ملامح من شخصية المرحومة والدة فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة

192010 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 26 أكتوبر 2013، من صميم الثقافة الإسلامية الإنسانية الراشدة تكريم الإنسان حيا وميتا . ومن حق من قضى في دين الإسلام على الأحياء أن يذكر بخير عملا بسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم . ولما نعيت والدة فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة وددت تأبينها لدورها في صناعة هذا العالم الجليل فلم أجد مصدر معلومات عن هذه المرأة الفاضلة تغمدها الله لواسع رحمته ، واغتنمت فرصة زيارة فضيلته في اليوم التالي لوفاتها لمعرفة بعض ملامح شخصيتها التي تعد مفتاح شخصيته على حد تعبير المفكر العربي عباس العقاد. ولقد مهد فضيلته للحديث عن بعض ملامح والدته بالأسف على إهمالنا لدور المرأة في الحياة ، والأسف على ظروف الماضي التي لم تسعف المرأة المغربية من تحقيق ذاتها من خلال استغلال مؤهلاتها وقدراتها المختلفة . ومن هنا بدأ الحديث عن أم فاضلة لعالم جليل تميزت بذاكرة عجيبة احتفظت بالكثير من الأحداث بتفاصيلها ودقائقها ، وهي ذاكرة لم تبل بالرغم من تراخي الزمن بحيث كانت تعيد سرد الأحداث الدقيقة وبدقة متناهية وبنفس الصيغة دون زيادة أو نقصان مع تباعد فترة السرد بزمن معتبر من شأنه أن يؤثر على دقة حفظ الذاكرة ، ولقد لقيت ربها وهي تحتفظ بكامل قدرة ذاكرتها العجيبة . وقد يستغرب البعض قوة ذاكرة العلامة ويرجعون ذلك لقدراته العقلية على الحفظ دون التفكير في أن هذه القدرات قد رضعها من ألبان أمه وورثها ضمن ما ورث من الخصائص المنقولة وراثيا . وفي معرض حديث العلامة عن والدته المرحومة أشاد بقوة شخصيتها حيث فقدت زوجها رحمة الله عليه ولما يتجاوز عمر العلامة العاشرة من عمره ، وكان بعض إخوته دون هذا العمر ، وكان على هذه المرأة المفجوعة في شريك حياتها أن تتولى مهمة الأب الفقيد بالنسبة لأبنائها إلى جانب مهمة الأم ،علما بأنه كان يحرص على تربية أبنائه تربية راقية ، وقد كان رحمه الله رجلا مثقفا ثقافة غربية لا شك أنها أثرت في مسار أحد أبنائه المرحوم الأستاذ محمد بن حمزة الذي كان أستاذا للغة الفرنسية مشهود له بالبراعة فيها وفي المجال المعلوماتي بعد ذلك . وكان والد العلامة رحمه الله يوفر لأبنائه ما لم يكن متوفرا لغيرهم في ذلك الوقت من الكماليات من قبيل كاميرا التصوير ، وجهاز العرض السينمائي ومكتبة معتبرة وغير ذلك . وبعد وفاته رحمه الله وجدت أرملته نفسها مضطرة لمغادرة البيت الذي كانت تسكنه ، وهو بيت تابع للإدارة التي كان يشتغل فيها زوجها ، واستعجلت استعجالا لتركه كما كانت الإجراءات الإدارية آنذاك ، فانتقلت إلى بيت والدها بالمدينة العتيقة حيث ربت أولادها الأيتام في فضاء شعبي زاخر بالعادات والتقاليد العربية الإسلامية الأصيلة ، وحيث توجد المعالم الدينية مثل الجامع الكبير حيث كان الشيخ العلامة السيد بنسعيد رحمه الله يلقي دروسه في مختلف المعارف والعلوم . وهنا يتضح دور انتقال أسرة فضيلة العلامة مصطفى بن حمزة إلى السكن في محيط المدينة العتيقة بالقرب من مصدر العلم العتيق الذي تشربه وملك عليه وجدانه حتى أنه جعله هدفا وغاية في حياته . وكانت والدته المرحومة حريصة على تعليم أبنائها ، وهي التي كانت تشارك الحياة زوجا مثقفا يحلم بثقافة راقية لهؤلاء الأبناء. ومما يذكره فضيلته أن أمه كانت تتردد على مدرسته في مرحلة تعليمه الإبتدائي لتسأل عنه وعن تحصيله باستمرار ، ولم يمنعها وضعها كأرملة من الاهتمام بتعليم أبنائها كما تفعل الأرامل أحيانا بسبب ظروف العيش القاسية . وهذا يكشف لنا ولع فضيلته بالتحصيل العلمي حيث ظل هذا التحصيل غايته، وهو الذي بدأ مشواره كمدرس بالتعليم الابتدائي ثم انتهى كأستاذ جامعي فضلا عن كونه دخل مضمار العلم من أبوابه الواسعة وبعصامية فذة قل لها نظير . ومما يذكره فضيلته عن والدته وهي ملهمته في أمور كثيرة أنها اقتنت بيتا لأولادها بعد إصلاح بيت ورثته عن والدها أيضا فباعت كل حليها مما يعز على النفس ، وكانت بسبب أنفتها التي اشتهرت بها تفضل أن يباع متاعها خارج مدار المدينة حتى لا تظهر الحاجة أمام معارفها . وهنا نعرف مصدر طموح فضيلة العلامة الذي لا حدود له وقد ورثه من ضمن ما ورث عن والدته المرحومة . ومما ورثه عنها أيضا أنفتها فهو أنافي كما يقال ، وحريص على النأي بنفسه عما يدنس النفس على حد قول الشاعر العربي . ومما ذكره فضيلته عن والدته ملهمته أنها كانت قوية الشخصية داخل وسطه العائلي حيث كانت تفض في كل النزاعات ، وتسعى في الإصلاح بين ذات البين ، وهو ما يكشف لنا النقاب عن خاصية جد هامة في شخصية العلامة الذي يقصد في الأمور الجليلة ، ويفض في النزاعات ويسعى في كل أنواع الصلح ، وهي خاصية ورثها أو رضعها من ألبان المرحومة والدته . وبلغت قوة شخصيتها أنها كانت الوحيدة من نساء العائلة الوجدية الكبيرة التي كانت تراجع سيد العائلة الكبير الحاج البلعوشي رحمه الله في مواقفه ، ويقبل منها ذلك لقوة شخصيتها ورجاحة عقلها وسداد رأيها وصوابه. وهنا نكشف النقاب عن جسارة وجرأة العلامة أمام من لا يجرؤ أحد على الجرأة عليهم من أصحاب الشأن ، وهي خاصية أيضا ورثها أو رضعها من أمه . ومما ذكره العلامة عن والدته أنها كانت تتعامل مع أهل اليسار من عائلتها تعامل الندية ،ولا تظهر أمامهم دون مستوى كبريائهم . وهنا أيضا نكشف النقاب عن خاصية التعامل الندي لفضيلة العلامة مع من يعلو شأنهم في المجتمع ، وهي خاصية ورثها من الأم الملهمة أيضا . ومما ذكره العلامة عن والدته أنها كانت صاحبة روح مرحة تحب إشاعة السرور بين أفراد أسرتها ، وهنا نستحضر روح العلامة الفكهة التي لا يعرفها الكثير عنه ممن لا يحتك به عن قرب . وفي هذا السياق تدخل أحد أبناء خال العلامة ، وهو قاض سابق ، فسرد علينا حكاية من حكايات والدة العلامة عندما حضرت خطبة أحد أفراد عائلتها ، وطلبت من أهل العروس تحديد المهر، فاشترطوا حزام وقلادة من ذهب ومعلوم أن الحزام الذهبي عند أهل وجدة معروف “بالحزامة ” والقلادة معروفة “بالكرافاش” ، فعقبت مازحة إن ” الحزامة والكرفاش ” إنما يستعملان للجلد عندنا وليس للزينة ، وهي حكاية تعكس خفة روح الفقيدة والدة العلامة الذي ورث عنها مرحها . ومما ذكره فضيلته أن والدته كانت وظلت طيلة حياتها حريصة على زيارة الفقراء بانتظام ، وكانت هذه هي خاصيتها الغالبة . وهنا نفهم جيدا طبيعة شخصية العلامة الذي يجعل من أولويات اهتماماته العناية بالفئات الهشة والفقيرة والمستضعفة ، ولهذا لا يفتقد أبدا حيث يوجد البؤساء المحرومون ، وهذه خاصية أيضا ورثها ورضعها من ألبان أمه الفاضلة التي ربته على حب الإحسان وعلى حب الخصال الحميدة بما فيها الفناء في طلب العلم ، وفي خدمة القرآن الكريم . وإن مثل هذه المرأة الفاضلة التي ضربت أروع الأمثلة في تربية أسرة قوامها زغب الحواصل كما قال الشاعر العربي بعد رحيل معيلها التربية المثالية جديرة بأن تدرس شخصيتها لارتباطها بشخصية عالم كبير تفخر به مدينة الألفية وجهتها الشرقية ويفخر به الوطن الصغير والكبير وهي نموذج الأم الصانعة لشخصية فذة . فرحم الله عز وجل هذه المرأة الفاضلة ، وهي نموذج من نماذج النساء الفاضلات اللواتي ساهمن في إعداد رجال يعدون مفاخر بما أنجزوا من المكرمات بالرغم من حياة طبعتها ظروف قاسية وصدق من قال :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم //// وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها //// وتصغر في عين العظيم العظائم هأهل

ملامح  من شخصية المرحومة والدة فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة
ملامح من شخصية المرحومة والدة فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة

اترك تعليق

2 تعليقات على "ملامح من شخصية المرحومة والدة فضيلة العلامة الدكتور مصطفى بن حمزة"

نبّهني عن
avatar
رشيد مالكي /تاوريرت
ضيف
رشيد مالكي /تاوريرت

يقول الله تعالي في حديث قدسي (كل نفس ذائقة الموت تجيب الملائكة نحن لسنا بانفس فلن نموت فيقول تعالي كل من عليها فان ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام فتجيب الملائكة كل من عليها اي الارض فنحن اهل السماا لن نموت فيخاطبهم سبحانه وتعالي كل شيئ هالك الا وجهه فتخر الملائكة ساجدة سبحان من له البقاا وحده .رحم الله فقيدتنا وأدخلها فسيح جناته وجعل قبرها نورا ومآلها مسك وعنبر ورزق أبنائها الصبر والسلوان عزائنا واحد يا اخي المحترم السيد الفاضل مصطفي بن حمزة ابدل الله محبتكم بالصبر

عبدالله ب.
ضيف

الحق أنها كانت امرأة تستحق الاحترام حتى بالنسبة لمن عرفها عن بعد على اعتبار ما يتراءى من هيئتها التي توحي بالوقار و المروءة وروح المسؤولية، وأيضا لكونها أنجبت رجالا ونساء محترمين ونظيفي اليد فضلا عن كونها أم الرجل، سيد الرجال الأستاذ العلامة الدكتور مصطفى ابن حمزة، المنشغل دوما بهموم الأمة وقضاياها المطيع لربه المهتدي بثوابت وطنه والمتمرد على العطلة والنوم و.. الاستجمام !
رحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جناته، وأبعد عن أعقابها ومحبيها شر وأنذل الخلق..
إنا لله وإنا إليه راجعـــون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيـــم.

‫wpDiscuz