محمود درويش/ شهادة

11221 مشاهدة
عند وفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش طلبت مني مجلة “الكلمة” المغربية أن أشارك بشهادة في ملف حوله، لم يكن بإمكاني فاعتذرت و كان الرد نفسه على عدد من الصحف. وبمناسبة ذكراه الأربعينية تلقيت دعوة من الجهة المنظمة وهي اللجنة الثقافية التابعة لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي/ وجدة، وهي المناسبة الوحيدة التي شاركت فيها بورقة حول الراحل واقتصرت فيها على سرد بعض المحطات الأساسية في حياته. إن دعوتك اللحوحة للمساهمة في هذا الملف حملتني على كتابة هذه الورقة، والتي أرجوا أن تساهم في صياغة رؤية جديدة للشعر خصوصا، ولكل “النصوص” “والخطابات” بشكل عام.
تقديم شهادة في حق شخص ما، ليس أمرا سهلا؛ خاصة إذا كان مبدعا ذا صيت جماهيري، وطنيا، قوميا أو عالميا. أن تقدم شهادة في مبدع من هذا الطراز فالمسألة تقتضي توخي الحذر، لأن الشهادة ليست مجرد شهادة في شخص بقدر ما هي شهادة في رمز، وباعتبار أن الشهادة في مثل هذه الحالات قد تؤكد وقد تنفي، قد تزكي وقد تنقض… فإنها بالتالي قد تمس بقناعة أو حقيقة، قد تخدم قضية وقد تضر بها…….كان أول لقاء لي بشعر درويش في مطلع الثمانينيات من خلال أعماله الشعرية الكاملة، كنت لا في بداية شبابي. هذا الديوان أتاح لي أن آخذ فكرة عن تجربة درويش الشعرية وأن أكتشف كونه الشعري المتفرد (على مستوى الأسلوب كما على مستوى المعجم). أعترف أني كلما كنت أشرع في قراءة نصوصه اعتراني إحساس غامض، نوع من التشتت الذهني والتشوش.لم يكن الشعر اهتمامي الوحيد، فمجالات قراءاتي كانت متعددة، أدبية، فلسفية، سياسية، دينية وفنية.. وكنت أهتم بمحمود درويش ضمن كوكبة أخرى من الشعراء العرب وبعض شعراء الغرب وآسيا، كنت أحاول أن أقترب من عالمه الشعري، وفي الوقت نفسه كنت أقرأ ما يتاح لي مما يكتب عنه والحوارات التي كانت تجرى معه. أول ما قرأت في هذا المضمار مقالا بمجلة الطريق للمفكر اللبناني حسين مروة، والمقال بعنوان “شعر الثورة وثورة الشعر” كان حسين مروة في هذا المقال معجبا بتجربة درويش حد الانبهار. المقال حاول الانتصار لجدلية الثورة والشعر وللحرية والجمال كما تطرق لمفهوم “الغنائية” في شعر درويش بوصفها حالة لا أسلوبا،وجدت المقال ممتعا، وكان أقرب إلى القراءة الاحتفائية منه إلى النقد.جاءت المصادفة التي حملتني على التحرر من سحر نصوص درويش ومن سحر “النصوص” عموما، سواء كانت شعرا أو غيره. كان ذلك سنة 1986، كنت أستاذا بإكمالية عبد المومن بوهران، وذات يوم عندما شرعت في تحضير الدرس لمستوى التاسع أساسي، وكان الدرس حول محمود درويش، لم يعجبني النص الموجود بالكتاب المدرسي، وهو نص لدرويش طبعا، ففكرت في استبداله، فشرعت في تصفح أعماله الكاملة، ثم توقفت عند قصيدة الأرض، وهي قصيدة طويلة، وبعد قراءة متأنية، انتخبت منها مقطعا يبدأ بالبيت التالي: “مساء صغير على قرية مهملة”، في ذلك الأسبوع كان محمود درويش في ضيافة اتحاد الكتاب الجزائريين، والأمسية كانت بالمسرح الجهوي بوهران، المفاجأة هي أن محمود درويش، بمجرد أن اعتلى المنصة و دون مقدمات افتتح أمسيته بالمقطع نفسه الذي اخترته لتلامذتي. أحسست بقشعريرة وانصرفت إلى بيتي قبل نهاية الأمسية، وكنت أتساءل عن سر هذه المصادفة وعن الأسباب والعوامل التي تجعلنا ننجذب إلى نصوص معينة.. اقتنعت ساعتها أني مدعو إلى إعادة النظر في علاقتي بشعر درويش.لقد أدركت بعد سنوات من البحث أن “النص” كيفما كان نوعه يشكل أخطر مؤامرة على العقل، وعلى مصير الإنسانية، حالما يصبح تحت طائلة قانون العرض والطلب وحالما يصبح مبدعه “نجما” يكون “مقدسا” لدى طرف و”ملعون” لدى طرف ثان، وطالما أن متلقي هذا النص لايمتلك القدرة على الفصل بين ما هو واقعي وما هو فرجوي.بعد أن دخل درويش دائرة الضوء الإعلامي والسياسي أصبح مكونا من مكونات المشهد الفرجوي العربي بشكله الفسيفسائي، لقد عملت الآلة الإعلامية والسياسية وسماسرة السلطة على تحويله إلى كائن فرجوي قابل للاستهلاك الواسع، إلى نجم ،وحبذا لو أن مهمته اختزلت في الإمتاع والإدهاش أو في إثارة الاستياء والسخط، على غرار نجوم الغناء والرياضة، بل الأمر يتعدى ذلك لأن “المثقف” حالما يتحول إلى نجم يصبح له أتباع قد ترتقي أقواله ومواقفه لديهم إلى مقام الحقيقة المطلقة.لقد تم استثمار حضوره الكاريزمي لتنشيط المشهد وفق ما يقتضيه الظرف وحسب ما يتطلع إليه الجمهور المتعطش للإثارة.ومثلما كان لدرويش معجبون يقدسونه كان له خصوم وأعداء يتربصون به الدوائر، تخوينا أو تكفيرا وكلا الفريقين لم يعمل سوى على حجب حقيقته كإنسان وكمثقف وكفاعل سياسي.حاول فريق ثالث تحليل نصه الشعري وكشف مواطن قوته الجمالية أو ضعفها، هناك مثلا من رأى أن أغلب نصوص درويش لم تعمل سوى على “أسطرة البؤس” وهناك من اعتبره شاعر “الغياب”، وهناك من يرى أن شعره خدم القضية الفلسطينية واللغة العربية، وآخر يرى عكس ذلك.ويبقى درويش واحدا من أهم الشعراء الذين طبعوا الزمن العربي بميسمهم، بغض النظر إن كان قام بالدور المنوط به كشاعر شاهد بوصفه فاعلا سياسيا ظل قريبا من أصحاب القرار الفلسطيني، وتبقى مهمة المثقف الناقد تجاوز “ميتافيزيقا الحقيقة” مثلما يرى المفكر عبد السلام بنعبد العالي في مقاله “ميتافيزيقا النقد” « تلك الميتافيزيقا التي تحاول الفلسفة اليوم، تحت أسماء متباينة في الظاهر، قد تسمى حفرا أو تقويضا أو تفكيكا، أن تتجاوزها لتجعل النقد لا يقابل حقيقة بحقيقة، وإنما يحفر النص، لا ليحاسب فاعلا هو المسؤول عنه، وإنما ليجعل النص في”بعد عن ذاته” ويكشف فراغاته ويحلل لاشعوره ويفضح لامفكره كي يكشف عن فعل التاريخ فيه«.سعيد هادف/ عن جريدة النصر-الجزائر – في ملف أعدته الجريدة حول الراحل.

محمود درويش/ شهادة
محمود درويش/ شهادة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz