مسارات البناء المغاربي: نحو رؤية متجددة

24378 مشاهدة
الجلسة الصباحية: نظم مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، بتعاون مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول ـ وجدة، بتاريخ 10/11/2009 يوما دراسيا حول “مسارات البناء المغاربي: نحو رؤية متجددة”. وقد تمت مناقشة الموضوعات الخاصة باليوم الدراسي من خلال مداخلات مركزية تم تقديمها في الجلسة الصباحية، بمشاركة كل من رئيس مركز الدراسات الإنسانية والاجتماعية بوجدة الدكتور سمير بودينار، والدكتور امحمد المالكي من جامعة القاضي عياض بمراكش، والدكتور عبد الحق الجنتي الإدريسي أستاذ بكلية الحقوق بوجدة. وفي المساء تم تنظيم مائدة مستديرة للتداول في بعض الأفكار التي طرحت في الجلسة الصباحية، وتعميق النظر في الإشكالات المرتبطة بالفضاء المغاربي، وذلك بحضور ومشاركة الأساتذة والباحثين المهتمين بالموضوع.وفي افتتاح الجلسة الصباحية التي ترأسها الدكتور خالد الشيات أكد عميد كلية الحقوق بجامعة محمد الأول الدكتور محمد ملياني على أهمية مساهمة الأكاديميين في معالجة موضوع الفضاء المغاربي، باعتباره من الموضوعات التي لا يمكن أن تتقادم مادام أن مشكل الاتحاد المغاربي لا زال قائما. ثم إن راهنية الموضوع تندرج في سياق العناية بمستقبل المنطقة، خاصة أمام ما تطرحه قضية العولمة من تحديات مؤثرة في مسار الشعوب والدول. ومن هذه الاعتبارات يرى الدكتور الملياني أن مراكز الأبحاث يجب أن تضطلع بدور هام في تسليط الأضواء على المشاكل التي تحول دون بناء الاتحاد المغاربي.

أما رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية الدكتور سمير بودينار، فقد أكد على أولوية الاهتمام بالمسار المغاربي، إن على المستوى الاستراتيجي أو المعرفي. وانطلاقا من الإدراك والوعي بأن المعرفة التزام مجتمعي، فإن النخبة المجتمعية المهتمة بالشأن العام بمؤسساتها المختلفة، بما فيها مراكز الأبحاث، تتحمل مسؤولية كبيرة في رصد الإشكالات التي تعانيها المنطقة والمساهمة في توجيه المسارات التي تدفع في اتجاه تعزيز القدرة على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية. وعلى هذا الأساس فقد أشار الدكتور بودينار إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه أو يأمل أن يقوم به مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية في هذا الإطار، خاصة وأن المركز يقع في مدينة تعتبر، وهي كذلك العاصمة المغاربية. وفي هذا السياق عرج رئيس المركز بعض الخطوات العملية في اتجاه مأسسة وتوسيع النظر في القضايا المغاربية، منها تأسيسه لوحدة خاصة بالمركز مهتمة بالدراسات المغاربية، ومشاركته في تنظيم ندوة بالتعاون مع لجنة الخارجية والدفاع والحدود والمناطق المحتلة بمجلس المستشارين حول موضوع الصحراء المغربية.

v مداخلة امحمد المالكي: “المشروع المغاربي: التفكير في العواقب”

أما الدكتور محمد المالكي فقد أشار قبل التفصيل في مداخلته التي عنونها ب”المشروع المغاربي: التفكير في العواقب” إلى ملاحظتين. الأولى تتعلق بمعطيات الفضاء الذي يتم تدارسه، إذ يعتبر الاتحاد المغاربي فضاء جغرافيا بمساحة مقدرة ومحترمة ( الجزائر 6 مرات فرنسا، المغرب ضعف ألمانيا الموحدة)، كما أن له من المقدرات والإمكانات ما يسمح له أن يكون كيانا إقليميا متناضرا، بالإضافة إلى توفره على كفاءات بشرية معتبرة (عدد الأطباء الجزائريين مثلا في فرنسا يقارب 10 ألف طبيب). أما الملاحظة الثانية فقد اعتبر فيها أن تاريخ المنطقة المغاربية يحتوي على عناصر تسمح له أن يكون كيانا إقليميا، إذ فكرة الاتحاد وقع التهيئ لها في بداية القرن العشرين، فضلا عن كونها جزءا من وجدان المنطقة.

وقد قسم الدكتور المالكي مداخلته إلى محورين. الأول تحدث فيه عن مسار مشروع الاتحاد المغاربي. أما الثاني فقد تطرق فيها إلى مداخل إعادة صياغة مشروع الاتحاد المغاربي.

* المحور الأول: مسار مشروع الاتحاد المغاربي

صنف الدكتور المالكي المسار الذي مر به مشروع الاتحاد المغاربي إلى ثلاث حقب. الحقبة الأولى هي التي بدأت مع مؤتمر طنجة عام 1958. والحقبة الثانية هي التي تمتد من 1964 إلى سنة 1975 تقريبا. أما الحقبة الثالثة فهي التي عقبت الإعلان عن إنشاء اتحاد المغرب العربي، وبالضبط بين 1986 و1994.

في الحقبة الأولى التي ابتدأت مع مؤتمر طنجة لعام 1958، أشار الدكتور المالكي إلى اهتمام الأحزاب المغاربية التي حضرت المؤتمر بفكرة الوحدة المغاربية. وقد تجلى هذا الاهتمام في تمكن النخبة الوطنية بوضع تصور لبناء فضاء اتحاد المغرب العربي، وهو ما تجلى على سبيل المثال في دعم كل من المغرب وتونس للحكومة الجزائرية المؤقتة في مسعاها للتحرر من الاستعمار الفرنسي. هذا بالإضافة إلى تأكيد وثائق المؤتمر على الشكل الفدرالي للاتحاد بما لا يلغي الأقطار المغاربية.

غير أن هذه الحقبة انتهت، حسب المتدخل، بمعطيين سلبيين. أولهما تاريخي، إذ النخبة المغاربية وجدت نفسها منشدة إلى إرث تاريخي لا يسعفها في البناء المغاربي. بل إن قضايا الاتحاد لم تكن مطروحة عند قيادات الحركة الوطنية، وهو ما اعترف به علال الفاسي عندما أشار بأنه لم تكن هناك نظرية لبناء اتحاد المغرب العربي. ثم إن تأجيل عدد من القضايا إلى ما بعد الاستقلال لم يكن في مصلحة ترسيخ فكرة الاتحاد المغاربي. فعلى خلاف النخبة الوطنية الهندية والماليزية التي توافقت على الاستقلال وعلى نموذج الدولة، يلاحظ أن النخبة المغاربية توافقت على الاستقلال وغيبت التوافق حول نموذج الدولة. ثم إن الكثير من الأفكار التي طرحت خلال مؤتمر الأحزاب المغاربية تم توظيفها تكتيكيا لخدمة العمل الوطني، كما هو الشأن بالنسبة لجيش التحرير. أما ثاني هذه المعطيات فترتبط بمسار إعادة بناء الأقطار المغاربية، إذ اعتمدت كل دولة في بناء مؤسساتها منحا يكرس القطرية ويحافظ عليها.

فأما الحقبة الثانية والممتدة من 1964 إلى 1975 فقد جاءت في سياق عدد من التطورات التي شهدتها المنطقة. ففي عام 1969 بالذات ستعرف ليبيا انقلابا على الملكية، كما توجه النظام الجديد إلى المشرق. وفي نفس السنة شكل التحاق موريتانيا تطورا مهما، خاصة على مستوى العلاقات المغربية الموريتانية. هذا فضلا عن أن بروز أزمة الصحراء المغربية في عام 1974، سيشكل انعطافة جديدة في مسار الاتحاد المغاربي.

وفي هذه الحقبة أيضا تميزت تجربة السير نحو الاتحاد المغاربي بالتركيز على الجانب الاقتصادي. فقد نظمت عدد من المؤتمرات الاقتصادية، وعقدت مؤتمرات على مستوى وزراء الاقتصاد، فضلا عن تشكيل لجن اقتصادية ، وإعداد أكثر من 60 دراسة قطاعية و300 اتفاقية ثنائية وثلاثية. وفي ذات السياق، فإن ظهور متغيرات مرتبطة بالطفرة النفطية ستلقي بضلالها على المنطقة المغاربية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار عدم التنسيق في السياسات النفطية بين الدول المنتجة في المنطقة، بل أن سيادة منطق التنافس بين هذه الدول أعاق إمكانية التنسيق والتكامل الاقتصاديين على المستوى المغاربي ككل.

غير أن سلبية هذه الحقبة، حسب الدكتور المالكي، تمثلت في أن التجربة المغاربية لم تتجاوز مسألة الهيكلة والتأسيس وإبرام الاتفاقيات. كما لم يتم خلال هذه الفترة الانتقال إلى مستوى تنفيذ المشاريع.

أما الحقبة الممتدة بين 1989 و 1994 فهي التي عرفت ميلاد اتحاد المغرب العربي،

وبدأ خلالها قادة المنطقة في تجريب مقاربات جديدة على المستوى الاقتصادي والسياسي. ففي هذا الإطار فإن المعاهدة المنشئة للاتحاد ستعكس فلسفة قائمة على البناء المتدرج والواقعي، على الرغم من أن بعض بنودها توحي بالشك والريبة التي لازالت متحكمة في بلدان الاتحاد، وهو ما يعبر عنه مثلا مبدأ الإجماع المنصوص عليه في عدد من المواد.

* المحور الثاني: مداخل بناء المشروع

وفي المحور الثاني تطرق الدكتور المالكي إلى المداخل التي من الممكن أن تساهم في السير قدما بمشروع الاتحاد المغاربي. وقبل تفصيله لهذه المداخل أشار إلى أن التفكير في هذا الموضوع ينبغي أن ينبني على رؤية استراتيجية، كما ينبغي اعتبار هذا المشروع سيرورة وحركة بناء التأسيس. وعلى هذا الأساس تطرق الدكتور المالكي إلى ستة مداخل هي:

أولا: روح التوافق في البناء الذي يتحقق بالحوار، والحوار لا يتم إلا بالاعتراف المتبادل. ثم ينبغي الإشارة، حسب المالكي، أن روح هذا التوافق في المنطقة المغاربية أساسه التوافق بين المغرب والجزائر.

ثانيا: تجاوز ثنائية المغرب والجزائر، إذ يلاحظ أن الخلاف المغربي الجزائري ظل متحكما في مسار الاتحاد المغاربي(حرب الرمال 1963، أزمة الصحراء، أحداث مراكش).كما يشار في هذا السياق أن الحدود طيلة فترة الاستقلال لم تكن الحدود مفتوحة بين البلدين إلا ما يناهز 22 سنة، وهو وضع يلزم تخطيه.

ثالثا: مراعاة المرحلية في البناء المغاربي. وهذا يقتضي ترتيب نظام الأولويات، كما سيكون من المهم تحييد السياسة في العمل المشترك. وتسهيلا لعملية البناء المتدرج يحتاج الاتحاد إلى مؤسسات لفض المنازعات في حالة نشوبها.

رابعا: إدماج المجتمع في الفضاء المشترك. بمعنى أننا في حاجة إلى أن يلعب المجتمع دورا في بناء الاتحاد المغاربي، وأن يعمد إلى إيجاد آليات لذلك.

خامسا: الحاجة إلى الإصلاح المؤسسي، إذ المعاهدة المنشئة للاتحاد تحمل في حد ذاتها عناصر الإعاقة. ففي هذا السياق، وبناء على أن السياسة مبنية على المصالح فإنه يلزم تجاوز المادة السادسة للمعاهدة والتي تشير إلى آلية الإجماع، على اعتبار أن هذه الآلية تقتل العمل المؤسسي.

كما ينبغي مراجعة المادة 18 الخاصة بتعديل المعاهدة، وكذلك المادة 15.

سادسا: تحديد مفهوم الاتحاد المغاربي، أي أنه ينبغي معرفة ما إذا كان الاتحاد فضاء جغرافيا ممتدا من “سلوم” مع الحدود الليبية المصرية إلى نهر السنغال؟ أم أن الاتحاد هو فضاء ثقافي وحضاري؟ أم هو فضاء جغرافي ثقافي وحضاري في آن واحد؟ وبمعنى آخر يجب تحديد هوية الاتحاد والإجابة على سؤال: من نحن؟. وعموما، فإن التنوع الذي يعرفه الاتحاد ينبغي أن تعكسه الحاجة إلى مواطنة كاملة.

وإذا كانت ديباجة المعاهدة عند تأسيس الاتحاد قد ركزت على الدين والتاريخ واللغة والأمل الفسيح، فإننا الآن في حاجة إلى أسس أخرى ينبغي الانطلاق منها، أهمها المصلحة المشتركة والوعي بهذه المصلحة المشتركة.

وفي النهاية، أشار الدكتور المالكي إلى ضرورة تجاوز بعض الإشكالات التي تعوق التحليل الدقيق لوضعية الاتحاد المغاربي. فإشكالية الداخل والخارج قد تحول في كثير من الأحيان دون فهم بعض التحديات فهما عميقا. فهذه المسألة تضل نسبية، ومن الواجب الحرص على تجنب استعمالها في غير محلها. ثم أن هناك مناطق يلتقي فيها الداخل والخارج، مما يدعو إلى تحاشي لغة الحزم في هذا الأمر لما يحمله هذا المنطق من مخاطر، منها أن الآخر يبدو وكأنه هو المتحكم والمحدد للمسارات.

v مداخلة الدكتور عبد الحق الجناتي الإدريسي

انطلق الدكتور الجنتي في بداية مداخلته من التساؤل حول السبب أو الأسباب التي حالة دون اندماج المغرب العربي على الرغم من توفر الإمكانات والمؤهلات.كما أشار إلى أن الأبعاد التاريخية واللغوية والدينية لها أهميتها في تحقيق التكامل المغاربي، غير أنها تظل غير كافية. هذا فضلا عن تأكيده على أن الوحدة المغاربية تظل مطلبا شعبيا، وهو ما حدا حتى بالخطاب الرسمي التأكيد على حيوية واستراتيجية خيار الوحدة تفاديا للظهور بمظهر المعاكس لآمال شعوب المنطقة.

ولقد ركز المتدخل على ضرورة الانتباه إلى عوامل أخرى لها أهميتها في فهم مسار الاتحاد المغاربي، واستشراف مستقبله، أهمها:

1- العوامل الخارجية المؤثرة في بناء الاتحاد المغاربي

2- مكانة العوامل غير الحكومية في هذا الفضاء(المقاولين والمستثمرين، الباحثين، الإعلاميين..).

ومما يؤكد محورية العامل الخارجي في دراسة مسار الاتحاد المغاربي، لاحظ الدكتور الجنتي مثلا أن الحرب الباردة كانت عائقا أمام تحقيق الاندماج بين دول المنطقة، كما أن نهايتها أملت أيضا على هذه الدول أن تفكر بشكل أكثر جدية في السعي نحو التكامل. وفي ذات السياق أشار المتدخل إلى أن المبادرة الأمريكية التي أعلن عنها في نهاية التسعينيات والمسماة بـ “مبادرة إيزنشتات” هي التي كانت وراء انعقاد عدد من اللقاءات في واشنطن في إطار لجنة دائمة مكونة من سفراء دول المنطقة.

وفي ذات الإطار، فإن التنسيق بين الدول المغاربية يتضح نجاحها عندما تكون مفروضة من مؤسسات أخرى، مثل البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية ومجموعة 5+5 والحوار الأطلسي المتوسطي والاتحاد المتوسطي.. وغيرها. ولاحظ الدكتور الجنتي أيضا أن اجتماعات المغاربيين تنجح إذا كانت تهم الآخرين، كما يظهر ذلك في ملفات الهجرة والإرهاب والجراد..

وإذا كان التنافس بين المشاريع الأوروبية والأمريكية قد حالت دون نجاح التكامل المغاربي، فإن بعض سياسات الدول المغاربية كانت عائقا لتحقيق هذا التكامل. فمن خلال تتبع مسار الاتحاد يتضح أن هناك جنوحا نحو الهيمنة الإقليمية لدى بعض دوله، وأن هذا الجنوح غالبا ما يكون مرتبطا بتغير أسعار النفط.

أما القول بتعثر الاتحاد المغاربي بسبب قضية الصحراء المغربية فإن الأستاذ الجنتي يراه مبررا غير مقنع لعدة أسباب. ففي عام 1989 تاريخ الإعلان عن ميلاد اتحاد المغرب العربي كانت مشكلة الصحراء قائمة. كما أن تونس والجزائر ليست لديهما مشاكل حدودية، وعلى الرغم من ذلك لم تتوحدا.

ولتجاوز معضلة اتحاد المغرب العربي دعا الدكتور الجنتي إلى ضرورة أن تتجاوز هذه الدول لبعض العوائق، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي. وينطلق في هذا الإطار من بعض الآراء الفقهية التي ترى أنه من المستحيل أن تتمكن الدول من اتخاذ قرارات مؤثرة في النظام الدولي إذا كانت ضعيفة وذات إمكانيات اقتصادية محدودة من جهة، وإذا لم تكن دول ديموقراطية من جهة ثانية.

لكن حتى تتمكن الدول المغاربية من السير قدما في اتجاه التكامل يلزم أن يكون هناك توافق دولي لنجاحه، وهو ما تؤكد عليه بعض التجارب العملية. ففي الوقت الذي فشلت فيه الاتحادات الإفريقية والاتحاد الخليجي نجحت تجارب الآسيان والاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية.

وتحتاج دول الاتحاد أيضا لتقويم مسارها وتقوية فرص نجاح تكاملها إلى عناصر أخرى. وفي هذا الإطار يلزم تجاوز القرارات الموغلة في السياسة عند تدارس قضايا التكامل بين بلدان المغرب العربي. كما أنه لا يمكن الحديث عن الوحدة المغاربية مع أرجحية القانون الوطني على قانون الاتحاد. ثم إنه من المهم إشراك المقاولين والإعلاميين والباحثين وباقي الفاعلين غير الحكوميين في هذا المشروع بدلا من إقصائهم وتحجيم دورهم.

الجلسة المسائية

في الجلسة المسائية التي أدارها الدكتور عباس بوغالب ذكر الأهداف الأساسية التي عقدت من أجلها الندوة. وقد أجملها في تجديد التفكير في موضوع البناء المغاربي، والدعوة إلى التأمل والنظر العميق إشكالية الوحدة المغاربية، والدعوة إلى التفكير في الأسلوب الهادف إلى تجاوز الإشكال، بالإضافة إلى رصد المسار وليس إعطاء تصورات ورؤى محددة للفضاء المغاربي. كما أشار أيضا مدير الجلسة إلى أن تطورات المسار المغاربي، سواء على المستوى الفاعليين أو هياكل الاتحاد يحتاج إلى تعدد زوايا النظر من جهة وحصر الأطراف الفاعلة من جهة ثانية.

وقد تحددت محاور الندوة في الجلسة المسائية في المحاور التالية:

× واقع الاتحاد وأسباب الفشل والجمود

× الاتحاد المغاربي وأي مستقبل

× دور مراكز البحث في خدمة أهداف الاتحاد

v المحور الأول: واقع الاتحاد وأسباب الفشل والجمود

في مستهل النقاش أعاد الدكتور المالكي طرح الفكرة التي تحفظ عليها الدكتور الجنتي في الفترة الصباحية، والتي مفادها أن قضية الصحراء لا تشكل عائقا أمام البناء المغاربي. ثم علق فكرة مركزية العامل الخارجي في رصد مسار الاتحاد المغاربي. فمن وجهة نظر الدكتور المالكي فإن أهمية العامل الخارجي، تكمن في تحليل وضعية التكامل في المغرب العربي.

كما تناول د. المالكي مستقبل الاتحاد المغاربي وحدد له ثلاث سيناريوهات، هما:

· استيعاب خطر اللامغرب عربي

· التخلي عن المشروع

· ممارسة ضغوط أجنبية لتحريك الاتحاد، لكنه سيناريو يبدو بعيدا

أقر د. امحمد المالكي بفشل مشروع اتحاد المغرب العربي، وتساءل فيما إذا كانت الشعوب المغاربية قد ذهبت ضحية الدولة القطرية. وفي محاولة إجابته حمل النخبة المغاربية مسؤولية فشل المشروع، لكونها ظلت حبيسة الرؤية التاريخية. كما أن هذه النخبة لا ترتبط بالتساؤلات المطروحة على مستوى المجتمع.

إن الدول الدول المغاربية ـ حسب المالكي ـ ليست دول قطرية بما تحمله الكلمة من معنى. ثم أن الإشكال في المنطقة لا يرتبط بالدولة القطرية في حد ذاتها، لأن الدولة هو وجود وعي بالعيش المشترك ومن ثم نقل هذا الوعي إلى مؤسسات.

أما الدكتور الجنتي فقد أعاد طرح التساؤل حول سبب فشل المغرب العربي على الرغم من وجود مقومات الوحدة. واستدل في هذا الإطار أيضا بتجارب أخرى، مثل فشل الوحدة بين مصر والسودان وفشل الوحدة بين لبنان وسوريا ومصر في فترات سابقة.

وشدد الدكتور الجنتي أيضا على أهمية الحاجة إلى الديموقراطية لتجاوز عدد من المعضلات المؤسساتية، وذلك من قبيل احتكار مجلس الرئاسة لاتخاذ القرار. كما أن استبعاد فاعلين آخرين، مثل الجمعيات والأحزاب والجامعات، يعد انحرافا عن الممارسة الديموقراطية ويجب تجاوزها.

أما الدكتور سمير بودينار فقد حذر من السقوط في فخ المقارن بين النماذج عند دراسة تجربة اتحاد المغرب العربي. وفي مداخلته ركز على مسؤولية النخبة باعتبارها المحور الذي تلتقي عنده العوامل الداخلية والخارجية. فنجاعة هذه النخب على مستوى كل دولة منذ الاستقلال مرتبط بمدى القدرة على التعاطي مع العنصر الخارجي.

v المحور الثاني: الاتحاد المغاربي وأي مستقبل

في هذا المحور ناقش المتدخلون قضية الشرعية وإعادة بناء الشرعية عند الدول المغاربية. وتمت الإشارة إلى أن هذا الموضوع قد طرح في المنطقة منذ الثمانينيات، خاصة في ظل تآكل شرعية أنظمتها. وإذا كانت هناك دول قد قطعت أشواطا في هذا الأمر مثل المغرب، فإن دول أخرى ظلت تراوح مكانها. وفي كل الحالات يشكل استمرار الوضع كما هو عليه الأمر في المغرب العربي ينبئ بسيناريو كارثي في المنطقة.

تمت الإشارة أيضا في هذا المحور إلى أن الاتحاد جاء بديلا للمحاور. ثم إن الاتحاد ينظر إليه كفضاء اقتصادي، بالإضافة إلى أن الدعوة إلى إنشاء اتحاد للتبادل الحر في المنطقة جاءت نتيجة عوامل خارجية. كما تطرق المتدخلون إلى العناصر التي يحتاجها الاتحاد المغاربي لينطلق انطلاقة حقيقية، وتم حصرها في ثلاث عناصر أساسية، أولاها دول متطورة اقتصاديا، وثانيها دول متطورة ديموقراطيا، وثالثها تفاعل عناصر غير حكومية.

v المحور الثالث: دور مراكز البحث في خدمة أهداف الاتحاد

تحدث المتدخلون في هذا المحور عن أهمية ودور مراكز البحث في الوقوف على مواطن الخلل وإثارة النقاش حول القضايا المجتمعية. فالمعرفة ترشد السياسات، كما أنها هي الرافعة لمستوى الوعي المؤدي إلى الانخراط السليم في المشاريع المجتمعية. وقد أحال المتدخلون إلى النموذج الأمريكي في العلاقة بين صناعة القرار والدور الذي تقوم به المراكز البحثية من ترشيد وتوجيه لهذا القرار.

وفي هذا السياق تم التطرق أيضا إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي ن تكون سائدة بين المعرفة وصناعة القرار. وتمت الإشارة في هذا الصدد إلى دراسة سابقة لسعد الدين إبراهيم حول ” تجسير الهوة بين المثقف وصانع القرار”، حيث ركزت على ما أسمته ب”الجسر الذهبي” و”الجسر الفضي” و”الجسر النحاسي”.

وبالإضافة إلى ما سبق، طرح المتدخلون أهمية إقناع صانع القرار بتمويل مشاريع المعرفة من المال العام. وفي إشارة إلى دور المعرفة في تطوير مسار اتحاد المغرب العربي تم التشديد على أن يكون هذا الفضاء أفقا للتفكير، وأن يتم إدراج هذه القضية في البرامج التربوية والتعليمية في المنطقة.

وفي نفس الاتجاه، وعلى الرغم من الواقع السلبي على مستوى الاهتمام البحثي والأكاديمي بالقضايا المغاربية، إلا أنه تم التأكيد على ضرورة الاهتمام بإنشاء قاعدة بيانات ومعلومات حول المنطقة. هذا فضلا عن أهمية تشبيك العلاقة بين المؤسسات البحثية في المنطقة المغاربية.

إعداد الباحثين:

*لحسن بسباس*فؤاد فرحاوي

CERHSO :: مسارات البناء المغاربي: نحو رؤية متجددة :: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة
CERHSO :: مسارات البناء المغاربي: نحو رؤية متجددة :: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz