من دار العجزة إلى رياض المسنين تحول في المبنى والمعنى

65565 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 28 يونيو 2013، جرت العادة أن تضفى على التسميات حمولات يتوخى منها الدلالة بشكل جامع مانع على المراد . ولا يمكن أن تتحول تسميات إلى أخرى بشكل اعتباطي ودون قصد . فتسمية دار العجزة التي عرفتها ساكنة مدينة زيري بن عطية لعقود إنما كانت تطلق على فضاء يحتضن العجزة من خلق الله الذين طوحت بهم الظروف في هذا الفضاء لأسباب اجتماعية . ودأبت ساكنة هذه المدينة على استعمال هذه التسمية المثيرة للشفقة سواء الصادقة أو الكاذبة المتكلفة ، وفي نفس الوقت الدالة على نوع من التطير حيث يعتبر العجز في ثقافة المغاربة عموما وساكنة مدينة الألفية خصوصا شؤما يجب أن يحصر في حيز خاص به يسمى دار العجزة كما يحصر الإجرام في حيز خاص به يسمى السجن أو الإصلاحية بالتعبير الذي فرضته الثقافة الحقوقية . وكان من المفروض في مجتمع يدين بدين الرحمة المهداة للعالمين ألا يقصي العجز في حيز معزول ، وأن يكون العجزة بين غير العجزة من خلق الله يسكنونهم حيث يسكنون ويطعمونهم مما يطعمون مخافة أن تبرأ ذمة الله عز وجل منهم ، ولكن مع شديد الحسرة والأسى حذونا حذو غيرنا شبرا بشبر ودخلنا وراءهم جحر الضب المنتن ، وأقصينا العجز في دار خشية أن تصيبنا لعنته كما أصابت حضارة جحر الضب قبلنا وهي حضارة لا تعنيها سوى الفتوة والشباب، فاخترعت إقبار العجز في أماكن معزولة لتكون مقابر مجازية له قبل أن يقبر في المقابر الحقيقية . ولم تفكر حضارة حجر الضب التي استهوتنا أن الدور المخصصة لإقبار العجزة وفيهم بقية من حياة عبارة عن إهانة وسبة تلاحق الفتوة والشباب ما دام العجز حتمية لا مفر منها . ومن رضي إقبار عجز غيره في حيز كان هذا الأخير أولى به إذا عجز أيضا. وأعود إلى تحول مبنى المسميات بسبب تحول معناها كما هو الشأن بالنسبة للسجون التي صارت إصلاحيات بعدما حدثت تحول في الذهنيات بسبب شيوع الثقافة الحقوقية ، وبسبب انتقادات المنظمات الحقوقية في الخارج والداخل . ولم ننتقل إلى ثقافة الإصلاحيات إلا بعد عقود طويلة من ثقافة المعتقلات السرية الرهيبة ذات التسميات الغريبة المخيفة ، والسجون المركزية التي روي عنها وكتب ما يشبه الأساطير المروعة . والتحول الحاصل في مبنى دار العجزة التي صارت رياض المسنين يعد أيضا مؤشرا على تحول في الذهنيات حيث انتقلنا من ثقافة التشاؤم من العجز ورفضه إلى ثقافة التعايش معه وقبوله . فشتان بين تعبير دار العجزة وتعبير رياض المسنين . فالتعبير الأول يحيل على محل أو مسكن ببيوت ، و ربما بعرصة أي ساحة غير مسقوفة ، أما العبير الثاني فيحيل على فضاء تكسوه الخضرة يتخللها ماء وقد سميت الرياض رياضا لاستراضة الماء فيها . وشتان بين الدار والرياض ، ذلك أن الدار قد تضاف إلى المستقبح من قبيل قولهم دار الحرب ودار الشقاء ودار العجزة ، وعكس ذلك لا تضاف الرياض إلا لما ترتاح له النفوس من قبيل قولهم رياض الجنة أو روضاتها وهي أطيب بقاعها وأنزهها ، ولهذا يسمى الناس دور الحضانة رياضا للأطفال تيمنا . وعندما تتغير تسمية دار العجزة إلى تسمية رياض المسنين ، فإن ذلك يدل على تغير واضح في ثقافة مدينة الألفية وفي ذهنية ساكنتها حيث انتقلت من فكرة التشاؤم من العجز إلى فكرة التيمن بالسن ، وشتان بين تسمية العجزة وتسمية المسنين إذ لا يكون المسن عاجزا بالضرورة . وهكذا صارت عندنا رياض للمسنين أو الكبار على غرار رياض الأطفال ، وانتصرنا على عقدة التطير من تراخي السن بفضل جهود خيار مدينة الألفية الذين بذلوا الجهود المحمودة من أجل محو وصمة العار من جبين هذه المدينة التي كانت تقصي المسنين في ركن قصي مهجور كما يفرد البعير المقير على حد تعبير شاعر العرب . وسرني تعبير جميل سمعته من فم لا فضه الله وهو الانتقال بالمسنين من مجرد الإيواء إلى التكريم . ولقد كانت دار العجزة مجرد حيز يأوي المتخلى عنهم بسبب تراخي أعمارهم ، فصارت بعد ذلك رياضا يكرم فيها المسنون من خلال توفير ظروف العيش الكريم لهم . وكان حريا بساكنة مدينة الألفية أن تحتفل برياض المسنين التي محت وصمة العار أو لعنتها التي كانت تطبع ثقافتها البالية ، وأن تحتفل بها كما احتفلت بفضاء ساحة سيدي عبد الوهاب وفضاء سوء مليلية ، وغيرها من الفضاءات الرياضية ، بل كان الاحتفال برياض المسنين أسبق وأولى من الاحتفال بغيرها من الفضاءات لأن الأمم الراقية تعد العناية بالمسنين من مؤشرات التقدم والتطور والتحضر . ولقد نقلت لنا وسائل الإعلام الوطنية عبر البث المباشر زيارة أمير المؤمنين لرياض المسنين فتبين التكريم من خلال العناية التي أولاها الساهرون على هذا الفضاء ، وقد بدا وجه أمير المؤمنين مشرقا وهو يدشن هذه المعلمة الإنسانية الراقية التي تجعل المواطن المغربي يشعر بالفخر والاعتزاز وهو يرى تكريم نفسه من خلال تكريم المسنين علما بأن غاية الإنسان التي من أجلها خلق هو التكريم الذي لا يعدله شيء . وكل من عاين صور رياض المسنين عبر وسائل الإعلام تمنى أن تعمم في طول والوطن وعرضه ، بل وتمنى أن تزول التسمية القدحية دور العجزة لتحل محلها تسمية التكريم رياض المسنين . وحق لكل من يحرص على كرامة الإنسان المغربي المسن أن يحذو حذو أهل الأريحية في مدينة الألفية من أجل توفير رياض الكرامة على غرار رياض المسنين بمدينة زير بن عطية . وما أظن أن منتقدي هذا المشروع الإنساني الرائد من الذين استكثروا عليه تخصيص فضاء مدرسة سابقة لتمويله وتمويل فضاءات خيرية أخرى قد نكسوا على رؤوسهم كما نكسوا وهم يتابعون تدشين أمير المؤمنين لهذه المعلمة الراقية . وبتدشين هذه المعلمة الراقية انتكست ثقافة الشؤم من العجز ، وانتصرت ثقافة التيمن بالشيخوخة ، وغلب خير نفوس شر أخرى، ونضح كل إناء بما فيها . وأختم بالقول جزى الله كل خير أهل الخير ، وغفر الله لمن ظن بهم سوء الظن ، ومن أخلص النية والعمل فلنفسه ، ومن احتال فعليها ، والله أعلم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن رام قول القائلين فقد قيل وبقي أن يقال له ما يقال يوم لقاء ربه .

من دار العجزة إلى رياض المسنين تحول في المبنى والمعنى
من دار العجزة إلى رياض المسنين تحول في المبنى والمعنى

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz