مكارم أخلاق بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم متمما لها وما أحوجنا اليوم إليها

12209 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 16 أكتوبر 2012، حدثان اثنان عاينتهما هذا الأسبوع عادا بي إلى مكارم أخلاق في الماضي البعيد قبل بعثة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام الذي  بعث متمما لها . أما الحدث الأول فيتعلق بالجود والكرم حيث عاينت جود رجل جواد دعاه الجود فلم يتخلف ، فذكرني بحاتم الطائي الذي ظل مثلا يضرب في الجود والكرم ، فقالت عنه العرب: ” أجود من حاتم ” وهي تقصد لا يوجد أجود منه ، وهو الذي بلغ به الأمر حد نحر فرسه لضيف جاءوه يطلبونها لغرض آخر. وقد ظل وسام الجود يوشح عقبه من بعده حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنته يوم أصابها السبي : ” خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ” . وحمدت الله عز و جل وقد بقيت فينا بقية من الذين يتعشقون الجود صدقا لا رياء ولا تظاهرا ولا ادعاء. وأما الحدث الثاني فيتعلق بالوفاء بالعهد حيث عاينت وفاء رجل فاضل دعاه واجب الوفاء فلم يتخلف أيضا ،فذكرني بالسموأل بن العريض بن عادياء الذي ظل يضرب مثلا في الوفاء بالعهد ، فقالت عنه العرب : ” أوفى من السموأل ”  وهي تقصد لا يوجد أوفى منه. وإذا كان الجود محبوبا فالوفاء أحب منه لأنه قد يكون ثمنه أبهظ كما كان بالنسبة للسموأل . فحاتم  بلغ به جوده حد نحر فرسه الشهيرة ، بينما السموأل نحر ابنه  وهو ينظرإليه ثمنا لوفائه . وبيان ذلك أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما خرج إلى بلاد الروم ليستعين بهم على استرجاع ملك أبيه الضائع، وهو القائل :

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه //// وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبك عينك إنما //// نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

سأل عمن يستأمن للودائع فدله أحدهم على السموأل بن العريض بن عادياء وهو رجل عبراني كان يسكن حصنا يدعى الأبلق الفرد يوجد على رابية تشرف على تيماء ما بين أطراف الشام والحجاز ، وعنها كان يقول السموأل : ” بنى لي عاديا حصنا حصينا ” . وقصد امرؤ القيس السموأل فاستودعه دروعا له  ومالا وقيل حريما أيضا ، فجاء من يطلب ذلك منه  فأبى السموأل أن يضيع الأمانة لوفائه بالعهد ،وتحصن بحصنه ، فظفر طالب ودائع امرىء القيس بأحد أولاده خارج الحصن فساومه في حياته بالودائع فأبى السموأل ، فذبح ابنه وهو ينظر ، ورد الودائع إلى ورثة امرىء القيس ، وصار مثلا للوفاء حتى قال الأعشى مخاطبا أحدهم :

كن كالسموأل إذ طاف الهمام به //// في جحفل كسواد الليل جرار

وقول الأعشى هذا يدل على أن ثمن الوفاء  عند السموأل كان باهظا . ولهذا يعتبر الوفاء سجية عزيزة خصوصا عندما  تحفها المخاطر المادية والمعنوية . وصاحب الوفاء يتربع على عرش المكارم كلها خصوصا عندما تشتد مكارهها . وآل السموأل أهل شعر وحكمة وبيان عكست أشعارهم مكارم أخلاقهم ،وقد أدرك الإسلام بعضهم فأسلموا وحسن إسلامهم وكانوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن شعرهم المصور لمكارم أخلاقهم قول سعية وهو شقيق السموأل:

رب شتم سمعته فتصاممت //// وغي تركته فكفيت

ومما روي عن السموأل  قوله :

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه //// فكل رداء يرتديه جميل

فمن خلال هذين البيتين  نلمس مكارم أخلاق وهي الإعراض عن الشتم والغي واللؤم ، وهي كلها ألبسة عار وشنار ودنس  ، لا تنفع مع ارتدائها الحلي الفاخرة ، ولا تضر مع خلعها الأسمال البالية ، بل ما أجمل الأسمال مع ترك اللؤم ، وما أقبح الديباج والحرير مع دنس اللؤم . وعندما نبحث في طبيعة سجايا آل السموأل فيما خلفوا من شعر نقف على أمور غربية فقوله :

وأتتني الأنباء عن ملك داو//// د فقرت عيني به ورضيت

ليس يعطى القوي فضلا من الرز//// ق ولا يحرم الضعيف الختيت

بل لكل من رزقه ما قضى اللـــــــــــــه وإن حك أنفه المستميت

فمن كانت هذه قناعته لم يستغرب منه أن يكون وفيا وفاء سيظل رقمه القياسي بحوزته إلى يوم البعث والنشور.

قد يقول قائل ما بالك تسرد علينا قصص الغابرين ؟ فأقول لقد حل بنا زمن تبخرت فيه معظم القيم من مكارم الأخلاق حتى بلغ الأمر ببعض المتطفلين على الدين المرتزقين به  من سفلة الناس الذين لبسوا اللؤم وحاولوا أن يخفوه بأثواب وهيئات  في اعتقادهم أنها توحي بالسمت الحسن وتخدع المنخدعين حد اعتراض سبل الخير والإحسان لصد المحسنين عنهما بالوشاية والنميمة ، والنصح الكاذب والقدح في نوايا الناس مما لا يعلمه إلا الله عز و جل ، وهو مما تخفيه الصدور . وقد يوشك أحيانا أن ينخدع أهل الفضل والخير والإحسان بنصحهم الكاذب المغشوش لولا أن يتداركهم الله عز وجل  بلطفه فيكونون كالذين قال فيهم  : (( إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) وأي شيطان أشد مكرا من هؤلاء الذين يلبسون اللؤم ويخفونه بالسمت المغشوش حين يعترضون سبل الإحسان لمنعه ،  وربما سولت لهم أنفسهم الخبيثة مساومة أهل الإحسان والفضل في سجية الوفاء، وفي رعاية العهد مع  أن هذا الأخير ارتبط بالدين ، كما ارتبطت الأمانة بالإيمان  ،ولا دين لمن لا عهد له ، ولا إيمان لمن لا أمانة له . وكم سررت عندما غلبت سجية الوفاء رذيلة الخيانة ، فشمخ أهل الفضل كما عهدناهم ، وخسىء أهل اللؤم كما عرفناهم. وما أحوجنا في هذا الزمان إلى مكارم أخلاق  بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتممها ، وكان من المفروض أن نعيش بها تامة غير منقوصة ، ولكنها ابتليت  في زماننا بشياطين  من الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ،فينقصون ما تمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها  ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

مكارم أخلاق بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم متمما لها وما أحوجنا اليوم إليها
مكارم أخلاق بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم متمما لها وما أحوجنا اليوم إليها

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz