مقاطعة الانتخابات بين الشك في كفاءة من ترشحهم أحزابهم وفي مصداقيتها وبين المناورة لتصفية حسابات أو تحقيق مكاسب أو تعقيد الوضع السياسي

134227 مشاهدة

وجدة البوابة: محمد شركي

مقاطعة الانتخابات بين الشك في كفاءة من ترشحهم أحزابهم وفي مصداقيتها

وبين المناورة لتصفية حسابات أو تحقيق مكاسب أو تعقيد الوضع السياسي

من المعلوم أن فكرة مقاطعة الانتخابات هي فكرة رائجة  دائما بين العديد من المواطنين من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية المسموح لها بالتصويت خلال استحقاقات انتخابية سابقة  . وإذا كانت فكرة المقاطعة واحدة فإن مبرراتها متعددة بتعدد القناعات والمصالح أيضا . ولقد وردت فكرة المقاطعة ضمن الخطاب الملكي الأخير، وذلك لتنبيه الأحزاب السياسية إلى قضية فقدان ثقة الناخبين فيها . وورود فكرة المقاطعة في الخطاب الملكي تأكيد على وجودها بغض النظر عن حجمها وحجم تأثيرها في نتائج الانتخابات . وفكرة المقاطعة تكون في الغالب شخصية حيث يعبر الأشخاص  فرادى خصوصا إلى كانوا غير منتمين لأحزاب سياسية  عن قناعتهم بالمقاطعة، ومبررهم في الغالب هو عدم الاقتناع بالأحزاب السياسية الموجودة وبما تدعيه من برامج، وكذا الشك في مرشحيها وفي كفاءتهم وأهليتهم خصوصا  وأن القناعة الحاصلة لدى غالبية المواطنين هي أن المنتخبين لا ترقى منجزاتهم العملية والإجرائية إلى ما يعدون به في حملاتهم الانتخابية، كما أنهم تظهر عليهم آثار استغلال المناصب بعد فوزهم ما يتعلق بها من امتيازات حيث تتغير أحوالهم عما كانت عليه قبل الفوز في الانتخابات ، وهو ما يعتبره الشعب حراما ، وينعتون ويصفون أصحابه ” بطون الحرام ” إشارة إلى ما يقع فيها من مال حرام مغصوب ، كما يشار إلى السيارات التي تخولهم مناصبهم، والتي تحمل في لوحات ترقيمها حرف الجيم بعبارة ” جابها الله ” إشارة إلى كونها امتيازا غير مستحق . ولا تخفى أحوال المنتخبين على المواطنين ، ولا تخلو أحاديثهم عما حلت بهم من نعم بعد فوزهم مسكنا ومركبا وملبسا ومطعما ومشربا ومنكحا … إلخ . ومقاطعة الانتخابات لهذا السبب مردها عدم الثقة في المترشحين للانتخابات انطلاقا من تجارب سابقة، وهو موقف مبرر لأن أصحابه يشكون في كفاءة وأهلية من ترشحهم الأحزاب بل لا يثقون أيضا في تلك الأحزاب الفاقدة للمصداقية بسبب تجاربها السابقة في تدبير شؤون البلاد ،ولا يوجد حزب  منها يذكر بخير لحد الآن  قد أرضى المواطنين خلال فترة تدبيره .وإذا كانت مقاطعة الانتخابات بسبب انعدام الثقة في كفاءة وأهلية وصدق المترشحين وفي مصداقية أحزابهم مبررة، فإنها غير مبررة عندما تكون بدافع تصفية الحسابات أو تحقيق مكاسب أو بنية تعقيد الوضع السياسي في البلاد . والمقاطعة التي تكون وراءها مثل هذه النوايا المبيتة لا تكون فردية بل تكون جماعية تؤطرها جهة من الجهات سواء كانت حزبا سياسيا أو جماعة دينية  لها مصالح من وراء الدعوة إلى المقاطعة كما هوالشأن بالنسبة لجماعة العدل والإحسان التي ذكرت وسائل الإعلام قرارها بالمقاطعة . ولقد ردت بعض وسائل الإعلام سبب إعلان هذه الجماعة مقاطعتها للانتخابات إلى خلافها مع حزب العدالة والتنمية الذي لم يحقق ما تعهد به حسب تصريحها . ولا شك أن  إشارة بعض وسائل الإعلام إلى أن الإعلان بمقاطعة جماعة العدل والإحسان للانتخابات بسبب حزب العدالة والتنمية  يتضمن إشارة  واضحة إلى أن فوز هذا الحزب في الانتخابات السابقة كان بسبب دعم هذه الجماعة له ، وهو اتهام  واضح له بالتحالف معها ، وأن إعلانها مقاطعة الانتخابات هو أولا انتقام منه وتصفية حساب معه إذا صح ما ادعته وسائل الإعلام  ، وهو بعد ذلك مناورة لتعقيد الوضع السياسي في البلاد وهو المرجح أكثر من الانتقام وتصفية الحساب لأن الجماعة على خلاف معروف مع النظام برمته ، وقد عبرت عن ذلك خلال حراك 20 فبراير الذي كانت تعلق عليه آمالها ليحصل ما تريده من تغيير في البلاد حسب تصورها الإيديولوجي . وسواء كان إعلان جماعة العدل والإحسان عن  قرار المقاطعة لتصفية الحساب والانتقام من حزب العدالة والتنمية أو من غيره من الأحزاب أو بسبب الخلاف مع النظام، فإن ذلك يعتبر نية مبيتة  لخلق وضعية أو حالة  عدم الاستقرار في البلاد خصوصا في ظرف الاضطرابات السياسية الحالية في البلاد العربية لأن الجماعة تعلق آمالا على هذه الوضعية أوهذه الحال لتقدم نفسها بديلا للشعب المغربي. و من يدري قد يكون  هذا الموقف من الجماعة بداية نحو اتجاه خوض التجربة الحزبية بعد أن اقتنعت بأن وضعيتها كجماعة محسوبة على الدين لا يمكن أن تمكنها من المشاركة في الحياة السياسية ؟ ومعلوم أن موضوع استغلال الدين أو ركوبه سياسيا وحزبيا في المغرب تشارك فيه كل الأطراف . فالنظام يصرح بالوصاية الرسمية على الدين، ولا يقبل من طرف من الأطراف منازعته هذه الوصاية  . والأحزاب بدورها  تدعي المرجعية الدينية وإن كانت لا تجرؤ على ادعاء الوصاية الرسمية على الدين كما يفعل النظام ، وهي تختلف فيما بينها بخصوص هذا الادعاء حيث يوجد منها من يصرح بالمرجعية الدينية كما هو الشأن بالنسبة لحزب العدالة والتنمية ، كما يوجد منها من يعتبر المرجعية الدينية إرثا تاريخيا كما هو الشأن بالنسبة لحزب الاستقلال ، و يوجد أيضا من يحاول أن يضم المرجعية الدينية إلى  المرجعية الدنيوية كما هو الشأن بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة. ومقابل ذلك ترفض الأحزاب الأخرى سواء كانت يمينية أو يسارية ركوب واستغلال المرجعية الدينية والارتزاق بها حزبيا وسياسيا لأن الدين  يعتبر مشتركا بين الجميع، ولا يمكن أن يستغل لترجيح كفة حزبية على أخرى . ولهذا السبب يمنع النظام الوصي على الدين استعمال أو استغلال  أماكن العبادة  ومنابرها للحملات الانتخابية لكونها تملك التأثير على المواطنين الذين يثقون في الدين ولا يثقون في السياسة . وتعرف الأحزاب السياسية مدى قدرة الدين على الوصول إلى قلوب المواطنين لهذا تتودد إليهم به لتحصل على أصواتهم .  وكل مرشحي الأحزاب السياسية  يحرصون على ارتياد المساجد وحضور الصلوات بشكل لافت للأنظار من أجل كسب ثقة  المصوتين وإقناعهم بحسن السيرة الدينية لتلميع السيرة الدنيوية . ولقد لوحظ أن بعض مرشحي الأحزاب مهدوا منذ مدة طويلة  في حملاتهم الانتخابية قبل الأوان  باستعمال الدعاية الدينية من أجل الانتخابات حيث أقاموا موائد رمضاية في شهر الصيام ، وقدموا دروسا في الوعظ والإرشاد ، وأشرفوا على حملات الختان وحملات التبرع بالدم ، وزيارة العجزة والأيتام والأرامل … وما إلى ذلك من الأعمال المحسوبة على الخير والإحسان و المتشبهة بالإحسان العمري ـ نسبة لعمر الفاروق رضي الله عنه ـ وكل ذلك رغبة في استغلال الدين لترجيح الكفة الانتخابية، وهو أمر لم يعد خافيا على المواطنين . ومقابل هذا نجد مرشحي أحزاب أخرى يتحدثون بلسان الأوصياء على الدين ، ويحاولون إقناع المواطنين بأن ترشحهم للانتخابات من صميم التدين أو هو واجب ديني ، ويحاولون إقناعهم بأن التخلف عن التصويت عليهم  هو تقصير ديني أو هو إثم  أو ذنب أوجرم في حقه . ويغتنم  مرشحو أحزاب أخرى معروفة ببعد إيديولوجياتها عن الدين الفرصة للطعن في خصومهم من خلال اتهامهم باستغلال الدين من أجل الفوز في الانتخابات . ويخوض هؤلاء حملات انتخابية تعتمد على تحذير المواطنين من استغلال الدين ،والحقيقة أن هذا الموقف نفسه يعتبر ضمنيا استغلالا للدين ، ذلك أن من يتهم غيره باستغلال الدين في الانتخابات يدعي في الحقيقة  أنه أنظف منه وإن لم يكن متدينا، وأن التدين مظهر من مظاهر الغش والتضليل .وخلاصة القول أن  الجميع يخطب ود المواطنين بالدين خلال الحملات الانتخابية كل بطريقته الخاصة . وجماعة العدل والإحسان إذ تعلن مقاطعتها للانتخابات فإنها تنافس النظام في الوصاية على الدين ، وتحاول أن تقنع المواطنين وهي تعلم علم اليقين أن شريحة ربما ستكون عريضة مقبلة على المقاطعة بسبب فقدان الثقة في الأحزاب بأن التصويت  مخالف للدين وللتدين أو هو ذنب يجب تنكبه لتقول بعض ظهور نسبة المقاطعة بأنها ذات وزن في البلاد يجب أن يحسب له حسابه .وأخيرا نؤكد على أن ما يحتاجه المغرب في هذا الظرف بالذات هو نعمة الاستقرار التي حرمت منها أقطار عربية كثيرة تمزقها الحروب الأهلية والطائفية ويعيث فيها الإرهاب فسادا . ولا يقدر نعمة الاستقرار والأمن  حق قدرها من يسعى كل سعي مهما كان نوعه  لزعزعة الاستقرار والأمن وبث الفوضى  في البلاد. ولا يؤمن حق الإيمان من يدعو إلى الفتنة أو يوقظ الفتنة النائمة بل ملعون من يفعل ذلك .  وعلى من يدعي حب هذا الوطن حقا أن يحرص كل الحرص على سلامته وأمنه واستقراره، وأن يفعل ذلك بنكران الذات والتضحية . فلا الذين  ترشحوا وفي نيتهم استغلال فوزهم لخدمة مصالحهم الشخصية والحزبية ، ولا الذين في نيتهم مقاطعة الانتخابات لخلق جو الفوضى السياسية يمكنهم ادعاء حب الوطن ، ذلك أن حب الوطن من الإيمان ، ولا إيمان لمن لا أمانة له , ولا دين لمن لا عهد له .

         

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz