من التمس العزة في غير الله عز وجل أذله سبحانه وتعالى

130613 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: من التمس العزة في غير الله عز وجل  أذله  سبحانه  وتعالى

من أعظم النعم  التي أنعم  بها الخالق جل جلاله  على الإنسان  نعمة  التكريم ـ ولا يوجد أنفس  ولا أغلى من كرامة الإنسان . وقد  سجل الوحي الذي لا يأتيه  باطل من بين يديه  ولا من خلفه  هذه النعمة  التي  لا ينكرها  إلا  جاحد  في قول المولى  جل وعلا : ((  ولقد كرمنا  بني آدم  وحملناهم  في البحر  والبحر ورزقناهم من الطيبات  وفضلناهم  على كثير ممن خلقنا  تفضيلا )) . ومن  التكريم  أن خلق  الله  تعالى  الإنسان  بيده  ونفخ  فيه من روحه ، وهي حقيقة  مؤكدة  بالوحي أيضا : (( قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت  بيدي )). ومن التكريم  حسن تصوير الإنسان  كما جاء في الذكر الحكيم : (( الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم  فأحسن صوركم ))  وقوام  حسن التصوير أن  الإنسان  مخلوق  يمشي  على  قدميه ، بينما  تزحف  أو تمشي  على أربع  غيره  من  المخلوقات . كما  أنه يأكل  بيديه  بينما  يقضم   غيره  من المخلوقات  بالفم . وله  عقل  يعقل به  ، وغيره  لا يعقل  ، وله لسان  ينطق  به  وغيره أعجم  لا ينطق ، وله إرادة  وغيره  مفرد  الطبيعة، وهو يأكل  الطيبات  وغيره  يأكل  ما يفضل عنه . ومما جاء في  الأثر  قول  الرسول  الأكرم  صلى  الله عليه  وسلم : “ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم ”  قيل : يا رسول  الله ولا الملائكة  ؟ قال :  ولا الملائكة ، الملائكة  مجبورون بمنزلة  الشمس والقمر ” أي لهم  طبيعة  واحدة  خلاف  الإنسان  الذي  جعلته جبلته  أو نعمة  الإرادة مزدوج  الطبيعة  شاكرا أو  كفورا. ومما جاء في الأثر  أيضا  قول  الملائكة  : ”  ربنا  خلقت بني آدم وجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ، ويلبسون الثياب ، ويتزوجون النساء ـ ويركبون الدواب  ،  ينامون   ويستريحون ، ولم تجعل لنا من ذلك شيئا ، فجعل لهم الدنيا  ولنا  الآخرة ”  فقال الله  عز وجل  : ” لا أجعل من خلقته بيدي  ونفخت فيه من روحي كمن قلت له  كن  فكان ” ، فشتان بين  من  خلقه  الله  تعالى  بيده  ومن قال له  كن  فكان ، كما هو حال  السماوات  والأرض أيضا لقوله تعالى  : (( ثم استوى إلى السماء  وهي دخان فقال لها  وللأرض إيتيا طوعا أو كرها  قالتا أتينا طائعين))  بمعنى  كونا فكانتا . وما  حسد  إبليس  اللعين  الإنسان إلا  بسبب  نعمة  التكريم  كما  أخبر  بذلك  الوحي  : (( قال أ رآيتك هذا الذي كرمت  علي  لئن  أخرتني إلى  يوم القيامة  لأحتنكن ذريته  إلا  قليلا )) . وإبليس  إنما  استهدف  نعمة  تكريم  الإنسان  عندما قال  لأحتنكن ذريته ، علما  بأن  الاحتناك  هو  وضع  الرسن  في فم  الدابة  ، وهذا  يعني  أن  الشيطان  المريد  حسدا  من عند نفسه  يريد أن  ينزل  بالإنسان  المكرم  إلى  الحضيض  بعد  مرتبة  التكريم  وبعد  مرحلة  أحسن تقويم . ونعمة التكريم  شاملة شملت  كل مراحل  حياة  الإنسان  في الدنيا  بما فيها  مرحلته  الجنينية  حيث  صان  الله  تعالى  حياته   وهو جنين لأنه  مكرم  ثم  صان  حياته  وهو  صبي  وطفل  وشاب  يافع  وكهل  وشيخ  حيا  وميتا ، وكرمه  في  الحياة  الأخرى  لقوله  تعالى  : (( أولئك  في جنات  مكرمون )) . وعند  تأمل  نعمة  التكريم  نجدها  مرتبطة  بالدين  وهو  عبارة  عن  عبادة  أو طاعة  قوامه  الأوامر والنواهي .  وهذه  الأوامر  والنواهي  إنما  هي حدود نسبها  الله  تعالى  لنفسه ، وهي  ضمان صيانة كرامة  الإنسان . فلا يوجد  أمر إلهي  أو  نهي  إلا  ومن ورائه  صيانة  للكرامة  الإنسانية .  وكل  مهانة  يذوقها  الإنسان  في  هذه الحياة  إلا  ووراءها مخالفة  لأمر من أوامر الله  عز وجل أو نهي من نواهيه . وقد  يساء  فهم  العبادة أو  الطاعة  فيظن  أنها  موانع  وقيود  تقيد  حرية  الإنسان  ، والحقيقة  أنها  ضوابط  تحرس  كرامة  الإنسان . فالجسد  بما فيه  من جوارح  نعمة  من  نعم  التكريم  ولا يجوز  أن يبتذل   بإتلاف  مهما  كان  مصدره  ، ولا   يجوز تصفيته  ، ولا يجوز  توظيفه  فيما  يتسبب في  امتهانه  وابتذاله ومن  ثم  ابتذال ما يمثل من كرامة إنسانية . فعلى  سبيل  المثال  لا الحصر قد  يظن  أن  الأمر  بغض  البصر  يعتبر  قيدا  يقيد  حرية  النظر ، ولكنه  عند التأمل  نجد ه  يصون  كرامة  هذه الحاسة  من الابتذال ،ذلك أنها  عندما  تتسلط  على  ما لا ينبغي لها  تسيء  إلي نفسها أولا  ، وإلى  الجهة  التي  تسلطت عليها  بعد  ذلك . وما  قيل عن  حاسة  البصر يقال  عن  كل الجوارح  التي  صانها  الله  تعالى  من خلال  أوامره  ونواهيه  عن  كل ابتذال  أو امتهان يمس  كرامة  الإنسان . ولا يعتبر  حريصا  على  كرامته  من خالف  أوامر ربه  سبحانه  ونواهيه من خلال  توظيف جوارحه  التوظيف  المسبب  لمهانته  وابتذاله . ومن ابتذال  الكرامة أن  يعطل  الإنسان  ما أعطاه  الله  عز وجل  ودله  على  حسن  توظيفه  وهو  ما  أشار إليه  الوحي   في قوله  تعالى : ((  ولقد  ذرأنا لجهنم  كثيرا من الجن  والإنس لهم  قلوب  لا يفقهون  بها  ولهم أعين  لا يبصرون  بها  ولهم آذان  لا يسمعون  بها أولئك  كالأنعام  بل هم  أضل  أولئك هم  الغافلون )) ، فإذا  ما عطلت  القلوب التي تفقه  والعيون  التي تبصر  ، والآذان  التي تسمع   يتحول  الإنسان  المكرم  إلى  مخلوق  في مستوى  الأنعام أو دون مستواها  في الحياة  الدنيا  ، كما  يصير  مجرد  وقود  نار  مع  الحجارة  في  الآخرة . ولا يحصل  التكريم  إلا  إذا كانت  القلوب  والأبصار والأسماع  كما أرادها خالقها سبحانه  . وكل  من التمس  العزة  في غير ما أراد الخالق سبحانه  أذله . وإنه  ليخيل  لكثير من  الناس  أنهم  يصيبون  العزة  والكرامة  من خلال   التماسهما  في غير  دين  الله  عز وجل ، وهو واهمون  ، وما يزيدهم  التماسهما  في غيره  إلا  ذلة  ومهانة  واحتقارا . ومن مظاهر  الذلة  والهوان  التبعية  للغير ، وهي  تبعية  احتناك  حيث  تضع  أمم  غالبة  الرسن  في  أفواه  أمم  مغلوبة وتسوقها  سوق  الأنعام ، ويحصل لها   بذلك الذل  والهوان. فمتى  ستفيق  الأمة  الإسلامية  بولاة أمورها   وخاصتها وعامتها فتعي  أن   نعمة التكريم  هي في التزام  دين الله  عز وجل لأنه  الضمان  الوحيد لصيانة  كرامتها . وإن  الله  تعالى  ليرينا  بين الحين  والآخر  آياته في  شتى  الآفاق  وفي  أنفسنا حتى  يتبين  لنا  أن ما أنزل  إلينا  هو  الحق .  إنه  أرانا آية  الذل والهوان في احتلال احتل  أرضنا  وأذلنا  ، وفي تبعية  له  عانيننا  منها  ولا زلنا ، وأرانا  آية  العزة  والكرامة  في  انتفاضتنا  عليه  ومقاومتنا  له ، ومع ذلك  سرعان  ما نسينا  الآيتين  معا  فعدنا  إلى  رسن  التبعية من جديد.  وها هي فرنسا التي   خدشت  كرامتنا  لا زالت  على حالها  تريدنا   مجرد بهائم خلف  رسنها ، أفلا  نلتمس  العزة  في  شرع خالقنا ، و نقطع  دابر الهوان  الذي  تسببه  لنا  التبعية المقيتة ؟ وما  دمنا   نقتدي  بالأمم  الضالة  المضلة  تحت  تأثير  الانبهار  بسبقها  التكنولوجي الذي  أمرنا  ديننا   بطلبه  حيث  كان، فلن  نبلغ درجة  التكريم  التي   خصنا  بها  الخالق  سبحانه  وتعالى ، وسنعيش  بلا كرامة  حياة  ذل  وهوان.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz