مغرب بوتفليقة ومغرب عمي عيسى/ رمضان مصباح الإدريسي

223535 مشاهدة

 وجدة البوابة: رمضان مصباح الادريسي/ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”والله لايؤمن،والله لا يؤمن،والله لا يؤمن”

قيل:من يارسول الله؟قال:”الذي لايأمن جاره بوائقه”  متفق عليه 

أخيرا وجدتها:

تابعت ،بشغف طفولي،شريط البرنامج التلفزيوني الجزائري “جاك المرسول”؛والذي وُفقت هسبريس في اختيار توقيت عرضه:إعلان الجيش الجزائري الحرب على الشاب المغربي “رزق الله”،وجدع أنفه؛ولأمر ما جُدع هذا الأنف.سر من أسرار الدولة الجزائرية ،ربما.

أمسك عمي عيسى الجزائري بتلابيب عقلي،ورددت مرارا  بين وبين نفسي:هي ذي ..إنها هي ،الجزائر التي ظللت أبحث عنها في كل كتاباتي  التي اشتغلت على هذه الدولة الجارة؛منذ مؤتمر الصمام –وحتى قبله- إلى يومنا هذا.

كأن الرجل  كان  يجيب نقادي من الجزائريين:ما أكثر ما تنسون،أتفرقون بيننا وبين أحبتنا في المغرب؟ 

عمي عيسى حَقَّت لك الكرامة ،ولو بوجهك المشرق فقط.وجه شيخ نوره الله بِسِرِّ من عنده؛وأنطقه بمعاني جليله تفوق ما تلفظ به من عبارات ،وشهادات.  أَمَا وقد شهدت صادقا ،وبكل العفوية التي تكرهها السياسة ،فقد حقت لك حتى المواطنة المغربية الشرفية،ومفاتيح جميع مدن المملكة،وقلوب ساكنتها.

كُلُّ هَمِّ عمي عيسى اليوم،وفي خريف العمر، أن  يجدد العهد، ويصل الرحم ،مع  صديق طفولته، وهو سليل عائلة مغربية من قرية “تويسيت” ،المتاخمة للحدود.   حلت بها العائلة الجزائرية ،هاربة من بطش المستعمر الفرنسي،ذات يوم من أيام سنة 1956.قطعت مئات الكيلومترات  مشيا على الأقدام،تختنبئ نهارا وتسري ليلا.

كان الوالد حارس غابة ،اختيرت مسرحا لعملية فدائية أودت بحياة ضابط فرنسي؛وحينما تيقن بأن الشكوك تحوم حوله،خصوصا وقد أَمِر بملازمة منزله، غادر بعائلته تحت جنح الظلام.

ووسط جمهور البرنامج المشرئب الى عمي عيسى ،ذي الوجه الوضاء،والشعر المشتعل شيبا،تتوالى الشهادات على احتضان ساكنة تويسيت لكل الأسر المهاجرة،وإشراكها في الجوار ،وكل ملابسات المعيش اليومي.   سيرافق الطفلُ عيسى ابنَ الجيران(موضوع  بحث البرنامج التلفزي) الى  الكُتاب لحفظ القرآن؛وحينما يقرر الجار تسجيل ابنه بالمدرسة ،يُعَرّج على الأسرة المهاجرة ليصطحب ابنها أيضا.

تمضي حياة الأسرة بسلاسة،في حِمى الجيران ،والمملكة ؛وليبرهن عمي عيسى على أن العناية  كانت ملكية أيضا يقول:

ذات يوم تسببت في كسر أصاب عجلة دراجة اكتريتها بخمسة فرنكات، لربع ساعة من المتعة الطفولية.

 قادني الدراجي،غاضبا، الى الشرطة،مطالبا أسرتي بِعَوَض .بالفعل فُتح لي محضر،وتوالت السين والجيم ،لكن ما كاد الشرطي يعرف أنني جزائري حتى صاح في وجه خصمي:

غادر بدراجتك ،ولا تنتظر شيئا.يؤكد عمي عيسى أن المرحوم محمد الخامس أصدر تعليماته بعدم متابعة أي جزائري،في مثل هذه القضايا.   ولا يبدو أن عمي عيسى سينسى ،طيلة عمره، أن ملك المغرب –وهو يترحم عليه بنبرة عميقة- تدخل لإنقاذه،وهو طفل، من ورطة حقيقية.

عمي عيسى نموذج لجيل كامل من الجزائريات و الجزائريين  الذين احتضنتهم  وجدة ونواحيها،ومدن أخرى ،وطبعت وجدانهم بمحبة المغرب والمغاربة،رغم أنف الانقلابيين  الذين اختطفوا الثورة ،وأسسوا دولة عسكرية مستبدة؛نراها اليوم ،كما رئيسها ،تجهش بأنفاسها الأخيرة.

رغم عفوية الحكي عند عمي عيسى ،وبساطته،فانه يستعيد تاريخا مشتركا من المواطنة المزدوجة التواقة إلى الاندماج  الكلي ؛وهذا ما كان يرعب  الدولة المستعمرة أكثر من الأداء الثوري التحريري والمسلح،في الخريطتين.

أدركت فرنسا أنها مغادرة ،اليوم أو غدا؛لكنها لم تستسغ أن يكون استعمارها- كما التاريخ العريق- قد وحد شعبين.

تخرج من بابين ،وحتى أبواب، لتُواجه بباب واحدة، بقفل واحد؛حينما تسعى لإدامة هيمنتها الاقتصادية ،من وراء البحر. 

هكذا تم ،بليل،ترتيب الانقلاب على الشرعية الثورية،ليطمئن المستعمر على مستقبله .وبعد هذا تترى التفاصيل وصولا إلى

جَدْع أنفِ الشاب رزق الله ،لأنه تجرأ على النظر إلى جندي جزائري أُكره على ألا يعرف شيئا عن المغرب الذي يتحدث عنه عمي عيسى.

جيل كامل من الوحدويين الا بوتفليقة:

تكاد حكاية عمي عيسى تتكرر مع بوتفليقة بكل التفاصيل ،عدا الاعتراف بالجميل،وحب المغاربة،والترحم على محمد الخامس.

سليل عائلة هاجرت من تلمسان ،حيث كان كبيرها حارس ضيعة كولونيالية.درج طفلا في أزقة وجدة العتيقة ،ثم يافعا وشابا ،احتضنته مؤسستا سيدي زيان وعمر بن عبد العزيز. يكد الوالد في طلب رزقه ب”رحبة الزرع”؛أما الوالدة فتجمع بين تربية  عبد العزيز وإخوته وأخواته ،والاشتغال في حمام “بوسيف”.لا معرة في هذا ،اذ العمل عبادة.

من حبها للمغرب،على غرار عمي عيسى،توسلت إلى ابنها أن يدفنها بمقبرة سيدي المختار بوجدة ،جوار زوجها ؛لكن الرئيس أخلف- عجرفة وكِبرا وعقوقا- ففرق بين قبرين ،كما فرق بين دولتين. خلافا لعمي عيسى الباحث عن صديق طفولته وهو شيخ؛تنكر بوتفليقة لأصدقائه الوجديين،حينما هموا بالاتصال به ؛عجرفة وكبرا  مرة أخرى.قارن مع المرحوم بوضياف الذي استقبل أصدقاءه القنيطريين بفرح ؛وهم من عامة الناس الذين كان يجالسهم في مقهى “القرية” الشهير.

بعد تاريخ طويل ،وملابسات كثيرة ،انتهى بوتفليقة  رئيسا مزمنا للجزائر التي أراد ،وليس الجزائر التي حلم بها المجاهدون وأبناؤهم.    الانقلاب،كراهية المغرب ،الكبر،عقوق الوالدين، والتنكر للأصدقاء،صفات توصل الى الرئاسة في الجزائر؛ولو سعيت اليها على كرسي متحرك.  الأخطر،من هذا، تأسيس مدرسة ،بكل هذه المناهج والأعراف،لتكوين الرؤساء في الجزائر.

رؤساء لا يتوانون في إعلان الحرب ،ولو على مغربي واحد يقترف زلة النظر إلى الحدود؛ولا بأس أن تتعفن غرداية ،ويضجر من نتانتها حتى رجال الشرطة.ولا بأس أن تستباح الجبال والسهول من طرف أمراء القاعدة. 

الخطر مغربي دائما . ( قارنوا منذ شهور اعتقل الدرك المغربي قاطع طريق جزائريا،في طريق جرادة؛أما الشرطة في السعيدية فقد اعتقلت شابا جزائريا جمع بين السكر الطافح والسرقة. لم يطلق رصاص ولا جدع أنف)

الطفل أب الرجل كما يقال.لازَمَتْ عمي عيسى الطيبوبة والوفاء ،بل اطرد نموهما  وفاح عبيرهما ؛وحينما استمعنا جميعا إليه وهو يتشوق الى لقاء صديقه  المغربي،بعد فراق زاد عن نصف قرن؛كنا في الحقيقة  داخل مدرسة جزائرية للأخوة والصداقة ،يخجل بوتفليقة من مجرد المرور أمام أسوارها.

في هذه لا رئاسة لبوتفليقة ،ولا يشرف عمي عيسى أن يكون مواطنا يحكمه بوتفليقة  بكل خِلاله .

سيظل الوجديون يتذكرون بوتفليقة؛وفي هذا خبر دليل على أنه ضيع على نفسه- وحتى على أمه،وأخته التي لم يحضر جنازتها بوجدة- الشيء الكثير.

وسنظل جميعا نتذكر عمي عيسى؛الجزائري البسيط الذي حاكم بوتفليقة ،كما لم يحاكَم أبدا.

وتستمر حكاية جدع الأنوف ،وهي لاتعني شيئا في عرف من جدع أنف ثورة ،وقطع أرجل دولة،وسحل على تاريخ كامل.

عمي عيسى ما أروعك من رئيس.وما أبهاك مدرسة للوفاء.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

1 تعليق على "مغرب بوتفليقة ومغرب عمي عيسى/ رمضان مصباح الإدريسي"

نبّهني عن
avatar
المكي قاسمي
ضيف

الفرق بين بوتفليقة و عمي عيسى هو وببساطة الفرق بين الكريم واللئيم حينما تكرمهما

‫wpDiscuz