نجاح عملية الدخول المدرسي رهين بصدق إرادة كل الأطراف المعنية

14842 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 5 شتنبر 2012، مع بداية كل موسم دراسي جديد تصير عملية الدخول المدرسي هاجسا مؤرقا للمسؤولين مركزيا وجهويا ومحليا  ولكل الأطراف بما فيهم الآباء والأولياء والفاعلين المنتمين لقطاع التربية، وتعقد في شأنها اللقاءات بين مختلف الفعاليات، ولا يهدأ بال الجميع إلا إذا ما مرت هذه العملية بسلام ونجاح. ولقد صارت فترة ما قبل انطلاق الدراسة شبيهة بفترة ما قبل انطلاق مركبة فضائية حيث يحبس الجميع أنفاسهم إلى غاية تجاوز فترة التعثر، وحصول  نجاح الانطلاق حينئذ يتبادلون التهاني. وتختلف الاستعدادات لإنجاح عملية الدخول المدرسي من جهة إلى أخرى تبعا لظروف كل جهة، ومميزاتها من حيث انتماؤها الحضري أو القروي ومن حيث مستوياتها الثقافية. ففي بعض الجهات يعتبر الدخول المدرسي بالفعل حدثا فوق العادة بالنسبة للجميع سواء تعلق الأمر بالأسر أم بالإدارات التربوية أم بهيئات التدريس أم بالمسؤولين على اختلاف مسؤولياتهم، في حين أن الأمر يختلف تماما في جهات أخرى حيث يعتبر هذا الحدث عاديا لا يستوجب حتى مجرد الاستحضار أوالتذكر. وأكاد أجزم بأن ثقافة استقبال الموسم الدراسي الجديد في بعض الجهات تكاد تقارب أوتضاهي ثقافة الأمم العريقة في التحضر  حيث تأخذ بعض الأسر التحاق أبنائها بالمؤسسات التربوية مأخذ الجد، وتستعد له كما تستعد لكل الأحداث المهمة بالنسبة لها، كما أن  إدارات المؤسسات التربوية وأطرها يشاطرون هذه الأسر اهتمامها الكبير بالحدث، ويبدو ذلك من خلال انخراط الجميع فيما يضمن نجاح عملية الدخول المدرسي. وفي المقابل  تكاد ثقافة استقبال الموسم الدراسي الجديد تنعدم عند البعض ، ولا يأخذ الدخول المدرسي مأخذ الجد عند كل الأطراف، وربما انتشرت عدوى عدم الاحتفال بالدخول المدرسي من أسر المتعلمين وآبائهم وأوليائهم إلى الفعاليات التربوية. ومعلوم أن نجاح عملية الدخول المدرسي تتوقف بالدرجة الأولى على حضور إرادة صادقة لدى الجميع. ويتعلق الأمر أولا  بالناشئة التي يجب أن  تكون رغبتها في العودة إلى المؤسسات التربوية في حجم رغبتها في الاستمتاع بالعطلة الصيفية . أما إذا كانت العودة إلى الدراسة ثقيلة على نفوس الناشئة، فإن الرهان على نجاح الموسم الدراسي يكون خاسرا. والناشئة هي أول طرف يلعب دورا أساسيا في نجاح الدخول المدرسي  حسب النفسية التي  تستقبل بها هذه الناشئة الموسم الدراسي. وفي الغالب يلاحظ أنه كلما كانت الناشئة في سن البراءة إلا وكانت فرحتها أكبر بالإقبال على الدراسة ، بينما يلاحظ الفتور والتراخي عليها مع تقدم سنها. وقد يلعب  المستوى التعليمي للأسر دورا كبيرا في تحديد علاقة الناشئة بالمؤسسات التربوية  حيث يزيد وعي الأسر المتعلمة من  إقبال أبنائها على الدراسة أكثر من غيرها.  ويختلف الحرص على نجاح عملية الدخول المدرسي بين المؤسسات العمومية والمؤسسات الخاصة، ففي حين  يكون حرص المؤسسات العمومية إن وجد تربويا صرفا ، فإن حرص المؤسسات الخاصة  يختلط فيه التربوي بالاقتصادي  أو المصلحي حيث توظف سمعة مؤسسات التعليم الخاص التربوية من أجل تحقيق الأرباح المادية . ولهذا نلمس في الغالب حرص مؤسسات التعليم الخاص على إنجاح الدخول المدرسي أكثر من حرص مؤسسات التعليم العمومي لهذا السبب. وقد تيمم  بعض الأسر الحريصة على تعليم أبنائها صوب التعليم الخصوصي، وتنخرط مع  مؤسساته في منطق الربح والخسارة، وكأنها تقتني لأبنائها النجاح على غرار ما تقتنيه لهم من  ألبسة وأطعمة وأشربة. وفي المقابل نجد بعض الأسر التي لم تقتنع بمنطق الربح والخسارة تنقل أبناءها من التعليم الخصوصي إلى التعليم العمومي دون أن  تقطع صلتها كليا ببعض مؤسسات التعليم الخصوصي التي  تعطي دروسا  خصوصية في الدعم والتقوية، وكأن هذه الأسر تحرص على أن  ينتمي أبناؤها إلى التعليمين  معا العمومي والخصوصي. وقد تحرص هذه الأسر على أن يلتحق أبناؤها بأعرق  وأشهر مؤسسات التعليم العمومي كما كانت حريصة من قبل على أن  ينتمي أنباؤها إلى أفضل وأحسن مؤسسات التعليم الخصوصي . ومن  مظاهر الحرص على إنجاح عملية الدخول المدرسي هاجس الأسر والآباء والأولياء على تسجيل أبنائهم بأقسام معلومة لاشتهار هذه الأقسام بأطر تدريس ذات سمعة وشهرة بسبب كفاءتها التدريسية المشهودة لها. وقد  تتشاءم بعض الأسر بسبب  حظوظ أبنائها السيئة حين لا يسجلون في هذه الأقسام المغرية. وبعد دور الناشئة في إنجاح عملية الدخول المدرسي إلى جانب أسرهم، يأتي دور باقي  الأطراف التربوية، وعلى رأسها الإدارات التربوية التي  يشترط فيها  التناغم الكامل بين كل أطرافها، لأن  مجرد غياب روح العمل الجماعي المتكامل يؤثر سلبا على سير الدراسة في المؤسسات التربوية. والعمل الجماعي المتكامل بين أطر الإدارة التربوية يتأثر بطبيعة نوعية التدبير الإداري الذي يتراوح بين  قطبين مشهورين هما التدبير التشاركي، والتدبير  المستبد. فبعض الإدارات التربوية  تفترض الجدية والنزاهة والاستقامة فيها وحدها دون غيرها ،لهذا تميل نحو التدبير المستبد حيث يصير رئيس المؤسسة هو كل شيء أو بتعبير الثقافة الشعبية في الجهة الشرقية  هو: ” حميد المان والرشام ومول القهوة والجرسون … ”  وهو يفهم في كل شيء، ويعرف كل شيء وغيره لا يعرف شيئا ،بل غيره لا ثقة فيه، وهو تحت الرقابة والرصد لأن التقصير منتظر منه والشك يحيط به أو يلاحقه.  وتبدو ملامح التدبير الإداري التربوي المستبد عند بوابة المؤسسة حيث ينتصب المدير وهو في نفس الوقت ناظر دروس وحارس للخارجية والداخلية معا، ومعيد، ومقتصد، وعون كنس، وحارس، وبواب بحيث يتعسف على القيام بجميع أدوار هؤلاء، ويسد مسدهم كما تسد بعض الظواهر اللغوية مسد بعضها البعض دون أن  يعي أنه يفتقر إلى شيء اسمه التدبير التشاركي الكفيل بنجاحه. فيكفي أن يكون رئيس المؤسسة  هو كل من في المؤسسة  ليكون فاشلا  فشلا واضحا، ذلك أن  التدبير الإداري الناجح هو أن يوفق رئيس المؤسسة في حمل طاقمه الإداري على الانخراط  في العمل التشاركي. وعندما يكون تدبير رئيس المؤسسة مستبدا ينعكس على المؤسسة بما في ذلك على المتعلمين وعلى أطر التدريس، وعلى كل الشركاء بما فيهم الآباء والأولياء. ويلمس التدبير الفاشل في أول لقاء مع رئيس مؤسسة  يظن بنفسه الكفاءة  واهما حيث  يلحق بسمعته الضرر الجسيم من خلال  سوء التصرف مع كل من يزوره وهو يعتقد أنه يحسن صنعا، ويعتقد أن ذلك من  خصائص الخبرة والكفاءة، وقد  تبدو تصرفاته مثيرة للسخرية  حيث يتصرف  وكـأنه في ضيعته وليس في مؤسسة عمومية، فيستقبل كل من يطرق بابه بالرفض الذي يبدو على سحنته وعلى قسمات وجهه، وقد يعمد إلى مسابقة من يزوره بالسؤال قبل معرفة قصده وغايته بالسؤال :  هل تريد تسجيل  ابنك  عندي؟  ويصير سؤاله إنكارا يفيد النفي ، أو قد يبادر من يزوره بالقول : “لا تطلب مني كذا، واطلب ما  شئت  بعد ذلك  ” ويتعامل مع الزوار وكـأنهم يستجدونه  مع أن مساطر تسجيل المتعلمين  معلومة وأساسها تكافؤ الفرص بين أبناء شعب واحد حتى تستوفي بنيات المؤسسات طاقتها الاستيعابية  بشكل صحيح غير منفوخ فيه. وما يحصل لدى بعض الإدارات ذات التدبير المنحرف هو استغلال بنيات مؤسساتها بل الارتزاق بها  بشكل من الأشكال حيث  يتم الإعلان عن استيفائها الحد المطلوب قانونيا وواقع الحال غير ذلك من أجل انتقاء المتعلمين حسب مناصب الآباء والأولياء ومستوياتهم المادية من أجل استغلال العلاقة معهم، وهو أمر قد لا يخجل بعض رؤساء المؤسسات من التباهي به بدعوى أنه يحقق لهم مصالح تعود بالنفع على مؤسساتهم، والحقيقة أنهم  يموهون على  مصالحهم الشخصية  المكشوفة، وأتفهها  ربط علاقات مع أفراد بعينهم حسب مكانتهم الاجتماعية. فالمؤسسات التي تعرف هذا النوع من السلوكات المنحطة لا يمكن الحديث فيها عن نجاح دخول مدرسي،  ولا عن  نجاح موسم دراسي. وإلى جانب دور الطاقم الإداري في إنجاح الدخول المدرسي يعتبر دور الطاقم التربوي أكثر أهمية لأنه الطرف المؤثر مباشرة في الناشئة المتعلمة حيث  يكون إقبالها على الدراسة حسب الأثر الذي تخلفه فيها هيئة التدريس. ولا نبالغ ولا نزايد على أحد إذا ما قلنا إن ظاهرة  نفور الناشئة من المؤسسات التربوية قد تكون بسبب الانطباع السيء الذي تخلفه بعض أطر التدريس في نفوس الناشئة. فعندما  تعود الناشئة إلى المؤسسات التربوية برغبة جادة وبإقبال على الدراسة، وتصادف بعض الأطر التربوية المتراخية في أداء واجبها أو على أقل تقدير المتباطئة في القيام بالواجب منذ أول يوم من الموسم الدراسي، فإن الناشئة تصاب بالإحباط، ويدب إلى نفوسها الشعور بالنفور من الدراسة، ولهذا يكون هذا الأمر سببا في  الالتحاق المتأخر ببعض المؤسسات التربوية، و يصير عادة، وقد يكون  أيضا سببا في الانقطاع المبكر عن الدراسة. وقد لا ينجح الدخول المدرسي بسبب العلاقة المتوترة بين الطاقم الإداري والطاقم التربوي  حيث  تؤثر هذه العلاقة مباشرة في انطلاق الموسم الدراسي. فعندما  يبدأ الموسم الدراسي على سبيل المثال بصراع بين الإدارة وأطر التدريس حول   جداول الحصص من حيث  توزيع مستوياتها وعدد حصصها، فإن ذلك يعد مؤشرا على انطلاقة متعثرة للدراسة بسبب الخلاف حول هذا الأمر،خصوصا إذا انعدم مبدأ تكافؤ الفرص فيما يخص  توزيع الحصص . فبعض الإدارات تعمد إلى أسلوب توزيع أطر التدريس إلى فئتين : فئة من  شيعتها وأخرى عدوة لها، فتعد  جداول الحصص على ضوء هذه الخلفية ، وتكون النتيجة استفادة  البعض على حساب البعض الآخر الذي تكون له ردود أفعال سلبية  . وقد  تدخل بعض الإدارات في عمليات سمسرة مكشوفة مع  بعض أطر التدريس الذين  يرتزقون بما يسمى الدروس الخصوصية، وهي دروس تتوقف على هندسة جداول الحصص بشكل لا علاقة له بالأبعاد التربوية. وقد يساعد سكوت بعض أطر المراقبة التربوية مع شديد الأسف على هذه الجداول ومصادقتهم عليها  في تكريس  ظاهرة اختلال تكافؤ الفرص بين أطر التدريس  فيما يتعلق  بتوزيع الحصص  والمستويات . ولا يقل دور المسؤولين بالأقاليم والجهات  وعلى الصعيد المركزي في إنجاح الدخول المدرسي من خلال التدبير التشاركي أيضا، والحقيق، والبعيد عن أجواء الإشهار والدعاية، وتلميع الصور من أجل تمديد فترة البقاء في المناصب. وخلاصة القول أن الحديث عن نجاح دخول مدرسي  ليس مجرد  شعار  بل هو مجموعة إجراءات  عملية  تكون مصحوبة  بصدق إرادة كل الأطراف. والسؤال الأخير الذي يفرض نفسه: هل بالفعل كل الأطراف مستعدة لإنجاح الدخول المدرسي ، ومن ثم لإنجاح الموسم الدراسي الجديد، أم أن  وضع الأعواد في العجلات  لعرقلة سير المنظومة الدراسية سيظل لعنة تلاحقنا كل موسم دراسي جديد؟

نجاح عملية الدخول المدرسي رهين بصدق إرادة كل الأطراف المعنية
نجاح عملية الدخول المدرسي رهين بصدق إرادة كل الأطراف المعنية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz