من جزائر 5 أكتوبر إلى جزائر 12 فبراير: من يصنع الأحداث؟

34282 مشاهدة

وجدة البوابة – سعيد هادف: وجدة – منذ أن انتصر الشارع التونسي في طرد زين العابدين بن علي، انهارت جملة من المسلمات التي ظلت تؤرق الشعوب العربية، والتي تقابلها مسلمات أخرى كانت قد منحت الأنظمة اليقين المطلق في قوتها المطلقة. لقد انهار نسق الخيبة التي ظلت تتجرع الشعوب مرارتها، كما انهار نسق الغرور والجبروت لدى الأنظمة.

سعيد هادف :: Said Hadef
من جزائر 5 أكتوبر إلى جزائر 12 فبراير: من يصنع الأحداث؟
من جزائر 5 أكتوبر إلى جزائر 12 فبراير: من يصنع الأحداث؟

ولعل الإنجاز الذي حققه الشارع التونسي يشكل أحد أسباب صمود الشارع المصري؛ فكل مصري منخرط في جبهة التغيير يسكنه يقين الانتصار ويشعر بعزيمة لا تقهر، الشعوب العربية بدون استثناء تنتظر انتصار الشارع المصري بوصفه مكسبا سيصب في رصيد احتجاجاتها القادمة؛ أما الأنظمة فلا تزال تعلق بصيصا من الأمل على صمود حسني مبارك، ومن المؤكد أنها لا تتوقف عن الرفع من معنوياته؛ وفي حالة ما إذا لقيت عصابته مصيرعصابة بن علي، فإن بقية العصابات ستدرك أن زمنها قد أدركه الأفول.الشارع الجزائري يستعد لثورته الثالثة، بعد أن أجهز القراصنة على ثورتيه السابقتين، وقد حدد الثاني عشر من فبراير موعدا لها؛ فهل ستكون هذه الثورة متبصرة وناضجة ومعبرا لجزائر سيدة، أم ستكون مثل سابقاتها؟؟؟لا بأس أن نعود إلى جزائر أحداث 88، كيف اندلعت شرارتها؟ وكيف تطورت؟ ومن كان وراءها؟ وعماذا أسفرت؟ ومن قطف الثمرة؟ وما هو سياقها الإقليمي والعالمي؟تعود بدايات أحداث أكتوبر 88 إلى خطاب رئاسي غاضب ألقاه الرئيس الشاذلي بن جديد في 20 سبتمبر1988 . ترى بعض المصادر أن الرئيس ألقى ذلك الخطاب عندما شعر بمضايقة صقور الحزب، ومرر من خلاله رسالة إلى الشعب كي ينتفض ويقول كلمته، “لازم الشعب تاعنا يتحرك” هكذا خاطب الشاذلي الشعب حتى يتحرك. وبالفعل انطلقت عدة إضرابات في المجمعات الصناعية الكبرى مثل مصنع السيارات في ضواحي العاصمة بمنطقة الرويبة، وفي سلك البريد والمواصلات. بدأت المظاهرات والتجمعات وتحطيم المحلات العمومية التابعة للدولة في حي باب الوادي وباش جراح وذلك يوم الثلاثاء 4 أكتوبر 1988 مساء. لتنفجر الأوضاع في العاصمة يوم الأربعاء منذ الصباح الباكر وانطلقت عمليات التدمير والتخريب وتحطيم كل ما يرمز للنظام والدولة والحزب الحاكم. بعد مرور 22 عاما على تلك الأحداث، لا تزال وجهات النظر متضاربة؛ هناك من يصر على أنها كانت مفبركة من السلطة، وهناك من يرى عكس ذلك، ويؤكد على أنها انتفاضة أشعلها الشباب من أجل التغيير، وهناك من يقر بجهله المطلق. رواية المؤسسة العسكرية ووجهة نظرها، يعبر عنها الجنرال خالد نزار، في كتابه”الجيش الجزائري في مواجهة التضليل”، ويرى الجنرال أن الخطاب “سجل البداية الرسمية لعملية (صوت الشعب) التي كان الهدف منها، على غرار ما حصل في الصين الشعبية أواسط الستينات، أثناء الثورة الثقافية، القضاء على أصحاب النفوذ وزعزعة الإقطاعيات المحمية من أجل إعادة بناء النظام. لقد جرى توضيب كل شيء من أجل تمرير الإصلاحات أمام اللجنة المركزية. وقد تم التجاوب مع الشعار الذي طرحه رئيس الجمهورية، ولكن بأية وسيلة.. لقد جرى ترتيب الضربة السيئة بعناية”في يوم الخميس 6 أكتوبر 1988 تحرك الجيش وتم الإعلان عن الأحكام العرفية وبدأ القتلى يتساقطون على يد قوات الجيش. في مساء الخامس من أكتوبر أعطى نزار أمرا للوحدات العسكرية بالتحرك نحو العاصمة، وحدة المدرعات في جلفة، ووحدات الكوماندوس من بسكرة كما أعطى أمرا لوحدات المشاة بالتأهب على الحدود الغربية. الجنرال بن عباس غزيل قائد الدرك الوطني يتدخل في نفس اليوم وبنفس الوحدة الدركية في ثلاثة من المدن(وهران، عنابة، والعاصمة). ويبرر الجنرال خالد نزار اشتعال الفتنة كون أولى طلقات الرصاص قد انطلقت من صفوف مجموعة من الحركيين الأصوليين من جماعة التكفير والهجرة كانت قد تسللت إلى وسط المتظاهرين.لا يتردد الجنرال في وصف النظام بالقصور والتواطؤ: فغازي حيدوسي، وزير الاقتصاد الأسبق، من مدبري الانتفاضة و الشاذلي وحمروش بالثنائي المتواطئ مع عباسي مدني، وعلي بلحاج بالمحرض على تأجيج غضب الجماهير. يؤكد الجنرال أن أكتوبر كان مدبرا، لقد تم إجلاء الجيش عن العاصمة بوقت قبل الأحداث، ومن جهة أخرى يعتبره نتيجة سوء الإدارة، وعدم الكفاءة كما يصف نظام بن جديد بالأيديولوجية المصطنعة، وبالواقف على أرجل من خزف.بنمالك أنور، مؤسس اللجنة الوطنية لمناهضة التعذيب (1988-1991) ، يؤكد أن الأحداث كانت مسبوقة بالإشاعات، وأثناء اندلاعها، بقيت الشرطة بعيدا عن المتظاهرين كما لو كانت لديهم أوامر بعدم التدخل ، و السيارات السوداء للشرطة، كانت بمثابة المحرض على التدمير، ثم التدخل المفاجئ لقوات الجيش والشرطة واستخدامها المفرط لجميع وسائل القمع والاعتقال والتعذيب. عبد الحميد مهري،،أمين حزب جبهة التحرير آنذاك، أكد سنة 2008 ، أن ” الأحداث لم تكن مصطنعة “وهي، في نظره، كانت صرخة الشباب الذين يطمحون إلى إحداث تغيير جذري، وينفي الرواية التي تعتبرها من صنع السلطة نفسها. واعترف بمسؤولية الحزب وفشله في معالجة الأحداث التي أثرت سلبا على المرحلة السياسية التي تمخضت عنها وطبعتها بميسم العنف.

 

ــــــــــــــــ حكومة الإصلاحات، جبهة الإنقاذ وجيش الشعب: الجريمة والقناع/ عن الصحراء الأسبوعية/1 2فبراير 2011

كما رأينا في العدد السابق، فإن الجنرال، في كتابه”الجيش الجزائري في مواجهة التضليل” الذي يضع فيه نفسه فوق الشبهات، يؤكد أن أحداث أكتوبر كانت مؤامرة، حيث يقول: “كنت أود لو أرى الشاذلي على التلفزيون، ليس لوحده، بل محاطا بالمتآمرين، مدبري الفتن الذين كانوا وراء أكتوبر 1988، لكي يحفظ الجزائريون في ذاكرتهم وجوه الجلادين الحقيقيين” ثم يضيف، “فضل الجنرال محمد بتشين الاستقالة بعد أن تأكد له أن الثنائي بن جديد –حمروش كان متواطئا مع عباسي مدني”. فالمتآمرون، في نظر الجنرال، هم رئيس الجمهورية الشادلي ورئيس حكومة الإصلاحات حمروش وعباسي مدني. لكن الجنرال، في صفحة أخرى من الكتاب، يرى أن سوء الإدارة وانعدام الكفاءة كانت وراء أحداث أكتوبر؛ ويبدو أن الجنرال، يحاول بأي شكل من الأشكال أن يبرئ ساحته وساحة شبكته من دم ضحايا أكتوبر وضحايا الإرهاب.، أحد المتهمين بالتآمر،وأحد الأبطال الإشكاليين في كتاب الجنرال، وزير الاقتصاد بحكومة حمروش، غازي حيدوسي ، هو بدوره يصف في كتابه (التحرير الناقص) النظام بالنهاب والمشعوذ. أما بالنسبة لوجهة نظر الإسلاميين، فيمكن إجمالها في ما يلي:في حوار أجرته معه الجزائر نيوز، بمناسبة عودته إلى الجزائر سنة 2006، قال رئيس الهيئة التنفيذية للفيس بالخارج السيد رابح كبير أن أحداث أكتوبر”كانت مفاجأة للجميع، للسلطة وللمعارضات التقليدية، سواء الدينية منها وغير الدينية، فالإخوان الذين كان على رأسهم، نحناح، اعتبروا أحداث أكتوبر غامضة، وفيها الكثير من الالتباس، لذا كان أول بيان صدر عن هذه الجماعة، يأمر أتباعه بعدم الإنخراط في الأحداث وأوصى بالحذر والانتظار عما سيسفر عن هذه العاصفة، وبالنسبة للشيوعيين فلقد وجدوا أنفسهم غير مهيئين وحاولوا أن يؤكدوا أنهم أبرياء منها ولا يد لهم فيها، وهذا بالرغم من توجيه التهم لبعض عناصر شيوعية، على أساس أنها قامت بدور تحريضي، أما بالنسبة للحركة الثقافية البربرية، فلقد وقفت موقفا حياديا، واكتفى نشطاؤها بإعلان إضراب شامل لمدة يوم”، أما الشاذلي بن جديد الذي تعرضت فترة حكمه لنقد لاذع، فقد حاول رابح كبير إنصافه حيث قال:”إننا نحن كذلك في الجبهة الإسلامية للإنقاذ ظلمنا الرجل”. إن الإسلاميين إذ وضعوا اليد على حركة الانتفاضة وبالرغم مما حصل في باب الواد خلال مسيرة العاشر من أكتوبر، فإنهم سوف يضاعفون من مظاهرات الشوارع التي رفعوا خلالها آيات قرآنية وشعارات عنيفة في عدائها للسلطة، و تكشف بعض الوقائع والوثائق، أن بعض الفاعلين الإسلاميين عملوا على تأجيج النار، ومنهم علي بلحاج وأشباهه من أئمة المساجد والخطباء، الذين لم يكونوا يمثلون سوى دور “القناع” بينما القتلة الحقيقيون، كانوا خلف ذلك القناع يقترفون جريمتهم باسم الإرهاب الأصولي؛ لقد قدم علي بلحاج خدمة جليلة للجهة التي كانت تبحث عمن تمسح فيه الموس، مثلما يقول المثل الشعبي، فرغم بيان محفوظ نحناح، الذي يأمر أتباعه بعدم الإنخراط في الأحداث، ورغم بيانات الواعظ أحمد سحنون الداعية إلى عدم التجمهر، فقد وجه يوم 9 أكتوبر، علي بن حاج والهاشمي سحنوني من مسجد السنة نداء من أجل تنظيم مسيرة شعبية يوم الاثنين 10 أكتوبر تعبيرا عن الرفض، لكن الشيخ سحنون وأمام تفاقم الأحداث أصدر البيان الثاني متصديا لهذه المبادرة ومحذرا من عواقبها.يرى المحلل السياسي والضابط السابق في الجيش، محمد شفيق مصباح أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ”لم تكن حركة سياسية بقدر ما كانت أداة للتعبير عن النزعة الاحتجاجية الكامنة في ثنايا المجتمع الجزائري. إلا أنها لم تعرف كيف تحوّل هذه الطاقة إلى مشروع وطني كان سيسمح لها بالاستيلاء على السلطة وقتا طويلا بفضل قبوله من طرف المجتمع ككل ومن طرف البيئة الدولية معا” ، فبأي يد كانت هذه الأداة؟ ولمصلحة من تم استغلالها؟ فهل كانت مجرد غطاء لسيناريو تم إعداده سلفا؟ وما موقع عباسي مدني وعلي بلحاج من هذا السيناريو؟لقد فازت الجبهة الإسلامية في الانتخابات البلدية بخمسة وخمسين في المئة، ومع ذلك لم تتواضع لكرم ناخبيها وثقتهم فيها، حيث ظلت تكثف من وجودها الفرجوي بمسيراتها الاستعراضية وخطاباتها النارية، وفي الوقت الذي كان عليها أن تحافظ على مكاسبها بمرونة وتعقل وذكاء راحت تعلي من عقيرتها، بين الوعد والوعيد، وبين التكفير وتوزيع صكوك الغفران. أما الجزائر فقد أضحت نهبا لشبكة من العصابات (الجماعات المسلحة ومافيا السلطة)؛ فحكومة الإصلاحات أفضت إلى المزيد من الفساد والبؤس، وجبهة الإنقاذ لم تزد الشارع إلا ضلالا، أما جيش الشعب، فقد تأكد أن مهمته هي قمع الشعب، وأن ثورة الشارع لم تكن سوى قناع لانقلاب آخر أكثر فظاعة ومكرا.

ـــــــــــــــــ أحداث أكتوبر والسياق العالمي: المرئي واللامرئي/ عن الصحراء الأسبوعية28/ فبراير 2011

منذ الاحتلال الفرنسي (1830)، لم ينتبه الجزائري إلى قبس النور الذي ظلت تتغنى به فرنسا دون أن تجود به، إلا مع مطلع القرن العشرين (قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى) حيث بزغت رؤى جديدة مع جيل جديد من الشبان الجزائريين الذين انخرطوا في النضال السياسي والمدني، غير أن المخطط الإمبريالي السري جعل من الجزائر أرضا للتنافس الفرنسي الأمريكي، تنافس لم يفصح عن طويته كما لم تكن النخب وقتئذ مؤهلة للإحاطة به؛ وفي خضم الحرب العالمية الثانية تم تحويل مسار الجهود التحررية السلمية إلى وجهة مجهولة وغامضة.ثمة عوامل عدة تضافرت على خلط الأوراق وتبديد جهود الأحزاب والجمعيات، بإثارة النعرات والدسائس وشراء الذمم، ثم الصراعات والانشقاقات ثم استدراج الفاعلين السياسيين إلى نفق العمل المسلح، بدء بالمنظمة الخاصة (1947) وانتهاء بجيش التحرير (1954). غير أن العمل المسلح الذي اعتمده فاعلون جزائريون كوسيلة للاستقلال قد تم إشعال فتيله عبر مجزرة 1945 الشهيرة بأحداث قالمة- خراطة- سطيف، وهي مجزرة ممسرحة كان من المنطق أن تكون تظاهرة احتفالية يتبادل فيها الفرنسيون والجزائريون فرحة الانتصار العالمي على النازية؛ فكيف ختمت فرنسا حربها على النازية بتلك المجزرة غير المبررة؟ ومن هي الجهة المسؤولة؟ وهل الدولة الفرنسية كانت بليدة إلى حد ارتكاب مجزرة بتلك الفظاعة؟ والسؤال الثاني الذي يجب طرحه، هو: لماذا تزامنت أنشطة المنظمة المسلحة السرية (OAS) مع تباشير الاستقلال؟ إن أحداث45 وبروز المنظمة الخاصة سنة 47 وجيش التحرير سنة 54 ثم المنظمة المسلحة السرية سنة 61، ثم حرب الرمال 1963وأحداث مقالة وتشريد آلاف العائلات المغربية الجزائرية 1975، واحتضان بوليساريو والإصرار على فصل الصحراء عن المغرب. لم تكن هذه الأحداث سوى مخطط من لدن (مخرج) ماكر مكين حتى يتم إفراغ الاستقلال من محتواه، والتفرغ لضرب المنطقة المغاربية بالتحالف مع نظام القذافي، والتواطؤ مع شبكة الفساد داخل تونس والمغرب وموريتانيا.جاء الخامس من أكتوبر عام 1988، اللحظة التي عبّرت بكيفية غير مفهومة، عن رفضها للواقع الذي تضافرت على صياغته سياسات مقفلة. جاء الرفض على شكل مظاهرات كشفت عن النزعة الإجرامية للجهاز الحاكم، وعن عدم انسجامه كما كشفت عن ضعف جهاز مناعة المجتمع (المناعة الثقافية، السياسية والاقتصادية…). ومع الانفتاح على التعددية الحزبية تم إخراج هذا التمرد على شكل ولاءات للأحزاب التي خرجت من القوة (مرحلة السرية) إلى الفعل (مرحلة الانفتاح). جاء الانفتاح في سياق عالمي تم تدشينه بانهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991. حدث الانهيار بعد التمهيد الذي جاء به ميخائيل غورباتشوف على شكل وعد رسالي للسوفيات، وعد سهر على تنزيله تنظيرا وتطبيقا اشتهر عالمئذ بـ (البروتسترويكا والغلاسنوست). وقبل الانهيار السوفياتي، عرف العالم فوضاه الخلاقة التي تم إخراجها بنظام فرجوي محكم (من لا يتذكر المشهد الاستعراضي لسقوط شاوسيسكو وزوجته، وما حدث في يوغوسلافيا ومناطق أخرى…) كما عاش العالم الإسلامي بعض التغير استبشرت به الشعوب. فالحرب العراقية الإيرانية وضعت أوزارها، وانفرجت العلاقة المغربية الجزائرية. ولكن أيضا صدر كتاب “آيات شيطانية” وفتوى الخميني بإهدار دم صاحب الكتاب سلمان رشدي، وذاع صيت الرواية بصيت الفتوى إعلاميا وسياسيا ودينيا، وانخطف الرأي العام الإسلامي برنين الفتوى، متربصا برأس سلمان التي ظلت سليمة معافاة بينما تم قطع آلاف الرؤوس باسم الإسلام، كان للجزائر كتقليد تاريخي نصيبها الوافر من المأساة. ولم ينتبه الإعلام ساعتها إلى الموت الغامض لسالم بن لادن شريك جورج بوش في شركة (أربيستو)، ولا إلى خلفيات وحيثيات تأسيس أسامة للقاعدة، وهو الأخ الشقيق لسالم الذي قضى نحبه بأمريكا في حادث غامض بطائرته الخاصة، واغتيال عبد الله عزام وإعادة انتشار العرب الأفغان إيذانا بخروج الأشباح من عقالها لتجعل من الإسلام فزاعة تدشينا لزمن اللاأمن العربي. وبعد الانهيار السوفياتي تمت إزالة جدار برلين، وتم الغزو العراقي للكويت بمكر أمريكي. في هذا السياق تمت هندسة أحداث أكتوبر، وبمباركة من التلفزيون الذي كان سخيا في ترويجها، هو الذي كان من عادته التكتم. جاءت الأحداث وتم طبخ دستور على عجل أو لعله كان مصاغا سلفا. وبدل أن ينجب الانفتاح مشروعا مجتمعيا، وحياة سياسية دموقراطية، أنجب أحزابا مبتهجة بما ملكت وعصابات تحترف الإجرام المنظم.إن القول بأن أعمال العنف بدأت بعد توقيف المسار الانتخابي لا أساس له من الصحة، لقد تعرضت ثكنة قمار القريبة من الشريط الحدودي التونسي إلى هجوم إرهابي يوم 29 نوفمبر 1991، أي قبل تاريخ التشريعيات بحوالي شهرين. والغريب في الأمر أن التلفزيون غطى الحدث بالطريقة نفسها التي غطى بها أحداث أكتوبر 1988. لا زلت أذكر ذلك الشاب الملتحي الذي كان يتحدث بحماس عن الحدث، ولم يخف خيبته، فحسب قوله أن مجموعة من الأحداث كان من المفترض أن تعم مناطق من الوطن في الوقت ذاته. لقد استغربت لهذا البث التلفزي وبقيت مشدوها أمام ما يحدث.إن (الإسلاميين) الذين انخرطوا في تصعيد مجابهتهم للسلطة سيوفرون الديكور المثالي للمخطط الإجرامي الذي سيتنكر داخل جماعات إسلامية أعلنت عن تطرفها بشكل همجي، كما لو أن عناصرها الفعليين لا تربطهم أية صلة بمجتمعهم الذي أجهزوا عليه بطريقة يعجز اللسان عن وصفها. أما النظام فمنذ البداية لم يرفع شعار الديموقراطية إلا للحفاظ على استمراريته، وأما المعارضة التي تبنت الديموقراطية والحداثة كانت مثلها مثل الأصوليين، لا تتوفر على أي مشروع مجتمعي ولم تكن تتمتع بالروح الديموقراطية. وبعد أن دخلت الجزائر غمار التعددية الحزبية اتضح شيئا فشيئا أن القوى التي كان من واجبها التأسيس لجزائر ديموقراطية، في الواقع كانت تتربص ببعضها، وبالتالي أسست بامتياز لجزائر مثيرة للخوف وللشفقة في آن.وبعد مرور أكثر من عشرين عاما على أحداث أكتوبر، لم تنجح النخبة الجزائرية في تنظيم جهودها للمساهمة في بناء حياة سياسية ديموقراطية. وبعد مرور اثنتي عشرة سنة من حكم عبد العزيز بوتفليقة، صاحب مشروع الوئام والمصالحة، ازداد الوضع احتقانا وفسادا وقمعا وفقرا، واتضح أ ن “النظام” الحاكم في الجزائر لا تهمه السياسة، فكل ما كان يهمه منذ أجهز على السلطة بعد المحتل الفرنسي، هو تنفيذ أجندة لم تعد اليوم سرية؛ لقد ازداد شراسة وإصرارا على تفكيك المنطقة ومحاربة الديمقراطية، بالتعاون مع حلفائه الإقليميين والعالميين.

ــــــــــــــــــ حزب فرنسا وحزب أمريكا/ عن الصحراء الأسبوعية/ 7مارس 2011

في أكتوبر 2010، المصادف للذكرى الثانية والعشرين لأحداث الخامس من أكتوبر 1988، عاد الجدل مجددا إلى الواجهة، حيث تناولت منابر إعلامية عالمية ووطنية، ما تم وصفه بالوثيقة التاريخية والأكاديمية التي صدرت مؤخرا باليابان. ويتعلق الأمر بحوار طويل أجراه باحثان يابانيان مع الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد. هذا المستجد تم تكذيبه حسب تصريح أدلى به الشاذلي بن جديد لإحدى الجرائد الوطنية. الحوار تطرق لعدد من المحطات السياسية والمتمثلة في توقيف المسار الانتخابي والهوية الجزائرية وأحداث أكتوبر. وحسب الحوار فإن الرئيس يقر أن السلطة أخطأت بقرارها القاضي بتوقيف المسار الانتخابي، من منطلق أن الشعب اختار ممثليه، وهو اختيار كان من الواجب احترامه وما على الشعب إلا أن يتحمل مسؤولية اختياره. إن السؤال الذي يجب طرحه، هو كيف تهتم جريدة يابانية بأحداث مر عليها اثنان وعشرون سنة؟ وإن دل هذا فعلى أن الملفات التي تبدوا محلية هي عكس ما يعتقد أصحابها.إثر الأحداث فجّر رئيس الحكومة عبد الحميد ابراهيمي قنبلة 24 مليار دولار، وفرّ إلى لندن حيث لا يزال يقيم إلى اليوم. أحداث أكتوبر 88، أسفرت عن حكومة جديدة، على رأسها الفنيكس ابن جهاز المالغ، قاصدي مرباح، الذي شغل رئيس جهاز المخابرات خلفا للهواري بومدين بعد الانقلاب على الحكومة المؤقتة 1962 إلى غاية 1979، وبعدها ظل يتقلب في عدد من الوزارات، حيث صال وجال في الصناعات الثقيلة ثم الفلاحة ثم الصحة؛ ولم تكن تلك المناصب سوى غطاء لأجندة سرية. في صيف 1989، وجدت حكومة قاصدي مرباح نفسها في ورطة، أو ربما هي التي كانت وراء الورطة؛ في ذلك الصيف، لازلت أذكر مظاهر من الأزمة، لقد غابت عن السوق شفرات الحلاقة والسجائر؛ ولنتساءل، ماذا يحدث حينما تغيب شفرات الحلاقة؟ ستغيب طبعا الذقون الحليقة عن المشهد، وتحضر بكثافة، ذقون شبه ملتحية؛ وماذا يحدث حينما تغيب السجائر؟ سيعيش المدخنون حالة توتر وقلق.المشهد باختصار: ذقون غير محلوقة وأعصاب متوترة.من المعروف أن شريحة عريضة تتعاطى التبغ، أغلبها من الشباب، لنتصور حالة هؤلاء حين لا يجدون السجائر وشفرات الحلاقة، هذا ما عاشته الجزائر صيف 1989،على القارئ أن يتصور هذا المشهد ويستقرئ ويستنبط، ويربط ذلك بالتطورات اللاحقة، المسألة لا تحتاج إلى كثير من الخيال لفهم الواقع بوصفه أيضا من إبتكار الخيال. منذ 1988 إلى 1994، مرت خمس حكومات وتناوب على رئاسة الحكومة خمسة رؤساء: قاصدي مرباح، حمروش، غزالي، مقداد سيفي، ثم أحمد أويحي. لقد ازدادت الأزمة حدة، والجزائر ضاقت بما رحبت، رغم شساعة أرضها وتاريخها، ورغم ثرواتها وخبرة أهلها. التعددية التي ظلت حلم المناضلين الشرفاء أفسدها المتطفلون على السياسة، الجهلة والأخساء، باسم الشرعية الثورية وباسم الإسلام وباسم الأمازيغية أفسدوا حياة الشعب. اللذين أعدوا العدة لنهب ثروة الشعب بعد أن سرقوا تاريخه وأحلامه، قرروا أن يسرقوا فتيانه وشبابه ويحولوهم إلى قتلة. جزائر ما بعد 88 لم تكن سوى استمرار أكثر مأساوية، لجزائر الانقلابات والأحادية والقمع والفساد والعداء..؛ اغتيالات طالت مثقفين وإعلاميين وسياسيين وشرطة… وما يشبه حرب إبادة عصفت بقرى ومزارع وأحياء. َمَنْ اغتال محمد بوضياف؟ ومن أصرّ على اغتيال قاصدي مرباح؟ ومن كان وراء اغتيال علي تونسي؟ وما سر اللجنة التي حلها، مؤخرا، الرئيس بوتفليقة؟ وما سر الخلية السرية التابعة لجهاز الاستخبارات الجزائرية؟ وما علاقة اللجنة بهذه الأخيرة؟إن مأساة الجزائر هي كونها ظلت مجالا لصراع خفي بين طرفين: الطرف الأول ظل يوصف بـ “حزب فرنسا” لدى بعض الوطنيين، والمقصود منه، شبكة النفوذ التي صنعها عدد من الضباط الجزائريين المنحدرين من الجيش الفرنسي، وظلوا على صلة بالدوائر الاستخباراتية الفرنسية، وهؤلاء الضباط شكلوا جزء من الطبقة الفرنكفونية ذات النزعة الفرنكوفيلية؛ هذا الطرف، كان يوصف بحزب فرنسا دون مجابهة لمخططاته، أما الطرف الثاني، كانت عناصره في منأى عن الاتهام، ولم يكونوا محل توصيف ويمكن وصفه بـ “حزب أمريكا” أو الحزب الأنكلوأمريكي، وظل هذا الطرف يعمل لمصلحة اللوبيات الأمريكية والدوائر البريطانية، وأغلب عناصره من “المالغ” “MALG” أي وزارة التسليح والعلاقات العامة.تأسس جهاز المخابرات الجزائرية إبان حرب التحرير على يد عبد الحفيظ بوصوف، سنة 1956 حسب بعض المصادر. ومع سنة 1959 بعد تشكيل الحكومة المؤقتة أصبحت له وزارة تأتمر بأوامره وهي «وزارة التسليح والعلاقات العامة » المعروفة اختصارا بـالمالغ، وقد لعب هذا الجهاز دورا كبيرا أثناء الحرب وبعد الاستقلال، حيث أشرف، أثناء حرب التحرير فقط، على تكوين حوالي ألف إطار في أعلى التخصصات؛ و استطاع أن يزرع جواسيس في الخارج ويجند جواسيس في الجزائر. وتعرض هذا الجهاز إلى اتهامات بضلوعه في اغتيال عدد من رموز حرب التحرير، وتعطيل التموين وتحريف مقاصد الثورة والاستقلال…وقد فرض جهاز المالغ نفسه عبر عناصره التي تقلدت أهم المناصب في الجزائر المستقلة، حسب ما صرح به أحد عناصره، وزير الداخلية الحالي، دحو ولد القابلية سنة 2004 «رؤساء حكومات، عشرات الوزراء و الجنرالات والعقداء والأطر السامية».فالمالغ، يشبه إلى حد ما عائلة غامضة وهجينة، محاطة بهالة من الأسرار، لا تفصح عن هويتها. مع عودة بوتفليقة أصبحت هذه “العائلة” أكثر حضورا، كما أصبحت موضوع جدل واتهامات. ويبدو أن الصراع الذي عاشته الجزائر طيلة سنوات، لم يكن فيه للاشتراكيين، ودعاة العروبة ودعاة الإسلام ودعاة المزوغة، سوى دور مثيري الشغب والضجيج، الذين وفروا الغطاء، دون وعي منهم، للصراع الفعلي الذي كان ولا يزال، بين حزبين فاسدين يعرفان دورهما جيدا، كما يعرفان بعضهما، هما حزب فرنسا وحزب أمريكا. فكيف ننظف ساحتنا السياسية من ضجيج الديماغوجيا وغبار الأيديولوجيا حتى نعرف الخبيث من الطيب؟؟؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz