نتائج امتحانات الباكلوريا والهدر الخطير المسكوت عنه

11532 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة 5 يوليوز 2011 الموافق ل 3 شعبان 1432ه،
تقول العرب : ” ذهب دمه أو ماله أو سعيه هدرا ” بمعنى باطلا وبلا طائل. والهدر المتعلق بمجال التعليم هو هدر السعي . وكثيرا ما يدور الحديث في الأوساط التعليمية عن نوع خاص من الهدر ، هو هدر الزمن المدرسي وزمن التعلم ، وهو هدر مرتبط بطبيعة الحال بالسعي ،أي بسعي التعلم حيث يضيع الزمن الذي كان من المفروض أن يتحقق فيه نوع من السعي التعلمي . وكثيرا ما يغفل المهتمون بالحقل التربوي نوعا خاصا من الهدر يتعلق بالتقويم الإجمالي الخاص بالامتحانات الإشهادية وتحديدا امتحانات الباكلوريا . فنتائج الباكلوريا تكشف عن ثلاث فئات من المتعلمين هم : الناجحون ، والراسبون ، والمستدركون ، وهذه الفئة تنتهي في الأخير بفئتي النجاح والرسوب . وهذه النتائج هي المعيار الذي يقاس به السعي التعلمي . ولقد جرت العادة أن يتحدث المسؤولون عن نسب النجاح في الدورتين العادية والاستدراكية دون ذكر نسب الرسوب أوالوقوف عندها باعتبارها هدرا بمعنى سعيا تعلميا ذهب أدراج الرياح . ومعلوم أن النتائج في التقويم الإجمالي هي خليط معقد من النتائج الجزئية المتراوحة بين عتبتي التمكن أو النجاح ،وعدم التمكن أو الرسوب . فكل متعلم نجح أو رسب في آخر المطاف يكون ناجحا وراسبا خلال المحطات التي تصنع نتيجته النهائية . وإذا وجد المتعلم الراسب في كل المحطات ، ووجد المتعلم الناجح في كل المحطات ، فهناك متعلم آخر يجمع بين الرسوب والنجاح في مختلف المحطات ،وهذا النوع يشكل الأغلبية الساحقة ، وهو النوع الذي يعنينا بالدرجة الأولى عندما نثير قضية نوع خاص من الهدر الخطير المسكوت عنه . لقد عاينت هذا الهدر وأنا أرأس لجان مداولات امتحانات الباكلوريا لسنوات حيث لاحظت أن بعض المتعلمين من مسالك علمية حققوا فوزا في ما يسمى المواد العلمية الرئيسية ، ولكنهم كانوا ضحايا رسوبهم فيما يسمى المواد الثانوية أو التكميلية . ومعلوم أن نظام امتحانات البكالوريا الحالي يتسبب في هدر معتبر للسعي التعلمي حيث يهدر المتعلمون سعيهم التعلمي الذين تخصصوا فيه وتمحضوا له من أجل سعي تعلمي تكميلي، ذلك أن المتعلم الذي لم يبلغ عتبة التمكن في مواد تكميلية خلال الامتحان الجهوي وخلال فروض المراقبة المستمرة لهذه المواد ينفق من علاماته في المواد الرئيسة على المواد التكميلية فيكون ذلك أقبح وأبشع هدر حين تستخدم نقط المواد الرئيسية في مسلك من المسالك من أجل تعويض نقط المواد التكميلية التي تكون دون العتبة المطلوبة . فما معنى أن تكون نقط متعلم في مسلك علمي جيدة في الرياضيات والعلوم الفيزيائية وعلوم الحياة والأرض فضلا عن اللغات الأجنبية ولكنها تكون سئية في مادة الفلسفة والتربية الإسلامية والعربية والاجتماعيات فيسقط بسببها أو ينحدر معدله إلى درجة لا تخول له الاستفادة من ولوج المعاهد العلمية ؟ فالهدر هنا يكون إما برسوب في مواد تكميلية تسبب في نتيجة نهائية سلبية أو أثر على المعدل العام المطلوب في معاهد المسالك العلمية . وسنويا تحصل الأغلبية من المتعلمين على شهادة الباكلوريا بمعدلات لا تتعدى المتوسط مما يعني وجود هدر في غياب نتائج التميز . ولا زالت الوزارة لحد الآن لم تلتفت إلى هذا النوع الخطير من الهدر ذلك أن البلاد في حاجة إلى أطر علمية إلا أن المواد التكميلية تنسف سعيهم في المواد العلمية التي تصنع كفاءتهم ، وتحولهم إلى متعلمين عالة على البلاد ،والوزارة الوصية وأصحاب القرار التربوي كلهم غافل عن هذا الهدر المشين . فلو أن نظام الامتحان جعل نقط المواد التكميلية نقطا تدخل ضمن التميز لا نقطا تقرر المصير بحيث يحتسب ما فوق معدل التحكم بالنسبة لهذه المواد من نقط زائدة ، ولا عبرة بما دون عتبة التحكم كما كان الشأن مع مادة الشأن المحلي . وفي اعتقادي أن المسالك هي التي تحدد طبيعة المواد الرئيسية والمواد التكميلية ، فالمتعلم في المسلك الأدبي من المفروض أن تقرر مصيره المواد الرئيسية دون تأثير من المواد العلمية التكميلية إلا أن تدخل ضمن تميزه ، وكذلك يكون الأمر بالنسبة للمتعلم في المسلك العلمي حيث تقرر مصيره المواد العلمية الرئيسية دون أن تؤثر عليه المواد الأدبية التكميلية لأن البلاد في حاجة إلى كفاءات علمية خالصة ، وكفاءات أدبية خاصة ، ولا حاجة لها بخليط يجعل حال المتعلم كحال الغراب الذي فقد مشيته ولم يتقن مشية الحجل . ومن أنواع الهدر أيضا هدر يتعلق باختلال موازين تكافؤ الفرص خلال اجتياز امتحانات البكالوريا حيث يؤثر التراخي في المراقبة أو ممارستها على الوجه المطلوب حتى لا أقول التشدد فيها كما يظن البعض على النتائج فترتفع نسب النجاح في المؤسسات التي تعرف التراخي في المراقبة بينما تنخفض حيث كانت المراقبة المطلوبة قانونيا ،فيكون ذلك على حساب المتعلمين حيث تصير استحقاقات البعض موضوع عبث ، وفي متناول من لا يستحق وتعود الخسارة على البلاد حيث تضيع الكفاءات بسبب أخطاء التسيب في المراقبة . والبلاد في أمس الحاجة إلى هذه الكفاءات التي يتم العبث بمصيرها ، فكم من متعلم استفاد من التراخي في المراقبة فحصل على نتيجة فوق مستواه الحقيقي ، فيكون مصيره التسرب عندما يواجه الصعوبات في بعض المعاهد ، ولا يجد جو المراقبة السائبة التي وجدها خلال اجتياز امتحان البكالوريا في تلك المعاهد ، وما أكثر الشواهد على مثل هذه الحالات. ومتعلم بهذه المواصفات يسبب للبلاد هدرا خطيرا لأنه يتبوأ مكانة في معاهد علمية فوق مستواه ، ويضيع بذلك فرصة الانتماء لهذه المعاهد على من يستحقها بالفعل ممن خضع للمراقبة القانونية المطلوبة علما بأنه هو الآخر لو اجتاز الامتحان في ظرف المراقبة السائبة لكان له شأن آخر. ومع شديد الأسف لا زال هذا النوع من الهدر يتكرر سنويا في بعض الجهات بدافع النعرات العصبية الصبيانية التي تغامر بمصير البلاد عن طريق تصرفات مسببة لهذا الهدر الخطير المسكوت عنه مع علم الجميع به . والأشد أسفا أن نجد دائما من يحاول إنكار ظروف هذا النوع من الهدر دفاعا عن سمعة زائفة أو مصلحة خاصة معرضا مصالح البلاد للضياع المحقق.

نتائج امتحانات الباكلوريا والهدر الخطير المسكوت عنه
نتائج امتحانات الباكلوريا والهدر الخطير المسكوت عنه

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz