معياران لا يجتمعان لولوج المدارس والمعاهد العليا: معيار التميز ومعيار المبارايات

15749 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 5 غشت 2012، قرر التلاميذ الحاصلون على شهادة الباكلوريا لهذا الموسم  القيام بوقفات احتجاجية على أسلوب ولوج المدارس والمعاهد العليا يوم غد الإثنين السادس من غشت. ولقد اختار هؤلاء الاحتجاج في شهر غشت، وهو شهر له دلالته التاريخية في نضال الشعب المغربي من أجل الحرية، وهو شهر صيف قائظ يناسب حرارة المشاعر لدى المحتجين سواء تعلق الأمر باحتجاجات الماضي أم باحتجاجات الحاضر.

ولا بد أن يؤخذ قرار تلاميذ الباكلوريا مأخذ الجد لدى الوزارتين الوصيتين على التعليم المدرسي والتعليم العالي،لأن القضية في غاية الجدية والحساسية. وهذا الاحتجاج يكتسي مشروعيته لأنه قرار الناشئة البريئة التي وجدت نفسها بعد اجتياز امتحانات الباكلوريا أمام آفاق مسدودة، وهي التي كانت تترقب انفتاح هذه الآفاق على أوسع نطاق.

فإذا ما كانت الوزارة الوصية عن التعليم العالي  عاجزة عن توفير مقاعد لهؤلاء في معاهدها ومدارسها ،فهذا شأنها  الذي لا يعني الناشئة في شيء ،لأنها حصلت على شهادة المرور إلى هذه المعاهد والمدارس. والوزارة الوصية على شأن التعليم العالي عوض أن  تكون صريحة مع نفسها ومع الناشئة، وتعبر بوضوح عن ضعف البنيات التحتية، والبشرية في مدارسها ومعاهدها  عمدت إلى أساليب اللف والدوران والمناورات المكشوفة من خلال الجمع بين معيارين لا يجتمعان أبدا، وهما معيار التميز أو المعدلات المرتفعة أو لنقل حتى القياسية و معيار المباريات.

وكان من المفروض اعتماد أحد المعيارين: إما معيار التميز أو معيار المباريات. ولو اعتمد معيار التميز وحده لكنا بصدد نظام تعليم نخبوي مع ما في اعتماد هذا المعيار من حرص على الجودة، علما بأنه  قد يصير فرصة حقيقية للعبث بمفهوم التميز حيث سيؤدي انعدام الضمائر إلى النفخ في المعدلات كما هو الحال في أكثر من جهة في الوطن، وسيصير التميز مجرد وسيلة من وسائل الغش  المقنن.

ولعل اعتماد معيار المباريات النزيهة غير المغشوشة هو الأسلوب الأمثل  أمام محدودية المقاعد في المعاهد والمدارس العليا التي تعاني من ضعف في بنياتها التحتية والبشرية. ومعيار المباريات النزيهة ـ وأضع سطرا عريضا  تحت النزيهة ـ حتى لا يصير هذا المعيار أيضا وسيلة غش أخرى ويكون ضامنا لمبدأ تكافؤ الفرص أمام أبناء المغاربة جميعا وبدون استثناء.

ومعيار المباريات هو المحك الحقيقي للتأكد من  صحة وسلامة معدلات التميز في شهادة الباكلوريا. وليس من قبيل العبث  قول القائل : ” عند الامتحان يعز المرء أو يهان ”  فالذين استفادوا من هبات المعدلات المرتفعة المغشوشة، أو اجتازوا امتحان الباكلوريا في أجواء التسيب تمحصهم المباريات. فرب معدل متوسط أو فوق المتوسط يثبت أصحابه كفاءتهم وأهليتهم أمام أصحاب المعدلات العالية والمغشوشة.  

فحرمان حاصلي الباكلوريا من اجتياز مباريات المدارس والمعاهد العليا بسبب اشتراط المعدلات العليا أو القياسية  له دلالة واحدة وهو أن هذه الشهادة فيها  المقبول والمرفوض. وإذا كان الأمر كذلك فما على الوزارة الوصية عن التعليم المدرسي إلا رفع عتبة الحصول على الباكلوريا إلى 20/15 كمعدل أدنى، وكل من لم يحصل على هذا المعدل لا يعتبر ناجحا. أما أن تكون شواهد الباكلوريا من 20/10 إلى 20/15 بدون اعتبار لدى المعاهد والمدارس العليا، فهذا  غير معقول وغير مقبول. وإذا كانت  شواهد الباكلوريا ما تحت 20/15 تفضي بأصحابها إلى الجامعات فقط، فهذا استنقاص من شأن الجامعات المغربية مقابل الرفع من شأن المدارس والمعاهد العليا، وهو أيضا أمر غير مقبول وغير معقول. ومن حق الحاصلين على الباكلوريا بمعدلات ما دون 20/15 أن يعرفوا هل هم بالفعل قد حصلوا على هذه الشهادة أم  أنهم كانوا مجرد أرانب ضحت من أجل أصحاب المعدلات القياسية العليا كما يضحي أرانب العدو من أجل الأبطال، أو أنهم كانوا مجرد مطايا ركبها المتميزون.

ولقد كان بإمكان الجهات المعنية أن تحافظ على مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع من خلال اعتماد معيار المباريات النزيهة والشفافة مع احتساب فارق التميز في نقط شواهد الباكلوريا  بحيث  تكون عتبة النجاح في المباريات رهينة بمعدلات الباكلوريا إذ يقبل من صاحب المعدل 20/18 في الباكلوريا أن يحصل على 20/10 فقط في المبارايات، بينما  يشترط في صاحب المعدل 20/10 في الباكلوريا 20/18 في المباريات ليتحقق مبدأ تكافؤ الفرص فلا يشتكي صاحب معدل 20/10 في الباكلوريا من حرمانه من المشاركة في المباريات، كما أن صاحب المعدل 20/18 لا يشتكي من حرمانه من تميزه شريطة أن يكون معدلا مستحقا وغير مغشوش، وفي نهاية المطاف إذا جمعنا معدل كل منهما يكون الحاصل واحدا  حيث  يغطي معدل الباكلوريا على معدل المباريات والعكس صحيح أيضا. وخير من ذلك كله هو أن تراجع الوزارة الوصية على التعليم العالي سياستها من خلال مراجعة الطاقة الاستيعابية للمدارس والمعاهد العليا تمشيا مع أعداد الحاصلين على الباكلوريا في كل موسم دراسي، علما بأن  هرم الأعمار صار مقلوبا منذ سنوات حيث صار تلاميذ التعليم التأهيلي هم الذين يمثلون قاعدته.

ونأمل أن يتفهم المسؤولون حراك حاملي شهادة الباكلوريا يوم غد، وأن  يقطعوا إجازاتهم للبحث في السبل الكفيلة بتجاوز هذا المشكل الذي لن يزيد إلا استعصاء مع مرور الزمن ليصير قنبلة موقوتة، وفوق السيطرة مع تزايد أعداد الحاصلين على شهادة الباكلوريا خلال مواسم دراسية قادمة متتالية مع جمود الطاقة الاستيعابية للمعاهد والمدراس العليا، ومع تردي أحوال الكليات والجامعات المغربية التي صارت متخصصة في تخريج البطالة المتفاقمة.

معياران لا يجتمعان لولوج المدارس والمعاهد العليا: معيار التميز ومعيار المبارايات
معياران لا يجتمعان لولوج المدارس والمعاهد العليا: معيار التميز ومعيار المبارايات

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz