالى ، لأن تعلمها علم  من ضمن العلوم  ، وقد  أشاد  رسول  الله  صلى  الله عليه  وسلم  بها  في قوله : ” من سلك طريقا يلتمس فيه علما  سهل له به  الله طريقا إلى الجنة ”  رواه  مسلم . ولا بد من ربط   تعليم  العربية  بالعبادة أيضا لقوله عليه  السلام  : ”  إن الله  وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في حجرها  وحتى الحوت يصلون على معلمي الناس الخير ”  رواه الترميذي ، وأي خير أفضل من تعلم  لغة  القرآن  الكريم . وإذا ما أقبلت  الناشئة  على  تعلم اللغة  العربية  بنية العبادة ، وأقبل  من يعلمهم  على  تعليمها بنفس النية  حصلت  البركة  التي  تحدث  عنها  ابن خلدون  رحمه  الله ، وبارك الله  عز وجل  في  المعلم  والمتعلم معا ، وسهل  امتلاك  ناصيتها  وإتقانها . ولقد  أكد طلاب التعليم الشرعي العتيق عندنا والذين يقبلون  على تعلم  اللغة  العربية  بنية العبادة  براعتهم  بها  مقارنة  مع  غيرهم ممن لا  يوظفون  ملكة  الاسترجاع  والحفظ والاستظهار ، ولأمر ما  يقال  : ”  من يحفظ حجة على من لا يحفظ ” ، ومن رغب في  إقامة  حجة  الحفاظ  على غير الحفاظ  فليقارن  بين  طلاب  التعليم  العتيق  وطلاب  التعليم  العصري   تعبيرا  وإنشاء ليدرك  الفرق  الشاسع بين  الفئتين . ومع  وضوح  الحجة والبيان من خلال نتائج  ملموسة  لا زال  الأوصياء  على  المنظومة التربوية  عندنا  يخبطون  خبط عشواء  عندما يتعلق الأمر بعقد صلح بينها  وبين  اللغة العربية  بل  بلغ  الأمر  حد  مطالبة  البعض  بإحلال  العامية  محلها لتزداد الناشئة  عجمة  وعيا . وأخيرا  نسأل  الله  عز وجل  أن  يبصر الأوصياء على منظومتنا التربوية وهم في غمرة إصلاحهم  بالعيب  في تعليم العربية، ويعينهم  على  تداركه، وهو بالاستجابة  جدير  وعلى ذلك قدير . والحمد  لله رب العالمين  والصلاة  والسلام  على سيد  المرسلين  وآله  وصحبه أجمعين .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz