مهرجانات الصيف الزاهية / محمد أرغم

43475 مشاهدة

محمد أرغم/ وجدة البوابة: كلما هل وحل فصل الصيف، إلا وكانت: ضفاف الشواطئ- شواطئنا طبعا- المسابح، المنتجعات، وربما حتى الأودية والجبال بقممها العالية…، فضائات واسعة ترحب وتفتح أذرعها، صدورها، قلوبها، وحتى بطونها… دون صدود ولا ممانعة، فَرِحةٌ مَرِحةٌ بقدوم الفرق الفلكلورية، الفرق الفنية، الفرق الموسيقية الرُّوحية وكذا المُرَوِّحَةِ، الفرق الصوفية…، إنه الغناء في أعلى درجاته، والتنوع في أعمق تجلياته…بكلمة: تنوع قل نظيره على وجه هذا الأديم الممدود والغير المحدود. فأرضنا، والحمد لله، قبلة من لا قبلة له، حيث يحج الجميع في فصل الصيف، ويشد الرجال وأشباه الرجال، مع النساء الشبه الكاسيات طبعا..نعم تُشد الرِّحال من أقصى البلدان إلى أرض الشرفاء والعلماء والأولياء… مهرجانات تُقام بالطقوس المعهودة؛ جماهيرنا المتعطشة دوماً، في الموعد المحدد تنتظر بفارغ الصبر، وهي تستقطع ثلث وقتها، سُدُس من عمر النهار يذهب جُفاء، وسدس من عمر الليل يتبخر على إيقاعات هز الأرداف، حَقَّ للجميع أن يسترخصوا كل شيئ في سبيل سماع الأغاني الخالدات: الدِّي دِّي، أَدَلاَّلي بْغيتْ نَسْكرْ، c’est pour toi mon amour،…أُغنيات تَصدحُ بجميع ألسنة العالم، جمهورنا وإن لم يفهم جُل اللغات، فهو يتجاوب معها بهز البطون، هز الأطراف العلوية والسفلية،…لفلامينكو يَخرمُ طبلة الأذن، هكذا أحست إمرأةُ، من بين الجمهور العريض، بهذا الطنين، وهي قادمة من ديار الغربة، مفعمة بالحبور مزهوة بصدرها الممتلئ، خفيفة كأصوات الدراوويش، حَلَّتْ لتستمتع بألحان المُغني الخليجي الوسيم، الذي هو الآخر قد بدا مزهُواً بنفسه، بعد أن تخلص من السمنة الزائدة، لِيُبْهرَ بسحر صوته وسحر أناقته المُعجبات الجميلات…يختلط الجميع في القاعات وتحت نفس الإيقاع، يحْتكُّون مع بعضهم البعض، بعد أن تواصلوا بما يكفي سواءٌ بالغمز واللمز، أو بالهُتافِ والهَاتِف، صورة تُجسد أبهى صور التواصل الحضاري… تواصوا بالغناء وتواصوا بالرقص…هكذا تشبع الكل في حضرة الجذبة، في حضرة الدراوييش، في حضرة الهيب هوب…
مهرجانات تنظم بالشراكات، وتحت سماوات الصيف الصافية، ميزانيات تُصرف بكل سخاء على كل \”فنان\” و\”فنانة\”. في خضم الصخب سمعت صوتاً نشازاً، وأنا في عز احتكاكي بالأجساد المسترخية، ومفعول الأغاني أُحس بخدرها يسري في كل الأجساد المُتمايِلة، أصغيت لفضولي يقول لصاحبه ولسانه، من فرط النبيذ، قد تدلى من فمه العريض قائلا: ما مصدر هذه الأموال الطائلة حتى يُنضموا هذا المهرجان بهذا الحجم؟ قلت في نفسي المفعمة بنشوة الهز والرقص، أوجه كلامي الصامت إلى ذلك الغبي المتسائل: إستمتع باللحظات العابرات، عمرك كله في كبد، فالرقص بالمجان… ورغم كل الصخب الحاد للموسيقى والأجواء الروحانية الحاضنة للزمان والمكان؛ أرهفت سمعي لحوار بين شابين؛ أظن أنهما قد غلبهما العشق، فانكمشا على نفسيهما دون أن يفشيا لا بسرهما ولا بنجواهما، لكن أذناي أبت إلا أن تجسسا عليهما، فبدأت تلتقط كل ما يلفظان من قول: – الشاب الأول: هل تعلم صديقي أن هذا الحشد الهائل من البشر، يفوق بأضعاف مضاعفة، الحشود التي كانت داعمة لحركة 20 فبراير؟ – الشاب الثاني: لا أظن ذلك !! – الشاب الأول: الموسيقى تجمع ما قد تعجز السياسة عن جمعها. ففي الآونة الأخيرة، كما في علمك، قام حزب عتيد، وفي خضم الاستعدادات للمؤتمر، استدعى- الحزب- فرقا موسيقية متنوعة دعما وتعزيزا للمؤتمرين القلائل؛ لولا فضل الموسيقى لما امتلئ الملعب المخصص للمؤتمر؛ نعم لقد امتلئ المركب الرياضي عن آخره، وذلك تلبية للحناجر الذهبية وليس لحناجر أصحاب الخطابات الجوفاء… – الشاب الثاني: أعتقد أن للموسيقى مفعولا خاصا، حيث تضرب وتستحوذ بالكامل على مراكز: الإحساسات، والعواطف، والوجدانيات… أما السياسة فهي تمني الآخر/\”المغفل\” بالغد الأفضل حيث: الرفاهية، التقدم، الازدهار،…؛ لكن ما إن جرب الجميع وعود الساسة ومشاريعهم التنموية، مشاريع خيبت آمال الجميع، رغم ضخ السيولة الضخمة في هذه: المخططات، البرامج، أنصاف المخططات،…؛ مال، بعد أن مل الجميع، للترويح عن النفس عبر سحر النغمة، سلطان الكلمة، وقع الإيقاع… – الشاب الثاني: تقصد أن من بين أركان التنمية تحضر الموسيقى كركن محدد لكل إقلاع. لكن ما إن صعدت مغنية شقراء المنصة، وهي تحاول ستر أشيائها الآيلة للظهور؛ نظرت إلى الشابين وإذا بهما يدخلان في حالة هستيرية، يغنيان ويصرخان، الشيء الذي ألفت نظر الجميع، جمعتهم، وعلى وجه السرعة، فرقة تابعة للأمن. في الغد، وفي بلاغ للجهات الداعمة أنه تم القبض على شباب كانوا يخططون لنسف المهرجان…؛ نعم علق أحدهم في ركن يتيم لصحيفة تهتم بالشباب: أرادوا نسف المهرجان بالرقص الصاخب !!!

مهرجانات الصيف الزاهية / محمد أرغم
مهرجانات الصيف الزاهية / محمد أرغم

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz