من تداعيات فكرة استعمال العامية في التدريس الدعوة إلى لغة عربية بسيطة

246962 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: من تداعيات تهافت فكرة استعمال العامية في التدريس صدور ردود أفعال لدى البعض مفادها اقتراح لغة عربية بسيطة . وعندما يسمع المرء لغة عربية بسيطة تتبادر إلى ذهنه للتو فكرة لغة عربية معقدة ، وأكثر من ذلك يتبادر إلى ذهنه أن اللغة العربية المعتمدة في تعليمنا هي لغة غير بسيطة أو هي لغة معقدة أو صعبة . ويبدو أن البعض يريدون اختزال الأزمة التي تعاني منها منظومتنا التربوية في مقولة صعوبة أو سهولة لغة التعلم عوض الكشف عن اختلالات هذه المنظومة التي لا علاقة لها باللغات كوسائل لتبيلغ مضامين علمية وفكرية. ويبدو أن أصحاب فكرة اختزال أزمة التربية والتعليم في صعوبة وسهولة اللغة إنما أرادوا تقديم اللغة العربية كقربان أو ككبش فداء في ظرف شديد الحساسية ، وهو ظرف الربيع العربي وما أفرز من تداعيات أقلقت قوى عالمية تعاني من فرط الحساسية ضد كل ما له علاقة بالإسلام . ولما كانت اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم الذي هو عماد الإسلام، فإن هذه القوى المتربصة به سنحت لها الفرصة للنيل منه عن طريق النيل من لغة كتابه ، وذلك عن طريق توظيف طابور خامس يتقنع بقناع الإصلاح مموها عن فساده وإفساده إرضاء لأسياده الذين يشغلونه للنيل من الإسلام مستغلين شهادة ميلاده في أرض الإسلام . ويسعى الطابور الخامس المسخر لاستبدال اللغة التي تمكن من معرفة القرآن الكريم بغيرها سواء كانت عامية أو بسيطة على حد تعبير من أرادوا مجاملة أصحاب العامية مع اتفاقهم معهم في هدف إقصاء لغة القرآن مع التمويه بذريعة أنها لغة معقدة وأنهم دعاة تبسيط لها . ويبدو أن مقولة اللغة العربية البسيطة التي توحي ضمنيا بالمعقدة تدل على جهل واضح بطبيعة اللغة العربية . ومعلوم أن اللغة العربية ككل اللغات البشرية وعبر تاريخها الطويل عكست مستويات فكر الناطقين بها وانشغالاتهم وما كان له علاقة بحياتهم وبطبيعتها . فالعرب قبل الإسلام تكلموا اللغة العربية التي نقلت لنا فكرهم وثقافتهم ومشاعرهم . وعندما يطلع العربي المعاصر على لغة عرب ما قبل الإسلام سواء كانت نثرا أم شعرا يجدها غريبة عنه ، ومن ثم يعتقد بصعوبتها . وصعوبة اللغة عند البعض هي عدم استيعابهم لها لأنهم يجعلون أنفسهم مقياسا به تقاس لغة غيرهم . ومن يجعل نفسه مقياسا لا شك أنه يسقط في معيار الصعوبة والسهولة ، ذلك أن كل ما لا يستوعبه يدخل عنده في إطار الصعب ، وكل ما في مستواه يكون بسيطا ، وكل ما دون مستواه يكون رديئا . وتوالت العصور مع توالي الأجيال العربية التي استعملت اللغة العربية وفق حاجاتها الفكرية والثقافية ، وكانت النتيجة نماذج من الإبداعات المختلفة من حيث أشكالها . ولهذا صار المتأخرون يدرسون هذه الإبداعات مرة انطلاقا من عصورها ، ومرة انطلاقا من فنونها … إلى غير ذلك من التصنيفات التي تعكس وعي هؤلاء المتأخرين بمرور اللغة العربية عبر محطات تاريخية مختلفة . وهذا التنوع في ما أنتج باللغة العربية يدل على غناها حيث عبر بها إنسان ما قبل الإسلام وعبر بها كل من جاء بعده إلى آخر عربي في هذا العصر دون أن تضيق به أو بفكره أو بثقافته أو بما يريد التعبير عنه مما يتعلق به ويعنيه دون غيره . ومن المثير للضحك أن يقول العربي في هذا العصر للعربي ما قبل الإسلام إن لغتك العربية صعبة لأنه إذا قال ذلك يكون قد نصب نفسه مقياسا به تقاس عربية غيره ممن عاش في عصر متقدم عنه أو بتعبير آخر يجعل نفسه ميزانا يقيس هزات اللغة العربية عبر العصور كما تقاس الهزات الأرضية بواسطة سلم ريختر. ولقد ألف القدماء المصنفات في تقريب لغة من كان قبلهم لمن عاصرهم لبيان ما طرأ على العربية من تغيير ، وما كانت عليه في عصور سابقة من تعابير. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن في العرب اليوم من الدارسين وأهل الاختصاص من يستطيع أن يتواصل مع لغة العرب قبل الإسلام وبعده تماما كما يوجد في كل لغات العالم من يعرف لغات قومه الأقدمين دون أن يصفها بالصعوبة لمجرد أنها تعبر عن فكرهم وثقافة عصرهم . والذين لا يؤمنون بالقرآن الكريم كوحي من الله عز وجل للخلق ، يعاملونه معاملة كلام البشر ، ولذلك تستوي عندهم لغة القرآن الكريم بلغة البشر الذي كان قبله أو الذي عاصره من حيث ما يعتبرونه صعوبة وما هو في الحقيقة إلا جهل منهم . وكثير منهم يشبه لغة القرآن الكريم بلغة العرب قبل الإسلام . ولقد أثار المشككون في القرآن الكريم كوحي من المستشرقين ما يعرف بقضية نحل الشعر الجاهلي بغرض نسف قضية إعجاز القرآن الكريم من الأساس لأنه بالتشكيك في الشعر الجاهلي ونسبته لما بعد الإسلام زمنيا كما فعل مرجوليوت وتابعه في ذلك طه حسين الذي كان طابور الاستشراق الخامس بامتياز لا تستقيم فكرة الإعجاز الذي يتوقف على مقارنة لغة الشعر الجاهلي بلغة القرآن الكريم لبيان الفرق بينهما ، وهو فرق يجعل لغة القرآن الكريم معجزة دون أن تكون لغة الشعر الجاهلي كذلك لأن لغة القرآن الكريم وحي من الله عز وجل بينما لغة الشعر الجاهلي من وضع البشر . والذي جعل اللغة العربية لا يطرأ عليها في التعبير عن الوحي ما طرأ عليها في التعبير عن غيره من كلام البشر هو دخولها إطار الإعجاز ، ولهذا يجد الناس ما يسمونه صعوبة في اللغة العربية عندما تعبر عن فكر وثقافة العرب قبل الإسلام وبعده ، ولا يجدون ذلك فيها عندما تعبر عن الوحي وكلام الله عز وجل . و الذين يقولون بصعوبة اللغة العربية المعبرة عن فكر أسلافنا وثقافتهم يريدون قول نفس الشيء بالنسبة للغة القرآن الكريم لأنهم يرتابون في طبيعته الإلهية ، ويعاملونه معاملة الفكر والثقافة البشرية. وعند هؤلاء تستوي لغة العرب ما قبل الإسلام بلغة القرآن الكريم من حيث الصعوبة ، الشيء الذي يتضمن تكذيبا واضحا لقول الله عز وجل : (( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر )) فمن إعجاز القرآن الكريم يسره ليس فقط بالنسبة لمن نزل في زمانهم بل بالنسبة للناس كافة إلى قيام الساعة . والذين يريدون إقصاء القرآن الكريم من حياة الناس من الطابور الخامس المسخر من طرف أعداء الإسلام لا يملكون الشجاعة للتصريح بذلك ، لهذا يعمدون إلى التمويه على نواياهم الخبيثة من خلال اتهام لغة القرآن الكريم بالصعوبة أو بالجمود أو غير ذلك من التهم الملفقة من أجل صرف الناس عنها ، ومن ثم لصرفهم عن القرآن الكريم . وإذا ما جاز قبول قول الإنسان البسيط بصعوبة وسهولة اللغة فلا يقبل ذلك من المحسوبين على الفكر لأن القول بذلك يدل على جهل واضح بطبيعة تطور اللغة الواحدة عبر العصور المختلفة . ولو قدر لشاعر جاهلي أن يطلع على أشعار الشعراء الحداثيين لكانت غير مفهومة بالنسبة إليه كذلك لتكوينه اللغوي المختلف ، ولقال أيضا إنها صعبة ، إذا ما كان معيار الصعوبة هو عدم الفهم . والقائل بسهولة أو صعوبة اللغة نقول له قياسا على من حكمت بذلك ؟ خصوصا وأن الذين يتكلمون لغة ما تتفاوت مستوياتهم في استعمالها . وقد يكون استعمال أخصب من استعمال ، وحينئذ لا يمكن على سبيل المثال لمن لا يتجاوز استعماله للغة الاستعمال الحقيقي أن يتهم من يتجاوز ذلك إلى الاستعمال المجازي بأن لغته صعبة . وإن كل من يعتقد بصعوبة أو سهولة لغة ما يعرض نفسه للسخرية ، لأنه لا وجود لصعوبة أو سهولة في اللغة بل يوجد تفاوت في استعمالها حسب مستويات مستعمليها الفكرية والثقافية وحسب ما تقتضيه حياتهم . وما اللغة سوى ترجمان لواقع من يتحدثون بها . وبناء على هذا يرى صاحب الفكر العامي والثقافة العامية أن العامية هي أنسب لغة بالنسبة إليه ، كما أن الرافض لنوع من الفكر يرى أن اللغة الناقلة لهذا الفكر غير مناسبة أوهي صعبة . ومما يغري المتحاملين على الإسلام والقرآن بالنيل منهما هو سهولة الاستخفاف بعقول العامة والسوقة ، وسهولة خداعهم تحت شعار حرية الحوار وحرية التفكير وحرية التعبير …. وما إلى ذلك من حريات لا يحترمونها عندما يتعلق الأمر بالإسلام وبما له به علاقة كاللغة العربية . أليس من حرية التفكير والتعبير ألا تهاجم العربية ،وألا يطالب المتعصبون للعامية أو الأمازيغية بإقصائها على حساب استعمال عاميتهم وأمازيغيتهم ؟ إن الطابور الخامس المستخدم من طرف أعداء الإسلام لن يقف عند هذا الحد من الكيد للإسلام بل سنسمع منه بمكائد أخرى ولكن الإسلام سيظل شامخا بكل مقوماته بما فيها اللغة العربية الناقلة لكلام الله عز وجل الذي أزهق به الله كل باطل زهوق .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz