من المنطق الأرسطي إلى المنطق الرياضي ( الجزء الأول )/ وجدة: أحمد أولاليت

323290 مشاهدة

وجدة: أحمد أولاليت/ وجدة البوابة: يرى المفكر السوري ( طيب تيزيني ).أن اليونانيين كانوا يعيشون مرحلة التفكير الأسطوري وكانت محاولة عقلنتهم للأسطورة هي بداية الفلسفة … كما يجمع المؤرخون أن السفسطة التي كانت سائدة في المجتمع اليوناني و محاولة التصدي لها من طرف بعض الفلاسفة و على رأسهم أرسطو كانت بداية ميلاد المنطق ……فانعكست مظاهر التقعيد و ايجاد الضوابط على كل كتاباته (كتاب الأورغانون المعروف بكتاب المنطق .و كتاب السياسة وكتاب الأخلاق . و كتاب الطبيعة و كتاب ما وراء الطبيعة و كتاب الشعر وكتاب الخطابة و كتاب الفلك المعروف بكتاب السماء و العالم ….. ) ..(لا يهمنا هنا كيف جمعت و لا كيف ترجمت و لا كيف ضاعت كتاباته الأولى التي كانت خلاصة لنقاشات مع الناس و بخاصة تلاميذه و هو ما يعرف بالفلسفة المشائية : (عندما كان يمشي مع تلاميذه و في نفس الوقت يناقش معهم المواضيع الفلسفية …..).( و لا يهمنا : هل كان بارمنديس 504 ق م – 470 ق م . هو أول من وضع مبادئ المنطق … كما يرى برتراند راسل )..
أرسطو (384 ق م – 322 ق م ) تلميذ أفلاطون و أستاذ الإسكندر المقدوني أول من عمل على أن يجعل للعقل ( آلة ) تمنعه من الزلل و الوقوع في الخطإ فلا يستطيع السفسطائيون ( على رأسهم : جورجياس و بروتاغوراس ) أن يقنعوا الناس بفكرة ( بالحجج و الأدلة ) ثم يأتون فيما بعد ليقنعوهم بنقيضها ( و بالحجج و الأدلة مرة أخرى ) متلاعبين بالكلام ومعاني الألفاظ و خلطه في الأحكام …. فالأورغانون عند أرسطو هو ( العلم الذي يبحث في صحيح الفكر و فاسده . و يضع لنا القواعد التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطإ ) .و يقول عنه أيضا (آلة العلم , و موضوعه الحقيقي . هو العلم نفسه, أو هو صورة العلم ) ويرى ابن سينا في كتاب النجاة أن المنطق ( الآلة العاصمة للذهن عن الخطإ فيما نتصوره و نصدق به و الموصلة إلى الإعتقاد الحق بإعطاء أسبابه و نهج سبله ).يرى أرسطو أن المنطق ليس علما قائما بذاته أو جزءا من الفلسفة بل هو مدخل و تمهيد للفلسفة نظرية كانت أو عملية …كما أن منطق أرسطو ( الصوري – الشكلي ) يقوم على مبادئ هي :1 ) – القياس : و هو يرجع إلى قضايا . و تحلل القضايا إلى ألفاظ . و عرف القياس بأنه ( قول يتألف من مقدمات تلزم عنها بالضرورة نتيجة ) كقولنا : كل إنسان فان ( قضية أولى ) – سقراط إنسان ( قضية ثانية)– سقراط فان ( النتيجة ). و هو ما يسميه أحمد بن تيمية ( الاستدلال بالكلي على الجزئي ) ونمثل لذلك : كل المعادن تتمدد بالحرارة ( مقدمة كبرى ) – الحديد معدن ( مقدمة صغرى )– الحديد يتمدد ( نتيجة ) . و كان أرسطو يقسم القياس إلى قسمين– – القسم الأول : يستخلص فيه قضية من قضيتين ( المثال السابق ) .– – القسم الثاني : يتم فيه استنتاج قضية عامة انطلاقا من أكثر من قضيتين ( أي الاستدلال بالخاص على العام ) .– 2 ) التصورات : (سواء كانت بسيطة أو مركبة ) فهي : الأفكار التي نعبر عنها في اللغة ب ( الألفاظ ) و في المنطق نعبر عنها ب (الحدود ) فكل لفظ يدل على معنى محدد : إنسان .سيف . كرسي . حائط .فرس…….. فالتصورات عند أرسطو ينتجها العقل البشري عن طريق فعاليتين عقليتين هما : ( التجريد ) و ( التعميم ) . فبالتجريد يتم تجريد الأشياء من خصائصها التي تشترك فيها و لا يبقى ( يحتفظ ) العقل إلا على ما هو مشترك مثل تجريد الأفراد الإنسانيين من خصائص الطول و اللون و السن و العادات و التقاليد ….و الإبقاء فقط على ما هو عام و مشترك بين الناس و هو ( النطق ) و ( العقل ). و نطلق عليه لفظ ( إنسان ). ثم بواسطة التعميم نطلق لفظ ( إنسان) على كل ناطق و عاقل و كذلك الأمر في تصور كرسي و فرس .ماء …3 ) مبادئ العقل التي يستند عليها الإنسان في تفكيره :انتهت التحليلات المنطقية بأرسطو إلى التأكيد أن العقل الإنساني في استدلالاته و براهينه و طريقة تفكيره يسير حسب قوانين محددة تتصف بأنها ( ضرورية ) أي أنها لا تقبل المناقشة أو التعديل ’ و لذلك اعتبرها أرسطو شاملة للنوع الإنساني في كل زمان . و من ثمة فمبادئ الفكر كلية تسلم بها كل العقول ’ و هذه المبادئ أو القوانين هي :– أ : مبدأ الهوية : و يقصد به أن الشيء أيا كان ( مادة )أو ( ذاتا ) هو هو : و لا يمكن أن يكون شيئا آخر. فمحمد هو محمد و لا يمكن أن يكون عليا أو عمرا …– ب : مبدأ عدم التناقض : فالشيء لا يحتمل حكمين متناقضين : كأن يكون موجودا و معدوما في وقت واحد . أو ميتا و حيا في نفس الوقت . أو واحدا و متعددا في نفس الوقت …و هذا المبدأ هو أساس التفكير المنطقي .– ج : مبدأ الثالث المرفوع : و يسمى كذلك بالوسط الممتنع أو الوسط المستبعد . و معناه أن الشيء لا بد أن تكون له صفة ما أو نقيضها .و لا يمكن أن يجمع بينهما : كأن يكون شخص ما مثلا ’ صادقا و كاذبا في نفس الوقت . أو أن يكون حيا و ميتا في نفس الزمن . أو أ، يكون حاضرا و غائبا في نفس اللحظة .و إذا كانت الصفتان المتناقضتان لا تجتمعان في موضوع واحد فلا بد أن يتصف هدا الموضوع بواحدة منهما لدلك يقال ( المتناقضان لا يصدقان معا و لا يرتفعان معا ) .– د : مبدأ العلية : يقصد بهذا المبدإ : أن لكل حادث أو ظاهرة سببا . و لكل معلول علة . و العلة يقصد بها الشرط اللازم لحدوث أو غياب أو تعديل ظاهرة ما .وقد اعتبر أرسطو ( الحد الأوسط ) مقدمة صغرى في القياس الصوري (علة المعرفة ) . و قد ميز بين أربع علل و هي : العلة المادية . و العلة الصورية . و العلة الفاعلة. و العلة الغائية.– يمثل لذلك بما يلي : إذا أراد أحد صنع تمثال ما تلزمه المادة لصنعه ( رخام. نحاس . حجر. ..) فهي العلة المادية .و يحتاج إلى صورة يشكل حسبها تلك المادة ( انسان . حيوان . طائر .نبات …) و هي العلة الصورية . و تحتاج تلك المادة إلى فاعل يصنعها حسب صورة معينة ( الصانع أو الفنان أو النحات ’المطرقة , الإزميل,,,) و هو العلة الفاعلة . ثم إن اكتمال التمثال يتم بتوفر شرط رابع و هو العلة المتصلة بالهدف أو الغاية من صنع هذا التمثال ( التجارة . التذوق . العبادة . التأريخ …).و قد اهمل الباحثون فيما بعد بالسببين الصوري و المادي لإتصالهما بطبيعة الشيء و احتفظا بالسببين : الفاعل و الغائي ’– ويترتب عن الإيمان بمبدإ ( العلية ) السببية الإيمان بمبدإ الحتمية , فإدا ثبت لي أن (أ ) هي علة(ب) فمعنى دلك أن وجود (أ ) يترتب عنه وجود (ب) , و كدلك عدم وجود (أ) يترتب عنه عدم وجود(ب) . و بالتالي فإن أية حادثة تحدث فإن حدوثها خاضع لجملة من الشروط المعينة . و كلما تكررت نفس الشروط لا بد أن تتكررنفس الحادثة ( نفس الشروط تحدث نفس النتائج) .– *** قبل هذه المبادئ اهتم أرسطو بالمقولات ( أي أنواع الصفات أو المحمولات التي يمكن أن تحمل ( وتسند) على كائن ما أو شيء معين) و نقول أيضا أنها ( الحدود و الأوجه التي تقال على وجود الشيء )و هي : 1:مقولة الجوهر. 2: مقولة الكم . 3: مقولة الكيف . 4: مقولة الإضافة . 5: مقولة المكان . 6: مقولة الزمان 7: مقولة الوضع . 8: مقولة الملك .9: مقولة الفعل . 10: مقولة الإنفعال .انتهى الجزء الأول و إلى الجزء الثاني إن شاء الله . أخوكم أولاليت أحمد .ملحوظة* لم يترك أرسطو (المعلم الأول و مؤسس المدرسة المشائية ) كتابا إسمه المنطق أو الأورغانون ( الآلة ) ولكن تلاميذه جمعوا بعض كتبه و ألفوه منها . و هذه الكتب هي ( كتاب المقولات . و كتاب العبارات . وكتاب التحليلات الأولى ( البرهان ) . وكتاب التحليلات الثانية ( القياس ) . و كتاب الجدل . و كتاب الفلسفة ) .* يقول الأستاذ محمد عابد الجابري : سمي هذا النوع من المنطق منطقا صوريا ذلك أنه لا يهتم بمحتوى الفكر و مضمونه قدر اهتمامه بالصورة التي يوجد عليها الفكر و هو يقوم بمحاكماته , فليس المهم أن يأتي الفكر مطابقا للواقع , بل المهم أن يأتي الفكر مطابقا لنفسه . و من هنا نفهم تلك العناية الكبرى التي وجهها أرسطو للقياس باعتباره نوعا من الإستدلال يهدف إلى تماسك الفكر و وحدته.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz