من دغشنا فليس منا / بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

166110 مشاهدة

رمصان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: تخللت ذهولي  هذا الصباح رؤى قحطانية وعدنانية ،وأنا أتتبع ،سوريا ،ليبيا واليمن؛ حروب البسوس، الفجار،داحس والغبراء،حليمة وذي قار…

وعوض ما كان يثير النقع ،من دبابات وشاحنات ورباعيات الهامر، لم أكن أبصر غير أشهر خيول العرب التي ظلت تؤثث الذاكرة ،منذ زمن الثقة العمياء في الشعر الجاهلي.

كنت أرى العصا لجذيمة الأبرش،داحس قيس بن زهير،الأبجر لأبي الفوارس عنترة،النَّحام للسُّليك بن السلكة والشمطاء لِدُريد بن الصمة؛وبقية الاصطبل العربي ،ومخازن أسلحة الدمار الشامل التي تأتت للعرب منذ البدايات السحيقة: عشق الغارة،السلب ،النهب،الثأر،البغضاء،الحسد؛وصولا إلى آلهة متعددة ومتدافعة بدورها،تحج إليها العرب بسيوف مسلولة:

عك اليك عانية         .فرسانك اليمانية.             كيما نعود ثانية

هاهو الزمن الذي خِلناه بادَ وانتهى، يُلقي إلينا بكل حقيقتنا التي لم يُفلح لا الدين المُوحِّد ،ولا قرونُ الحضارة ؛ولا الحداثةوما أغرتنا به من رأسمالية واشتراكية وقومية ؛ولا حتى العولمة ،في إخفائها. 

لم نكن يوما لا سنة ولا شيعة،ولا خوارج ،ولا معتزلة ولا أشاعرة.لم نكن لا سلفيين ولا وهابيين ولا ناصريين ولا بعثيين.

هذه نحل شُبهت لنا ،ولم تغير شيئا من حقيقتنا التي ظلت –وان أسلمت- جاهلية الهوى. 

نرى حقيقتنا الآن عارية من كل مساحيق القرون .لا أحد يفهم هذه الحقيقة ويعشقها سوانا ؛ومن هنا تحولت كل الحلول الدولية ،النظريات السياسية،والتراكمات الفكرية – الذهبية أحيانا- إلى تراب بين أيادينا.

كان تأبط شرا والشنفرى وعُروة بن الورد ،يُغِيرون لكسب قوت يوم ،نِكاية في أثريائهم ،فأصبحت قبائل 

العصر ،الراحلة على الدوام ،بأعلامها السوداء،صوب الانفجارات وليس الرعود والكلأ،تُغير لحيازة مصافي البترول العربية؛نكاية في الغرب اللعين. 

ولا بأس من قطع رؤوس  عربية في الطريق ،حتى ولو كانت لأبي العلاء المعري والمتنبي وابن الأثير؛حتى ترتوي جينات دموية  أدت قسم الموت منذ غابر القرون:

                         ولقد خشيت بأن أموت ولم تَدُر*** للحرب دائرة على ابْنَيْ ضَمضمِ

                          الشاتمي عِرضي ولم أشتمهما***   والناذرين إذْ لم   ألقهما دمي 

                        إن يفعلا فلقد تركت أباهما ***   جَزَرَ السِّباع  وكل   نسر قَشعم

                                                    (من معلقة عنترة)

كبف نفسر الآن ما يحدث، خارج المعلقات والكعبة الوثنية، وكل ما تعاقب عليها من آلهة ،ظننا أن الأنبياء دمروها؟

كيف لا نستعيد زمن هولاكو وهو يحاصر بغداد(1258م)؟ثم عاصمة الرشيد هذه  وهي تُغتصب من طرف رعاع المغول؟   كيف لا نتفهم إلقاء  الغزاة لملايين الكتب في نهر دجلة؟

مادام الزمن العربي عصيا إلى هذا الحد ،عاضا بالنواجذ على جاهليته ؛فأي نفع للمعارف ؟

ألم يكن بوش بنفس القناعة المغولية وهو يخرب متحف بغداد ،ويهدر دم التاريخ؟

نعم ان الحروب قدر الإنسانية كلها ،لكننا رأيناها، في أزمنتنا المعاصرة ،حروبا تنتسب لعصرها ،وتعكس تدافعا حضاريا من أجل هيمنة النموذج الأرقى ،كما ينظر إليه بُناته وحماته.

 لم نر حربا بين “الغولوا والجرمان ،وإنما بين الفرنسيين والألمان .

 حروبنا قادمة إلينا من غور التاريخ،بكل السيوف والرماح والدروع التي خلناها صدئت وتلاشت في الصحراء. تلاشت الدول لتظهر العشائر والإمارات الدموية المبايعة لبعضها البعض .حتى الأسماء استبدلت – سطوا ليس إلا- بأسماء الصحابة والتابعين وفرسان المسلمين ،ليكتمل المشهد .

وقبل هذا كذب رؤساؤنا ،وهم ينسبون أنفسهم- سطوا كذلك- لكل ما راق لهم من معجم الحداثة السياسية؛حتى نسبوا أنفسهم للديمقراطية ،وحقوق الإنسان والحيوان؛وهم يُغنون الرصيد العربي القديم من أسلحة الدمار الشامل ،بكل ما استطاعوا من قوة ورباط الخيل ،وأطنان البراميل المتفجرة.

نبكي لأُسر عربية  هائمة على وجوهها ،في مشارق الأرض ومغاربها؛ويبكي غيرنا عظاما في النجف وكربلاء؛ويهب للحفاظ عليها نَخِرة ،بدل أن يهب للحياة يحفظها للأبدان،سُمِّيت شيعية أو سنية.

نطمئن ،مداراة لأحزاننا فقط،بأننا في المغرب أبعد عن هذه المكاره الطائفية والفتن ؛ونحمد الله أن أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا يعشن سعادة الاستعداد لشهر الغفران ؛وليس وحشة الغربة ورعب”الخيل والليل والبيداء” ،كما يفاخر قتيل داعش،بعد أن قتله فاتك الأسدي؛ لكن تطالعنا الأخبار بأن بيننا من يدعش شبابنا ليقذف بهم في مجاهل الشرق العربي ليعيشوا زمن ما قبل البعثة النبوية.

نطمئن الى هويتنا التي نسجناها خيطا خيطا ،بكل مغازل أمهاتنا وجداتنا،الأمازيغيات والعربيات ،لنكتشف أن بيننا داعشيين ،من نوع آخر، يحنون الى جاهلية أخرى؛والى معلقات أمازيغية ،تَشحذ أسنَّتها ،وتُعِد فرسانَها لتكمل ما لم تنجزه أيام العرب.

ها هوالزمن المغربي،لدى البعض ،يحرض على قتل ملوكه الأمازيغ ،بجريرة عدم إلقاء لسان العرب في نهر سبو؛  و على شنق عبد الكريم الخطابي لأنه لم يدستر الأمازيغية لغة لدولة الريف ؛ولأنه نادى بمغرب عربي موحد.   كما يحرض على إهدار دم المختار السوسي ،الهارب في جبال سوس العالمة؛بجريرة التعريب.

هل هناك واحة للراحة بين الجاهليتين، ومنهما؟

أتمنى أن يجتث كل واحد منا ،من ذهنه ، ما نبت فيه من أعشاب ضارة،من هذه الجاهلية أو تلك.

يمكن دائما قطع حتى السِّدر المستعصي والمشوك،الذي يؤثث ما شاخ من عقول.

نحتاج في مغربنا العزيز- بدون شوفينية- إلى الاعتبار بدروس في الخراب الشامل ،تُلقى ،ميدانيا، غير بعيد عنا ،جغرافياوتاريخيا.

ومن دغشنا،  فليس منا.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz