مصطفـى بنحمـزة يحاضـر في مكنـاس

16595 مشاهدة

وجدة البوابة – مكناس سيتي: مكناس في 9 دجنبر 2012، ألقى الدكتور مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، ورئيس المجلس العلمي بوجدة، عشية الثلاثاء 20 محرم 1434 هـ، الموافق 4 دجنبر 2012 محاضرة تحت عنوان “في القيم الحديثة”، بقاعة المحاضرات بمركب مندوبية الأوقاف والمجلس العلمي بمكناس، وذلك بحضور جم غفير من العلماء والأساتذة والطلبة وعموم المهتمين. وكما هو واضح من عنوان المحاضرة، فقد بسط المحاضر الحديث عن مجموعة من القيم الحديثة التي يتم الترويج لها من جهات مستفردة بالخطاب، وبشكل مجاني، ومن دون مساءلة نقدية، ولا سيما قيمتا “الحرية” و”المساواة”، محاولا تأصيل هذين المفهومين من وجهة نظر شرعية. أقر المحاضر في البداية بأن الأمة الإسلامية مفتوحة على كل القيم الفاضلة والجميلة والعادلة، مهما كان مصدرها، مستدلا على ذلك بمشاركة النبي الأكرم في حلف الفضول الجاهلي، واستمرار ثنائه خيرا عليه حتى بعد الإسلام في قوله: “أمَا لو دعيتُ إليه اليومَ لأجبتُ”. منتقدا ما سبق كتابته على بعض المنابر الإلكترونية مؤخرا بخصوص ادعاء رفضه للقيم الكونية، معتبرا أن من كتب ذلك “إما أنه لا يفهم شيئا، وإما أنه حرّف الكلم من مواضعه”، وموضحا – مرة أخرى – أنه إنما انتقد اعتبار تلك القيم المراد ترويجها قيماً كونية، لأنها في الحقيقة قيم عالمية، ومعلوم أن الكون Univers   أوسع من العالَم Monde  ، وأن الأمة ليست ضدها من حيث المبدأ، لكن هذا لا يعني استعدادها لتلقيها تلقيا دوغمائيا أعمى يحرمها من حقها في تحليلها، وتتبع بَصْمتها. وبخصوص قيمة “الحرية”، تحدث بنحمزة عن كونه مفهوما ظُلم من لدن الغرب نفسه وممن تبعه حتى أضحى يوظف ضد الحرية ذاتها، ولاسيما حين يتعلق الأمر بما لا يخدم مصالحه، كحرية الخروج من إسار التبعية مثلا، وكأنه ليس من الحرية حريةُ الأمة الإسلامية في فهم الحرية كما تشاء  !   مقررا أنه من الثابت أن المفاهيم تصطبغ بهوية الأمم، ولا تنفك عنها، فتتخذ أشكالا متعددة بتعدد الأديان والثقافات والقيم المختلفة، لا شكلا واحدا؛ فالحرية في فرنسا – مثلا – ليست هي الحرية في “إسرائيل”، ولا هي الحرية في غيرهما. وفي السياق نفسه تحدث المحاضر عن مفهوم المساواة كما أصّله الشرع والفقهاء باعتباره في الدين عبادة وقُربة، لا مجرد ضرورة إنسانية. مقررا أن أمتنا هي أمة المساواة بلا مماراة، فما كُتب عندنا بخصوصها في القرآن الكريم والحديث الشريف وما تبعهما منذ ق7م– بشهادة التاريخ – أسبق بقرون مديدة مما كتب لدى الأوربيين (ق18م) ! حتى إن مبدأ المساواة في الإسلام، ووقوفه ضد التمييز اللوني والطبقي، كان هو أول ما جذب أوائل المسلمين إليه، من أمثال بلال وصهيب وعمار من مستعبَدي قريش، على خلاف الغرب الذي ظل يرزح تحت نير التمييز العنصري واللوني إلى أوائل القرن 20م. مذكرا أن هذا التمييز المضاد للمساواة هو الذي كان وراء حملة فرنسا “الأنوار” على مصر (1798)، ثم احتلالها للجزائر (1830)، ثم اتباع باقي الدول الأوربية سنة فرنسا في التعامل مع باقي أمم العالم الضعيف، في إيمان واضح من الإنسان الأوربي بأن شعوب العالم المستَعمَر تلك ليست مساوية له، ضاربا عرض الحائط بمبادئ الثورة الفرنسية التي جاءت بالمساواة! وقد استمرت وتستمر هذه “اللامساواة” إلى اليوم حين يستأثر خمسة أفراد بالتحكم في مصير العالم بـ”حق” الفيتو! وحين يكيل الغرب بمكاييل متعددة على مرأى ومسمع من العالم أجمع (صدر مثلا 15 قرارا أمميا ضد “إسرائيل” لم يطبق منه واحد، مقابل تطبيق كافة القرارات الصادرة ضد الدول العربية!!)، وحين يسمح الغرب لنفسه برمي النفايات في أرض الدول الفقيرة، إلخ… وبالمقابل بسط الأستاذ بنحمزة الرؤية الإسلامية للمساواة باعتبارها ركنا ركينا من منظومة الحقوق الإنسانية التي تجد جوهرها الحقيقي في الإسلام في “الكليات الخمس” المضمونة للإنسان، التي يُعد أي خرم لها خرما لإنسانيته، فهي بمثابة السياج الحامي لها. مبينا أن الإسلام يتصور المساواة في دائرتين: الدائرة الإنسانية العامة، حيث يتساوى الجميع، مسلمين وغير مسلمين في أصل الخلقة، وفي الكرامة، وغيرهما… والدائرة الإسلامية الخاصة التي تنظم الأمر بين المسلمين أنفسهم (كالشأن في الجيش والإمامة والأحوال الشخصية…)، مما هو متعارف عليه مُقَر في كل ثقافات العالم وحضاراته (كشأن قوانين الانتخابات في الغرب مثلا). وتحدث المحاضر – على هامش المساواة – عن المساواة بين الجنسين من زاوية الرؤية الإسلامية، باعتبارها مساواة تكاملية لا تطابقية، تراعى فيها خصوصية الخلقة، وطبيعة وظائف الأفراد وتكاليفهما من كلا الجنسين. مبينا أن هذا التمييز فيه كثير من التشريف للمرأة من حيث إنه يراعي طبيعتها، ويرفع الإرهاق عنها، كما يتجلى بوضوح في تقديم فك أسيرات النساء على أسرى الرجال، وعدم مطالبة المرأة بالنفقة، بينما يسجن الرجل – حسب المدونة – إن امتنع عن النفقة، وعدم مطالبتها – في الحج – لا بالهرولة في السعي، ولا بالمبيت بمزدلفة، وبإقرار نفقة الأب على ابنته ما لم تتزوج، مقابل نفقته على ولده الذكر إلى حدود 25 سنة… مما يبرهن على الاحترام البالغ والتقدير الكبير الذي تحظى به المرأة عند المسلمين، خلافا لما يروجه المتغربون من خطابات لا أساس لها عندنا، وإنما هي مجرد تكرار ببغائي لأدبيات الغرب، هذا الغرب الذي لم يتورع عن قتل زوجة الرئيس الروماني نيكولاي تشاوسيسكو المسنة شرَّ قتلة، في مقابل تعامل المسلمين الراقي مع زوجات وبنات الرؤساء العرب المطاح بهم مؤخرا، رغم ضلوعهن في فساد أزواجهن وتسلطهم. محاضرة الأستاذ مصطفى بنحمزة حملت انتقادا في اتجاهين: في اتجاه هؤلاء الذين يعملون على سلخ الأمة من قيمها الأصيلة الراقية واستتباعها للغرب، مع استبدادهم بالكلمة، وإقصاء العلماء، وإنكار حق الاختلاف عليهم، وكأنهم هم وحدهم من يمتلك الحقيقة النهائية. وانتقاد في اتجاه الفقهاء الذين يشتغلون بكثير مما ليست الأمة بحاجة إليه، وكأنهم لا يقيمون للوقت وزنا. داقا ناقوس الخطر من أن يستبد طرف واحد بتغيير ثوابت الأمة ومبادئها، لأن ذلك لن يكون مقبولا اجتماعيا، وسيكون بمثابة بذرة صراع تنبت شجرتها في المستقبل بما لا تحمد عقباه. تجدر الإشارة في ختام هاته التغطية إلى أن جزءا من آراء المحاضر في هذه المحاضرة، قد سبق له نشرها مستفاضة في كتابه الصادر مؤخرا عن دار الأمان بالرباط ودار ابن حزم “من قضايا اللغة والفكر”.

مصطفـى بنحمـزة يحاضـر في مكنـاس
مصطفـى بنحمـزة يحاضـر في مكنـاس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz