مناسبة الإسراء والمعراج فرصة توبة وصلح مع الله عز وجل

273658 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 28 رجب 1435ه، الموافق ل 28 مايو 2014م، “مناسبة الإسراء والمعراج فرصة توبة وصلح مع الله عز وجل”

اقتضت إرادة الله عز وجل أن يكون لملكوته العظيم وجهان : وجه مشاهد أو عالم شهادة ، ووجه مغيب  أو عالم  الغيب ، وكتب سبحانه  الفناء على  الأول ، كما كتب الخلد للثاني  ، وبينهما صلة  في الحياة  الدنيا ، وهي فتر الاختباروالامتحان ولفظة غيب تدل على كل ما يغيب  عن المشاهدة والمعاينة ، والعرب  تقول : ” سمعت صوتا من وراء الغيب ” أي لا أراه  ، ومن ذلك تسمية  الغابة  كذلك لأن شجرها يغيب ما  بداخلها  فلا يرى . والغيب في الاصطلاح هو عالم لا تدركه الأبصار  ولكن تحصله وتعيه القلوب . ومن شروط صحة الإيمان في دين الإسلام  الاعتقاد بالغيب . ومن الغيب ما جاء في كتاب  الله  عز وجل  من أخبار  الماضي  البعيد ، وأخبار المستقبل  الذي لم  يحن  أوانه بعد . والإسراء  والمعراج  غيب ورد ذكرهما في كتاب الله عز وجل  ، وقد وقعا  على الأرجح في  ليلة  السابع و العشرين  من شهر رجب  بعد  عودة  رسول  الله  صلى  الله  عليه وسلم  من  الطائف  حيث  عرض  دعوته  على قبيلة ثقيف ، فكذبته   وسلطت عليه  سفهاءها ، فرموه بالحجارة حتى أدموا عقبه ، فواساه الله  عز وجل  برحلة  عجيبة  على سطح  هذا الكوكب ، وعبر  السماوات العلى في ليلة واحدة  ليكشف  له  حجب غيب  الماضي  البعيد  والمستقبل  الذي علمه  عنده  سبحانه . وإذا  كان الرسل السابقون  صلوات الله  عليهم  قد سألوا الله  عز وجل  أن يكشف  لهم  حجب الغيب  كما كان شأن  خليله إبراهيم عليه السلام الذي أراد أن  يكشف له ربه غيب إحياء الموتى  ، وكما كان شأن  كليمه موسى عليه  السلام  الذي  أراد  أن ينظر إلى ربه عيانا  ، وكما  كان  شأن روحه عيسى  عليه  السلام  الذي  طلب منه  مائدة  من السماء ، فإن  حبيبه  محمد صلى  الله عليه  وسلم  شكا  إليه  تكذيب  الناس له ، فكشف  الله له  حجب  الغيب  ليثبت  فؤاده  بعد هذا  التكذيب البشري. والملاحظ  أن الله  عز وجل  كان  يكشف حجب الغيب  لرسله  الكرام صلواته  وسلامه  عليهم  كلما  اشتد تكذيب  الناس لهم  لدعمهم  ولنصرتهم  ولإثبات رسالتهم  وتثبيت قلوبهم  وزيادة يقينهم به. ولقد  أحيى  الله  تعالى  جميع  المرسلين  لسيدهم  وخاتمهم في المسجد  الأقصى  حيث  أمهم  في  أشرف وأقدس  صلاة  على سطح هذا الكوكب ، فتأكد عليه  الصلاة  والسلام  من وجود  هؤلاء  المرسلين  الذين  أخبر عنهم في القرآن  الكريم  ، وكانوا  من غيب  الماضي  البعيد  ، كما أنهم  تأكدوا هم  أيضا  من وجوده صلى الله عليه  وسلم  وكان  بالنسبة إليهم من  غيب المستقبل  الذي  لم يدركوه . وكشف الله  عز وجل  في  المعراج  لعبده عليه  الصلاة والسلام  حجب غيب  المستقبل ،فرأى  ما  لم  يحصل بعد في الآخرة  من نعيم  وجحيم ، وتأكد  من أن  كل غيب  ورد ذكره في القرآن الكريم  هو عين  الحقيقة  شاهده  بأم عينه  وعاينه  عن كثب . ويتعين  بموجب ذلك  أن  يتأكد  كل مؤمن  موحد  أن   الغيب  الوارد  في كتاب  الله عز وجل  هو  حقيقة  قد ناب   رسول  الله  صلى  الله عليه  وسلم  عن  أمته  في  معاينته  ، وتعتبر  مشاهدته  عليه  السلام  حجة  على من  آمن  به  وصدقه لأنه لا يعقل أن  يؤمن  به الإنسان  ، ويخامره  شك أو ريب  فيما رأى وروى . ومع شديد الأسف  لا زال  بعض  المحسوبين  يمارون  ويجادلون  في  الإسراء  والمعراج  ، ويصرفون  الوقت  في مناقشة  كيفيتهما ، ويتساءلون  أبالروح  أسري  وأعرج  برسول الله صلى  الله عليه  وسلم  أم  بالجسد أو  بهما  معا ؟  مع أن  الله  تعالى  يقول : ((  ما كذب  الفؤاد ما رأى أفتمارونه  على  ما يرى  ولقد رآه نزلة  أخرى عند سدرة  المنتهى  عندها جنة  المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر  وما طغى  لقد رأى من آيات ربه  الكبرى ))  فلا  يجادل  بعد  هذا  النص الصريح  إلا مكابر   ، ولا يشك  في   حادثة  الإسراء  والمعراج  إلا مكذب لا  إيمان  له  ، وقد  غاب  اعتقاده  بالغيب ، وهو  شرط من شروط الإيمان  لقوله تعالى : ((  ألم  ذلك الكتاب لا ريب فيه  هدى للمتقين  الذين  يؤمنون بالغيب )) . ولقد أكدت  روايات  رسول الله صلى الله عليه  وسلم لما شاهده  في معراجه ما جاء في كتاب  الله  عز وجل  ، ومن  ذلك  أنه عاين  عذاب تاركي  الصلاة الذين  يعذبون  في نار جهنم  حيث  تردخ  أو تشدخ  رؤوسهم  وتعود كما كانت  ليذوقوا  العذاب ، وهو ما يؤكده القرآن  الكريم في قوله  تعالى : (( فويل  للمصلين  الذين  هم  عن  صلاتهم ساهون ))  ولا شك أن  عقاب  السهو عن الصلاة  في  الحياة  الدنيا  وهي فترة  امتحان  واختبار يقتضي  عقوبة  تنال العضو المسؤول عن  السهو وهو الرأس أو الجمجمة  حيث  توجد  الذاكرة الساهية  ، وردخها  أو شدخها عقاب  لها على سهوها .والإنسان في حياته  إذا نسي  شيئا  يضرب تلقائيا  بكفه جبهته ، وكأنه  يعاقب  رأسه  المسؤول عن النسيان ، هذا عندما  يتعلق الأمر  بنسيان أو سهو ليس  لهما خطورة السهو  عن  الصلاة .  والذين  يمارون  في الإسراء  والمعراج  كأنما يستكثرون  على  الله عز و جل   نقل  عبده  في ليلة  واحدة  من مكة  إلى القدس ، ومنها  إلى  سدرة  المنتهى  ، وهو الذي  خلق   السماوات والأرض في ستة  أيام ، وهو أكثر من ذلك  إذا أراد  شيئا  قال  له  كن  فيكون . ومن  يستغرب  إحياء  الله  عز وجل  الرسل  في ليلة الإسراء  لرسوله  ليصلي بهم  أو يستكثر ذلك  على ربه  ، وهو يقرأ في القرآن  الكريم  قصة  عزير  الذي أماته  الله مائة عام ثم بعثه  يقع في تناقض  مع  نفسه  إذ  كيف  يصدق  بحكاية  موت  وبعث عزير  ولا يصدق   ببعث  الرسل  ليلة  الإسراء ؟  وكيف يصدق  أن  الله  أحيى لخليله  إبراهيم عليه  السلام  أربعة من الطير الممزعة ولا يصدق  بإحيائه الأنبياء  ليلة  الإسراء ؟  وكيف  يصدق  بإنزال  الله  عز وجل  مائدة  من السماء  على  روحه  عيسى  عليه  السلام  ،ولا يصدق  بما رآه  النبي  صلى الله  عليه  وسلم  في الجنة من نعيم ورواه  للناس ؟  فمن كان  يريد  أن يكون  منسجما  مع  نفسه  ومنطقيا  معها  فعليه  أن  يؤمن  بالغيب جملة  وتفصيلا ، ولا  يصدق  بغيب القرآن  الكريم  ويكذب  بغيب  الإسراء  والمعراج  وقد  تناولهما القرآن الكريم  بالذكر ، ولا  يستقيم أن  يصدق  ببعض  القرآن  ويكذب  بالبعض الآخر. وبقي أن  نقول  إن  مناسبة  الإسراء  والمعراج  هي  فرصة  لتوبة  العباد  والصلح مع خالقهم  لأن  من  كان  له يقين  في  الإسراء  والمعراج  كان كمن  يرى رأي  العين  ما رآه  رسول  الله صلى الله  عليه  وسلم ، ومن  كان هذا حاله  انضبط  لأوامر خالقه  وعمل  لما بعد  رحيله  عن  هذه  الدنيا إن  كان من أكياس  الناس  وعقلائهم  ، أما  إن  كان  من  العاجزين  فإنه يتبع نفسه  هواها و يتمنى على الله  الأماني . والعاقل  من  استحضر  ما شاهده رسول الله صلى الله  عليه  وسلم  ليلة أعرج به  في الجنة فحن  إليها  وسعى إليها  بكل ما يقرب منها  من قول  وعمل  ، وما شاهده  في النار  فأشفق منها   وتنكب  كل ما يقرب  منها من قول وعمل . وإن  مناسبة  الإسراء  والمعراج  فرصة توبة  وإنابة  وصلح  مع  الخالق  سبحانه،  فهل  من  توابين وأوابين  ومتصالحين  مع  ربهم جل  وعلا وقد حان فرصة ذلك في هذا اليوم  العظيم  ؟ 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz