موقف الأحزاب السياسية في الوطن العربي من المرجعية الدينية

190019 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: موقف الأحزاب السياسية في الوطن العربي من المرجعية الدينية

إن فوز أردوغان  وهو سياسي إسلامي في الانتخابات الرئاسية  عن طريق الاقتراع العام في بلد  يتبنى  الإيديولوجيا العلمانية يطرح قضية المرجعية الدينية  وعلاقتها  بالأحزاب السياسية خصوصا في الوقت  الذي  تعرف  فيه بعض البلدان  العربية  حملة  منسقة من قبل بعض الأنظمة ضد الأحزاب  ذات المرجعية  الإسلامية كما  هو الحال في مصر  التي  عرفت  انقلابا  عسكريا  على  الشرعية التي يمثلها حزب العدالة  والحرية في  أول تجربة ديمقراطية. ومعلوم أن العالم  العربي  وهو جزء من العالم  الإسلامي لم يعرف ظاهرة الأحزاب السياسية  إلا  بعد حركة الاحتلال  الغربي ، وهو احتلال فرض على البلاد العربية  والإسلامية التي احتلها  ثقافته  ، ومن  بين ما فرضه عليها الأحزاب السياسية ، وهي  أحزاب أسست  على أسس ثقافة  المحتل . ولما  كانت جل حركات  المقاومة  التي تصدت  للمحتل الغربي  تصدر عن توجه  ديني  إسلامي ، فإن  المحتل الغربي   حرص على  تشجيع الأحزاب  السياسية  البعيدة  عن المرجعية الدينية . وبالرغم من أن بعض  الأحزاب  السياسية  الناشئة في ظروف الاحتلال  الغربي  وظفت  الدين  من أجل استقطاب الجماهير  فإنها لم تخرج في هيكلتها  وتوجهها  عن  المرجعية  الغربية  الليبرالية  والعلمانية . ولما كان الدين  محل احترام  وتقدير الجماهير  وهو محركها  في ثوراتها ضد الاحتلال  فقد حرصت  الأنظمة العربية  بعد  جلاء الاحتلال  على  إبعاد الدين عن السياسة  خوفا من  أن  يوظف الدين  ضد  فسادها و انحرافها تماما كما وظف ضد المحتل  الغربي . وهكذا  فصلت  بعض الأنظمة  فصلا تاما  بين  الدين  والسياسة  ، وحاول البعض  منها  التلفيق  بين  السياسة والدين ، وذلك  بتبني  ما يسمى  الممارسة  الرسمية  للدين  ، وهي  ممارسة  تختلف  عن الممارسة  الشعبية له . ومعلوم  أن  الأحزاب  السياسية  في الوطن  العربي  وهي  وليدة  صناعة  غربية تفرقت  إلى  أحزاب يمين  ويسار  ووسط  بينهما . وجريا  على  عادة الممارسة  الحزبية  الغربية  اتخذت الأحزاب مرجعيات  لها تختلف فيما بينها ، وهو ما  يبرر الصراع بين هذه  الأحزاب  بحيث  يغلب  على هذا الصراع  إثبات  الذات على حساب  الآخر  حتى أن بعض  الأحزاب  لا تكتفي  بالكشف عن  مرجعيتها  بل  تتخذ  من انتقاد مرجعية غيرها  وسيلة  للتعريف  بنفسها . ويرفض الغرب  رفضا قاطعا اصطباغ الأحزاب السياسية  في الوطن العربي  بصبغة  أو بمسحة  الدين الإسلامي  الذي يطرح نفسه كدين عالمي جاء للناس كافة ، وهو ما يهدد الغرب  الأطلسي  الذي  يأبى أن تقود العالم  غير إيديولوجيته التي هي خليط  من الفكر اليهودي  الصليبي  العلماني  الليبرالي. وترسخت في أذهان مؤسسي الأحزاب  السياسية  في الوطن  العربي فكرة رفض اعتماد المرجعية الدينية  في الممارسة  الحزبية . ولما كانت  الشعوب العربية  تثق في الدين الإسلامي  ،فإن  الأحزاب  السياسية  ذات  المرجعيات  غير  الدينية  ترى في  اعتماد غيرها  من  الأحزاب  السياسية  ذات المرجعية الإسلامية الدين ارتزاقا  واستغلال له ، و هو  في نظرها  ملك  الجميع . ومن المواقف  المثيرة للاستغراب  أن بعض  الأحزاب الليبرالية أو العلمانية لا تجد  حرجا في  ادعاء الانتساب إلى الدين  مع أن ممارستها  الحزبية  والسياسية  لا تمت  بصلة له . ومن أجل  استقطاب  مثل هذه  الأحزاب  للمناضلين  في صفوفها  تعمد إلى ركوب الدين واستغلاله  لجلب  الأنصار  والمتعاطفين . وتبدو تسميات  بعض الأحزاب  السياسية  في البلاد  العربية  مثيرة  للسخرية  والضحك  حيث  تجمع  بين  ما هو  ديني  وما هو وضعي في عملية  تلفيق  مكشوفة  حيث  يجمع  بين الإسلام  وبين  إيديولوجيات على طرف نقيض معه . ونعت الدين على سبيل المثال  بالأصالة  وقصره  عليها يعتبر طعنا  في مواكبته للحياة ومستجداتها ، وهو  ما يجعل أصحاب  هذا الفكر يطرحون  كبديل عنه أو لنقل  كنقيض  له  ما ينسب للعصر  وهو المعاصرة  على اعتبار أن هذه  الأخيرة  تقابل  الأصالة . ومثل هذه  التسميات  تعكس مدى حرص بعض  هذه  الأحزاب  على  استقطاب  المتدين  وغير المتدين على حد سواء في خليط غير متناغم  بحيث  يجد  كل منهم  ضالته  في حزب بهذا التلفيق . وتنكر الأحزاب  غير ذات  المرجعية  الإسلامية  على غيرها الانتماء  له والتحدث  باسمه  ، ويعتبر ذلك  استغلال  له  بل جريمة  تعاقب عليها  قوانين  البلاد العربية . ولعل حل  حزب العدالة  والحرية  المصري  يؤكد هذا الأمر ، كما  يؤكده  منع  كثير من الأنظمة  العربية  تأسيس أحزاب سياسية  على أساس  ديني  أو بمرجعية دينية . وترى هذه الأحزاب  أن  المرجعية  الدينية  تعطي  لبعض  الأحزاب  امتيازات لا تتوفر للأحزاب  غير ذات  المرجعية  الدينية  منها  استقطاب  المناضلين خلال التباري  الانتخابي . وهكذا  نشأ عرف  صار فيما بعد  بمثابة  قانون لا يأتيه  باطل من بين  يديه  ولا من خلفه وهو رفض وجود  أحزاب بمرجعية دينية ، علما بأنه توجد أحزاب  بمرجعيات  دينية  يهودية ونصرانية لا تنتقد كما تنتقد الأحزاب ذات  المرجعية  الدينية  الإسلامية . ومما زاد تشدد أكثر  لفكرة  رفض  المرجعية الدينية الإسلامية  ثورات  الربيع  العربي  التي جعلت  الشعوب العربية  تراهن  على عامل  الدين  من أجل  محاربة  الاستبداد  والظلم  والفساد. ولقد تعالت  أصوات  بحل الأحزاب  ذات المرجعية الإسلامية  إبان  حدوث الانقلاب  العسكري  في مصر  على  الديمقراطية . ولم يكن  مستغربا  من زعماء  أحزاب  سياسية لدينا أن يسارعوا  إلى  المطالبة  بحل حزب العدالة والتنمية في المغرب  لأنه  حزب ذو  مرجعية  إسلامية . ومعلوم  أن  الأحزاب السياسية  هي انعكاس  لمناضليها إذ لا يمكن  أن يوجد حزب دون  قاعدة  ودون مناضلين ، ولهذا  ففكرة  إبعاد الأحزاب السياسية  عن  الدين  لا مبرر  لها  مع  وجود  سواد  أعظم  في البلاد  العربية  يفضل  المرجعية  الدينية  الإسلامية على غيرها من المرجعيات الوضعية ، وهو  ما يجعله  يصوت  لفائدة الأحزاب ذات  المرجعية  الدينية  الإسلامية  حتى لو أنها كانت  صورية  فقط  ولا تنهج  النهج الديني  الإسلامي  الكامل  بل  تسلك  نفس  مسار  الأحزاب غير الإسلامية في ممارستها  الحزبية  والسياسية ،  ولا تختلف  الحياة  في ظل حكمها  عن  الحياة  في ظل  حكم  غيرها  من الأحزاب  غير  الإسلامية . ولا يمكن القول  بمرجعية  حزب  سياسي  إلا إذا  كانت برامجه  السياسية و الاقتصادية  والاجتماعية  والثقافية … تنهل من مصدر  الإسلام  الذي  هو  القٍرآن  الكريم  والسنة  النبوية  الشريفة . أما  العبث  الموجود  حاليا لدى  بعض الأحزاب  التي تحاول  التلفيق  بين  شرع  الله  عز وجل  والشرائع  الوضعية فلا  يمكن  أن  يحسب على  المرجعية  الدينية  الإسلامية ، ولا يمكن  أن تحسب  بعض  ممارساته  الفلكلورية  في  بعض المناسبات  الدينية على الإسلام .وأخيرا  إن فكرة  منع الأحزاب  السياسية  من اعتماد مرجعية دينية  إسلامية  يعتبر  مصادرة  لإرادة  سواد  الشعوب  في  البلاد العربية. وفي اعتقادي أن  التجربة  التركية  تؤكد   خطأ   فكرة  منع  اعتماد  المرجعية  الدينية الإسلامية  في  الممارسة  الحزبية  والسياسية . ولن  يفيد  في  شيء  حظر  الأحزاب  ذات المرجعية  الدينية  الإسلامية أو  منع  تأسيسها  ما دامت لها  جماهير  ذات سواد عظيم .    

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz