للتهافت صهيل، وحسبه عيبا أنه غير أصيل

د. محمد بريش – 16 صفر 1431 (31/1/2010)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يخرج اليوم الدكتور محمد أركون عبر القناة الثانية ليكرر ما ظل يقوله دهرا، وقد تابعت مباشرة جانبا من تلك الندوة، واستغربت لما سمعت، ليس من البروفسور أركون، فأظنه الوحيد في الحضور الذي لم يتغير، فالبرنامج في نظري أعد وخيط لشخص أو أشخاص آخرين، وأركون حاضر مثل حضور العامل المحفز في العملية الكيميائية. ويبدو لي أن الفكر التفكيكي قد نضج نوعا ما، وتبناه قوم آخرون، ربما عن قصد، لكن أكيد أنه بدون وعي ولا مستفيض درية ودراية.
ولقد رد أخونا وزميلنا الشيخ الدكتور مصطفى بنحمزة لما أحسه من الهبوط الفكري والتحدي الإلحادي، وله الشكر الجزيل، وأظن أن الذي حركه لم يكن أركون، فهو يعرف الرجل ويعرف ضعف سلطان فكره الذي لم يتجاوز نخبة محددة، منها من يؤيده ومنها من ينافقه، ويعرف وهو الذي زار أوروبا ودرلاس بها أن من رجال الغرب وأساتذه من يسخر من الدكتور محمد أركون وينتقد بشدة آراءه.
فأنا أعرف د. بنجمزة وقوة فكره وسلطان رأيه وأثره الطيب في المغرب عامة، والجهة الشرقية خاصة. وحسبي أن أقول إن الشيخ مصطفى أمة بالمفهوم القرآني لهذه الصفة، ولا نزكي على الله أحدا.
وأعرف د. محمد أركون جيدا، وأعرف فكره في أصوله وبلغاته، وقد نشرت جانبا من ملاحظاتي حوله، وما أراه إلا وقد شرف بأن رد الشيخ مصطفى عليه، كما شرف يوم رد عليه الشيخ محمد الغزالي رحمة الله في أحد مؤتمرات الفكر الإسلامي أيام الصحو الثقافي بالجزائر.
وأنا لا أقارن بين الرجلين، فلا قياس مع الفارق، إذ لكل وجهة هو موليها. لكن كنت أود للفارق الشديد في الشرعة والمنهاج أن يكتب غير الشيخ العلامة في الموضوع بأن ينبري لذلك أحد تلاميذه، لكن غيرة أخينا ووقع هزالة البرنامج كان كبيرا، فاستنهض ذاته لمواجهة هذا الهراء إذ لم يجد في الساحة من أسرع بالرد. ولو كنت جنبه لعاتبني ولامني على صمتي وأنا العارف بأصول ما يصرخ به البروفسور محمد أركون، والمعين الذي يستقي منه د. مصطفى بوهندي.
وأكتفي هنا بأن أعيد ما قلت قبل سنتين حول برنامج آخر شارك فيه الأستاذ الفاضل بقناة دولية عربية معروفة، فنشر نفس الأفكار ووقف ذات المواقف التي ألفناها منه. فقبل سنتين (يناير 2008) استضاف المذيع السعودي تركي الدخيل في برنامجه “إضاءات” على قناة “العربية” الدكتور محمد أركون، فكثرت الردود على المواقع العربية، بعضها موزون وبعضها رد فعل لا ميزان له ولا وزن.
وكان من الردود الموزونة ـ رغم ما فيها من حدة هي بنت البيئة التي استغربت شراسة الفكر الوافد ـ رد أخينا وزميلنا الأستاذ الجامعي المحنك الدكتور خالد المزيني حفظه الله من القطر السعودي الشقيق تحت عنوان “زندقة في برنامج إضاءات! أركون… التمهيد للردة العامة عن الإسلام” وهو منشور بموقع الألوكة: http://www.alukah.net/articles/1/1917.aspx
وكان تعليقي وقتها على الرد كالآتي، وهو رد صالح لكل مشاركة للدكتور أركون هدانا الله وإياه سبيل الرشاد والعمل لمصالح البلاد والعباد.
أخي خالد،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

الأستاذ أركون أخي الكريم كان صادقا مع نفسه ومنهجه في برنامج “إضاءات”، فهو ظل ينصحنا أن نفعل ما فعلت المسيحية، فنترك نتاج القرون الوسطى، وننخرط سريعا في الحداثة العلمانية المتجردة عن النص، وأن نتخطف مختلف الأدوات التفكيكية فنستعملها في نصوص الوحي والتراث دون حمل هم لإعادة تركيب. قال ذلك وكرره مرارا.

هو يرى أن القرآن أسطوري التركيب، ولمن شك في ذلك فليرجع إلى مقدمته لترجمة المستشرق “كازيميرسكي” للقرآن الكريم، وهي من أسوأ ترجمات معاني القرآن بالفرنسية (من الترجمات القديمة)، أو إلى قراءته للسورة 18 (سورة الكهف).

ولن يخرج مستعمل المنهج الأركوني في التفكيك بنتيجة إلا كثرة المصطلحات، فعمليا لا يمكن تطبيق ما يقول، خاصة إذا استصحبنا مصطلح “اللا مفكر فيه” الواسع الغموض. ومشكلة النتاج الأركوني أن النقد العربي الفلسفي باللغة العربية قوي، سواء منه القديم أو الحديث، ولهذا حين يترجم إلى العربية ما كتبه الدكتور محمد أركون هداه الله ووفقه، يبدو بجنب ما ينتج في الحقل الثقافي العربي هزيلا مثل ما يبدو الشعر المترجم من ذات اللغة أمام الشعر العربي، لأن الشعر قوي لدى العرب.

فالمسلمون لهم منهج نقد قوي لعلومهم ومدارسهم، ولو أن منتقديهم تمكنوا من استيعاب تلك المناهج لرجعوا إلى قواعدهم للاستزادة من المراجعة والبحث عن ما يمكـّن من إتقان المواجهة.

ولهذا حينما قمت بنقد كتبه ومقالاته منذ عقدين في مجلة “الهدى”، عكفت على تحليل العقل المسيحي وصراعه مع الحداثة ليفهم كيف يحللنا نحن “المشرق” العقل الغربي وبأية مناهج. ولمن أراد الاطلاع على شيئ من ذلك فليقرأ البحث المنشور بموقع الألوكة حول “الاستبداد الديني”، فهو أنموذج من ذلك التحليل: (http://www.alukah.net/my/brich/ArticleDetails.aspx?ArticleID=354).

والمشكلة الكبرى لمدرسة التفكيك بشتى تياراتها أنها كانت تتلقى البارحة الدعم القوي لنشر أفكارها بغية تمكين مموليها من نفوذ فكري وثقافي واقتصادي وسياسي في العالم الإسلامي، وخاصة في جهاته النفطية. أما اليوم فقد اكتشف الداعمون أدوات أسرع حين ابتكرت الاتهام بالإرهاب والانتماء للقاعدة، و التي لا يعرف لها ـ رغم تعدد الهيآت والمؤسسات للمخبرين والخبراء على السواء ـ ضلع من قاعدة، واستطاعت بسرعة وسهولة إرغام العديد من الدول على الانخراط في منهج ما تسميه تحسين الصورة وتنقيح المناهج وتجديد الخطاب.

يضاف إلى ذلك استصحاب مدارس التفكيك لبخلهم في الاستثمار في معرفة الإسلام، وتقاعسهم في إعداد النقاد من الرجال، فلا تكاد تسمع في بعض الساحات النقدية إلا محمد أركون، فلم يجدوا عنه موئلا رغم بلوغه الثمانين.

من جهتي أتمنى له وافر الصحة وفسحة العمر، وأن يختم الله لنا وله بخير.

أما كون الصحفي تركي الدخيل يستدعي أركون أو غيره، فلا أرى أن نحجّر واسعا، فأن يدعى الضيف للإمامة والفتوى شيء، وأن يدعى لبرنامج مفتوح شيء آخر، …..
وطبيعي أن ينزعج اللبيب حين يقتحم ساحة فكره وثقافته ما يشوّش، لكن لسنن الله في إحياء الأرض بعد موتها في ذلك مآرب أخرى… ولا أخفي أني أنزعج من هذا الهجوم كما ينزعج غيري، لكن حتى أعبر بالمثال لما أعجز عن وصفه بالمقال، وواصفا لنفسي قبل غيري حتى لا يساء قصدي :

أكيد انزعاج المهدّد بإزالة ماعليه من ثياب، وما له منها منذ قرون خلت إلا جورب في رجله اليسرى، بعد تطبيع مع العري أنساه تقادمه بلية انكشاف عورته الكبرى! فتلك قد أضحى يألفها الخاص والعام، أما غياب الجورب فابتلاء بالعري التام! وليس من العجب أن يظل همّه الجورب !!!!

ذلك حال من تعرى من العلم والحلم مثل شعوبنا!
نسأل الله عودة الحياة والسترة ودوام اللطف.

أخوك : محمد بريش
ثم عدت بعد ذلك حين برر البعض ضرورة الرد القاسي إلى التعليق بالآتي :

لا غفلة عن حركة الباطل، وفعل الحق أولى بالعناية
د. محمد بريش – الإمارات – 18/01/2008 08:38 PM
الإخوة الكرام في الألوكة،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

طلب منا الإسلام أن نعرض عمن يسخر من آيات الله ويستهزأ بها حتى يخوض في حديث غيره، كما طلب منا أن لا نركن إلى الذين ظلموا، ومن الركون التغاضي عن تدميرهم للأركان، أو السكوت عن إفسادهم للبنيان. كما نبهنا الدين إلى أن لا نهن ولا نحزن، وأن نرى نفسنا أصحاب الحق والعلا. وهذا كله من المعلوم في الدين بالضرورة.

ومن ثم فأنا لا أرى بأن نسمح لأي فتان أن يلج ساحة العلم والمعرفة بصورة يُظن فيها أنه من ذوي العلم والحكمة، فيشوش على الناس دينهم وثقافتهم.

لكن اللبيب حين تعم البلوى، ويرى تفاقم وتضاعف الاستثمار بقوة في كل ما يفتح الأبواب للعديد من أصحاب “الوظائف الفكرية” عبر نوافذ لا يسلّم لها بالصلاح أصلا، ويشتهر بأنها منفذ فُتح قصدا كي تلج منه العديد من “رؤوس البلوى” (ولا شك أنه تابع ويتابع اجتهاد أصحاب الوظائف والامتيازات الفكرية والثقافية في إيجاد تلك النوافذ والمنافد وتثبيت أركانها)، يلتفت خاصة إلى أهل الصلاح يريد منهم حضورا قويا، وتجنب أي غياب في مثل هذه الأوضاع المؤججة للصراع دون برمجة ولا زاد ولا إعداد.

ولهذا ما زلت أردد أن علينا العناية بالحق أولا، وأصواته أساسا، وأن نحذر من أن ينصرف كل همنا جهة من يريد حجب الحق أو التشويش على أهله، ذلك أن الرد، أيا كان الرد، هو أولا رد فعل، ونحن أساسا ومقصدا نحرص على الفعل. نريد تغيير المنكر وإزالة أثره، لا الانشغال بالمنكر وأهله، بل القصد تثبيت أهل المعروف في قواعدهم وأماكنهم. والمسألة تحتاج إلى فقه مقاصد وفقه مرحلة وفقه بالدين أساسا لتبين ما هو واجب وما هو أساس وما هو ذي أولوية.
(يراجع بحثي بعنوان : “أيسر القواعد لبلوغ ما نبل من المقاصد : القاعدة الأولى العناية القصوى هي للحق وأصواته ولا فزع من ضخامة حجم الباطل، ولا من تعدد أبواقه” على العنوان : http://www.alukah.net/my/brich/ArticleDetails.aspx?ArticleID=355)

وما يلزمني الحذر منه هو أن يسمح اعتراضي على شخص بإضافة الشهرة له والتلميع لصورته، فأنا مطالب بأن أكون على دراية كيف يصنع وأين يصنع القرار، فإذا كان لي من مجال للتأثير فيه فلا عذر لي في التهاون، وإن لم يكن لي سعيت ليكون لدي مرجع قوة في في مجالات القدرة والعلم والحكمة لأواجه المحتمل، مع دراستي لصادق الظن من بدائل المستقبل.
ثم بعد رد لطيف من الدكتور خالد ختمت التعقيبات كالآتي :
النقد علم وخلق
د. محمد بريش – الإمارات – 19/01/2008 04:38 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخي الفاضل وفقك الله، وجعلك على الدوام ظهيرا للمسلمين،

أيا كانت الأحوال، نحتاج إلى الرد العلمي المدروس على نتاج كل من يتقدم بشيء نراه يخالف الصواب، فضلا عن تهديده للأركان ومخالفته لأصول السنة والكتاب. لكن سيظل النقد النافع البناء علما وخلقا، فلا تجريح ولا تشهير ولا تصنيف.

هذا شيء يعرفه الإخوة، وكثير منهم علماء وفقهاء،

أنا أقترح أن نعمل وفق ما أثبتت التجربة نجاحه في جهات أخرى ومنها المغرب،

مثلا نعمد إلى أن نقدم المعلومات الثرية تشخيصا وتحليلا ودراسة حول المشروع الذي نراه مشوشا أو دخيلا، وفق القواعد العلمية وبقيم راقية، ثم نسعى لكي يتشرب جمهور واسع من طلاب العلم المادة حتى لا يكونوا في غفلة عن كل فكر مشبوه الموارد أو غامض المقاصد. لكن لا يدخل العلماء الراسخون والمفكرون البارزون في جدال مع أصحاب المشروع، فطلبتهم وتلامذتهم لا شك مؤهلون بما لديهم من مادة علمية من صد غوغاء أي ناعق لا يلتزم المنهج العلمي، أو يدعي توهما أنه صاحب تجديد عصري!

فمثلا يمكنكم بالموقع نشر الجزء المتعلق بـ “ماذا يريد محمد أركون؟” من بحثي حول “الاستشراق العربي : محمد أركون نموذجا”، وقد نشر منه في هذا الموقع المقدمة والفصل الأول. فهو غني بمعلومات دقيقة وموثقة توضح بجلاء أسس المشروع الأركوني وموارده ومقاصده.

وهناك فصول أخرى تحت مسمى “أركونيات” فيها ما يكفي لإبراز الوجه المسيحي للمشروع الأركوني يمكن مدكم بها.

لم أنشر الكثير حول البروفيسور محمد أركون هدانا الله وإياه سبيل الرشد وثبتنا عليه، لكن لن أخبركم بجديد إذا قلت أن الرجل بدأ النشر في الوسط المسيحي وفي مؤسساته. فقد كتب مدير مجلة مسيحية (كانت تصدر بتونس) في سنة 1952 ميلادية (وهي السنة التي ولدت أنا في آخرها) منوها في تقديمه بمقال شاب لم يكن يعرف أحد اسمه، هو أستاذنا محمد أركون، مبشرا بأنه سيكون صاحب شأن ومستقبل في حقل البحث في الشأن الإسلامي،

منذ ذلك الوقت وأركون يُهتم به ويستثمر في تلميع صورته على عين الكنيسة، وهو في نفس الوقت لا نخاله إلا صاحب فهم جيد لتطورها وصراع مدارسها، وعلى دراية بأزماتها ومشاكلها الفكرية والثقافية. فلا عجب أن يدعونا الأستاذ للقيام بنفس النقد والمراجعة الذي قامت بها الأسرة الكنسية.

وأنا ما زلت أرى أنه يصعب فهم ما يريد أركون بالشمولية والاستيعاب الكلي للمشروع دون وعي لتطور الفكر والثقافة واللاهوت المسيحي في الزمن المعاصر.

الرجل ليس بالمسيحي ولا نتهمه بردة، بل هو حر في معتقده، ولكن من حقنا حين النقد أن نشير لأصول الأفكار ومستقر الدار.

وفقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
كما أنني حين نشر موقع الألوكة فصلين من دراستي حول الدكتور محمد أركون نبهت إلى الآتي :

محمد بريش – الإمارات – 10/11/2007 08:10 AM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

هذه الورقات التي تفضل الإخوة بإعادة نشرها حررت سنة 1985 ميلادية، وكنت وقتها في عز الشباب، كانت الغاية منها الوقوف في وجه تيار يريد أن يحد من بلورة شعب الدراسات الإسلامية حديثة النشأة في الجامعات بالمغرب، وكانت جهات متعددة منها المسيحي وغيره تبحث عن من يمكنها من تلميع ونشر بعض الأفكار الموجهة، وتحتاج في ذلك إلى جنود وفرسان، لعل الأستاذ محمد أركون كان أحد من وقع عليه الاختيار ليكون أحدها. إذ الملاحظ من فجاءة نمو نشاطه على أصعدة متعددة بعالمنا العربي الإسلامي، ولمعان إعلامي مصاحب له لافت للنظر، أن الأستاذ قد امتطى الفرس المسرج له من منبر السربون لإنجاز بعض المهام هي في الأساس فكرية، لكنها بفضل ما حشد لها من وسائل وترويج أضحت إيديولوجية، وخرجت عن إطارها الأكاديمي.

وازداد الأمر لدي إلحاحا لما علمت أن عددا من الأساتذة يرغبون في تسجيل أطروحة الدكتوراه بإشراف الأستاذ الفاضل لمجرد الحظوة بمباركة الجهات التي تدعمه، والسبق بتزعم مناصب مرتقبة في الساحة الفكرية والثقافية الإسلامية.

وكما هو شأني فإنني لا أخوض في موضوع حتى أستوفيه جانبا هاما من حقه في البحث والتنقيب؛ فعمدت إلى كتب د. أركون أقرأها في نصوصها الأصلية، وأعود إلى قراءة ما ترجم منها فأجد العجب العجاب، وكم ظلم الرجل ممن ترجموا له، وكم ركب المفتقرون لفرسان مثله لمواجهة تيارات يعادونها على ظهره لقضاء مآرب شتى لا علاقة لها بالفكر النقدي ولا بالتحليل التاريخي.

كما أنني انتقلت إلى الجهات التي نشط بها الأستاذ الكريم، وحضرت دروسه بالسربون، وسألت من عاشره من أهل بلدته وقريته، واستجوبت الرهبان الذين كانوا يستضيفونه في بعض محاضراته، وتابعت بكل ما أوتيت من وسع مقالاته وحواراته في العديد من الدوريات والمجلات، ثم بعد ذلك حاولت التجرد من المواقف الجاهزة وجعلت د, محمد أركون يعرفنا بنوع من التفصيل عن البوفيسور أركون محمد.

وبدأ نشر المقالات في مجلة “الهدى” التي كنت أرأس تحريرها على مدى خمسة أعداد، ثم توقف لسببين :

الأول : كاتبني الأستاذ الفاضل راغبا في الاطلاع على المقالات المنشورة، وأنه مستعد للتراجع عن كل ما يمكن أن يسيئ إلى الإسلام أو يفهم منه ذلك. فما كان لي أن أنسب له شيئا من الفكر لم يعد يتبناه، فليس لذلك من فائدة في بلورة الفكر وتطوير النقد.

الثاني : أنني كنت أهدف أساسا بذلك النقد إلى نشر نوع من الفكر التحليلي وإحياء مدرسة الحوار الثقافي داخل الحقل الإسلامي، دون تجريح ولا تكفير، رغم حداثة سني وقتئذ. وسرت في ذلك مثل من يرى أن مرشحا إيديولوجيا يريد أن ينبري لمجلس نيابي أو استشاري بدعوى خدمة الناس، فيقوم بحملة مضادة لمنع ترشيحه في إطار جو انتخابي نزيه، حتى إذا ما لاحظ أن البعض يريد أن يسعى للنيل من سمعة المنتخب وليس فقط الاكتفاء بعدم تزكية ترشيحه، انسحب حتى لا يخرج عن الإطار العلمي والثقافي الذي حدده لنفسه، ولهذا لم تنشرت الأركونيات ولا النقد التفصيلي للمشروع الأركوني.

ذلك، وهناك دواع ودوافع أخرى كانت وراء ذلك البحث، أهمها إجراء حفريات معرفية في العقل العلماني، وخاصة في جذوره المسيحية. وليس هذا مجال البسط في ذلك.

فالذي أنصح به القارئ أيا كان أن يلتزم بضوابط العلم والموضوعية في إطار من الاحترام والتقدير مهما كانت أفكار الباحثأو المثقف صاحب الفكرة موضوع النقد. وليستحضر دائما قول الله عز وجل في سورة الطلاق، والعبرة فيه بعموم اللفظ لا بخصوص السبب : “لا تدري! لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا”..

وفقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد بريش
أما ما قاله الأخ بوهندي، وهو من الأصدقاء الذين ندعو لهم بالرشاد وحسن التوفيق، فهو من باب التأثير بتيارات الحوار الذي أتانا من المخفر لا من المختبر، ومن الإدارات الدبلوماسية لا من المؤسسات العلمية والجامعية، مفاده أن الأسد وقد أزيح عن ملك الغابة للهوه ولعبه، وتربع على كرسي السلطة غيره، مطلوب منه نشاط ملموس في تغيير صوته، وتسامح في طمس خلقته، وجد في حلق شعره وخلع أنيابه وأظافره، بل حصول انقلاب في طريقة أكله، وامتناع عن مطاردة صيده.
ويراد إقناع الليث أن الانفتاح يقتضي تجاهل وضع الغابة في زمن ولى وفات، وأن عليه لكسب الجماهير إثبات كراهيته للحوم وحبه أكل النبات!
ولذلك كثر الحديث عند من جندوا لمثل هذه المناصب والمقالب أن الحق مشاع، وموجود في كل فكر ودين، وأن الله للجميع، يعرف بهذا الطريق كما يعرف بغيره!!
ولو تمعن أصحاب هذا الخطاب في واقع أنديتهم ومحركوها لوجدوا الأديان الأخرى تتمسك بتميزها وخصوصياتها حتى المتطرفة منها، والمراد بالتغيير والتبديل والتطوير الإسلام الذي هو في أمس الحاجة لتحسين الصورة وتغيير الممارسة والخطاب.
لن يفلح هذا النهج مهما تعددت الأبواق، وسيمحى كما محي غيره ولن يكون له أثر، علته وسباب زواله يحملها في ذاته، ولنا في التاريخ خير العبر. فما أصدق الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي:
ما تنقد الموؤوذة الكف التي * ما أتقنت شيئا سوى حفر الحفر