من عجائب هذا الزمان تباكي العلمانية على اللعبة الديمقراطية مع رفض ما تمخض عنها بعد الربيع

17635 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة،  مرت عقود  على الدولة  ومعها أحزابها والأحزاب اللاعبة دور المعارضة لها  وهي تلقن الإسلاميين  دروسا من أجل  أن يستوعبوا قواعد اللعبة الديمقراطية ، وهي لعبة أجنبية  مستوردة  جلبت من بلاد الغرب  التي اكتسحتها العلمانية بكل قيمها  المحسوبة على المدنية ، و التي  حلت محل  القيم  الدينية  بالمفهوم الصليبي والكهنوتي. ومع اختلاف القيم الدينية الإسلامية  عن القيم  الدينية الصليبية قلبا وقالبا ، فقد أصر المتأثرون بالروح العلمانية الغربية  والمنبهرون بها  على  حشر  دينيين على طرفي  نقيض ، أحدهما دين توحيد والآخر  دين تثليث في سلة واحدة . ونسب المحسوبون على العلمانية عندنا  للإسلام ما تنسبه العلمانية الغربية لدين الصليب ، وحرصوا على أن يوجد في ديننا بالضرورة ما يوجد في دين الصليب بما في ذلك الكهنوت ، وسلطة المؤسسة الكنسية  واقطاعاتها وهيمنتها على الشأن السياسي  باسم الدين ، أو ما صار البعض يسميه الريع الديني . وكانت دروس اللعبة الديمقراطية  التي حرص النظام على تلقينها  هو وأحزابه المطبوخة طبخا مكشوفا كشف عنه التاريخ ،  وأحزاب كانت تعارضه ثم صارت بعد ذلك تهادنه أو حتى تنافقه من أجل مصالحها عبارة عن تحريم  وجود الريع الديني ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية .  ولما كانت العلمانية  سواء  في  مواطنها  الغربية وبشكلها المعروف غربيا أم في غير مواطنها وبشكلها الممسوخ عندنا تدعي  الوصاية على اللعبة الديمقراطية وحدها دون منافس ، فقد بات من الخطأ في اعتبارها  أن  يسمح للمنتسبين إلى الدين بالمشاركة في هذه اللعبة أصلا . وكان ولعقود الانتساب  للدين  مهما كان شكله  بمثابة المنشطات التي تقصي اللاعبين من لعبة الديمقراطية . وهكذا حرمت  السياسة  على المحسوبين على الدين لعقود وقع فيها من الفساد والإفساد ما لا يعلمه إلا علام الغيوب . وبعدما استنفدت العلمانية الغربية كل وسائل التضييق  على المنتسبين للإسلام عقب  أحداث الحادي عشر من شتنبر تحت شعار محاربة الإرهاب  ، وهي أحداث فرخت أحداثا محاكية  لها بقدرة قادر أو فعل  فاعل  ولا دخل للصدفة في ذلك ، انقلب سحر العلمانية الغربية عليها  ، وفاجأها الربيع العربي  الذي  ألغى الحظر على الممارسة السياسية  للمنتسبين  للإسلام ، ولم يعد الانتساب للدين منشطا ممنوعا  يمنع  المشاركة في اللعبة السياسية . وبعد  قبول العلمانية الغربية خوض الإسلاميين  اللعبة الديمقراطية مضطرة لا بطلة ، وتحت ضغط الشارع العربي الهادر والغاضب ندمت على رفع الحظر عليهم  بعدما  ربحوا رهان اللعبة الديمقراطية  ،  وعمدت  إلى تجييش  طوابيرها الخامسة في الوطن العربي من أجل الاجهاز على ما تمخض عن  اللعبة الديمقراطية ما بعد الربيع . وهكذا صرنا أمام مطلب عجيب غريب  لطوابير العلمانية الخامسة في الوطن العربي ، وهو مطالبة  الإسلاميين الذين ربحوا رهان اللعبة الديمقراطية  بالانسحاب منها  ، وتقديم استقالتهم ، ورحيلهم لأنهم ليسوا أهلا  لهذه اللعبة  . ومرة أخرى عاد إلى الواجهة خطاب  لا للريع الديني كما كان عبر عقود طويلة  على  لسان النظام وأحزابه ، والأحزاب المعارضة له  في بداية  أمرها  ، والحالة  محل  أحزابه المطبوخة بعد ذلك بدافع المصالح  على حساب المبادىء . والمضحك  والسخيف  في  خطاب العلمانية المحلية هو الإشارة إلى ما يسميه هذا الخطاب بالريع الديني  دون اعتبارالريع العلماني المرتزق بالعلمانية الغربية ،والذي يستقوي  بها  على الريع الديني . ولست أدري  لماذا يطالب الخطاب العلماني  المحلي  بترك الريع الديني وحده جانبا في ممارسة  اللعبة السياسية دون غيره من أنواع الريع الأخرى . ومعلوم أن  فكرة فصل الدين عن  الدولة  أو الدنيا  التي  نشأت وترعرعت في الغرب على إثر الصراع  بين  الكهنوت الصليبي  والكهنوت المدني انتقلت  إلى المجتمعات الإسلامية  مع العلم أنها فكرة لا تصح في هذه المجتمعات التي لا يمكن أن  ينفصل فيها الدين عن  الدولة  أو الدنيا . فالنظام  عندنا الذي  حرم لعقود ربط الدين بالسياسة  على الإسلاميين استأثر ولا زال  يستأثر بالدين في ممارسته للسياسة  ، وهو لا يفصل  الدين عن الدولة ، بل دولته دولة دينية  حتى لو كان الأمر بتعلق الأمر بمجرد ممارسة نظرية  لا تصل حد الممارسة الفعلية أو التطبيقية  بسبب وصاية العلمانية الغربية المهيمنة على السياسة العالمية . ويبدو موقف العلمانية المحلية  مثيرا للسخرية  والشفقة في نفس الوقت عندما يرفضون ربط الدين بالدولة بالنسبة  للإسلاميين ، ولكنهم  يقبلون ذلك عندما  يتعلق الأمر بالنظام ، وهو ما يعكس مداهنة مكشوفة  وسخيفة   ومنافقة في  نفس الوقت لهذا النظام . والإسلاميون  لا يقولون  بفصل الدين عن الدولة ، ولا  يعارضون جمع النظام بين الدين والدولة  ، بل   كانوا دائما يحرصون على أن يظل النظام رمزا للجمع بين الدين والدولة ،الذي تجسده إمارة المؤمنين ، وهي أهم ثابت من ثوابت استقرار الوطن  التي يقع حولها إجماع الأمة . ومع أن  قواعد اللعبة الديمقراطية تسمح  للاعب الفائز أن يجرب حظه  كاملا غير منقوص في مدة زمنية معلومة  تحددها صناديق الاقتراع ، فإن العلمانية المحلية  الصريحة والمكنية والواضحة والمتوارية تصر على ألا  يكمل اللاعب الإسلامي لعبته  ، وألا يستوفي  مدة لعبه كاملة غير منقوصة ،تماما كما  كان  عليه الشأن بالنسبة لمن كان يفوز باللعبة من قبل  بغض الطرف عن ظروف وملابسات فوزه التي لم تكن في يوم من الأيام في مثل  ظروف فوز اللاعب الإسلامي نزاهة ونظافة  بشهادة العلمانية الغربية الخصم  . ومن السخيف والمضحك أيضا بالنسبة للعلمانية المحلية المندحرة بسبب ما تمخض عن الربيع العربي أنها تراهن  على  الفوضى من خلال   توظيف  البلطجيات  من أجل  اختلاق  ثورة مسخ مضادة تساعد على  إنهاء مباراة اللعبة الديمقراطية  قبل  الوقت القانوني المخصص لها ، لأن  نهاية  هذه المباراة  في وقتها  ستؤكد حتما عكس مقولات العلمانية المحلية وعلى رأسها  مقولة فصل الدين عن الدولة ، وإحلال  القيم  والأخلاق المدنية محل القيم والأخلاق الدينية . وبات من المؤكد أن  العلمانية المحلية تيقنت أن مصدر  قوة الإسلاميين هو منشط الريع الديني الذي لم  يعد ممنوعا في قواعد اللعبة الديمقراطية ، والذي لا يمكن للريع العلماني أن  يصمد في وجهه  بالرغم من دعم العلمانية الغربية له بشتى الوسائل والطرق التصريحية والمكنية . فهل  سيسعف  الرهان على فوضى البلطجية العلمانية  المحلية  لإفساد مباراة اللعبة الديمقراطية  حيث يضطر حكم هذه المباراة على  توقيفها بسبب هذه الفوضى ؟  ذلك ما ستكشف عنه الأيام المقبلة . وإذا عاد اعتبار الريع الديني  منشطا ممنوعا في اللعبة الديمقراطية كما كان الحال  قبل الربيع، فالله أعلم  بما  سيكون عليه الوضع في طول الوطن العربي من محيطه إلى خليجه ، ولن  تبقى  أبدا  قيمة ولا مصداقية للعبة الديمقراطية التي  لا تعتبر مقبولة في عرف  العلمانية إلا إذا كان الفائز فيها  علمانيا علمانية تصريحية أو مكنية .

من عجائب هذا الزمان تباكي العلمانية على اللعبة الديمقراطية مع رفض ما تمخض عنها  بعد الربيع
من عجائب هذا الزمان تباكي العلمانية على اللعبة الديمقراطية مع رفض ما تمخض عنها بعد الربيع

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz